تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (128)

{ 128 - 129 } { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ }

يمتن [ تعالى ] على عباده المؤمنين بما بعث فيهم النبي الأمي الذي من أنفسهم ، يعرفون حاله ، ويتمكنون من الأخذ عنه ، ولا يأنفون عن الانقياد له ، وهو صلى الله عليه وسلم في غاية النصح لهم ، والسعي في مصالحهم .

{ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ } أي : يشق عليه الأمر الذي يشق عليكم ويعنتكم .

{ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ } فيحب لكم الخير ، ويسعى جهده في إيصاله إليكم ، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان ، ويكره لكم الشر ، ويسعى جهده في تنفيركم عنه . { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } أي : شديد الرأفة والرحمة بهم ، أرحم بهم من والديهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (128)

هاتان الآيتان في قول أُبي : أقرب القرآن بالسماء عهدا . وفي قول سعيد بن جبير : آخر ما نزل من القرآن " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " [ البقرة : 281 ] على ما تقدم{[8405]} . فيحتمل أن يكون قول أُبيّ : أقرب القرآن بالسماء عهدا بعد قوله : " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " . والله أعلم . والخطاب للعرب في قول الجمهور ، وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم في ذلك ؛ إذ جاء بلسانهم وبما يفهمونه ، وشرفوا به غابر الأيام . وقال الزجاج : هي مخاطبة لجميع العالم والمعنى : لقد جاءكم رسول من البشر ، والأول أصوب . قال ابن عباس : ما من قبيلة من العرب إلا ولدت النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه قال : يا معشر العرب لقد جاءكم رسول من بني إسماعيل . والقول الثاني أوكد للحجة أي هو بشر مثلكم لتفهموا عنه وتأتموا به .

قوله تعالى : " من أنفسكم " يقتضي مدحا لنسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من صميم العرب وخالصها . وفي صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ) . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إني من نكاح ولست من سفاح ) . معناه أن نسبه صلى الله عليه وسلم إلى آدم عليه السلام لم يكن النسل فيه إلا من نكاح ولم يكن فيه زنى . وقرأ عبدالله بن قُسيط المكي من " أنْفَسِكم " بفتح الفاء من النفاسة ، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن فاطمة رضي الله عنها أي جاءكم رسول من أشرفكم وأفضلكم من قولك : شيء نفيس إذا كان مرغوبا فيه . وقيل : من أنفسكم أي أكثركم طاعة .

قوله تعالى : " عزيز عليه ما عنتم " أي يعز عليه مشقتكم . والعنت : المشقة ؛ من قولهم : أكمة عنوت إذا كانت شاقة مهلكة . وقال ابن الأنباري : أصل التعنت التشديد ، فإذا قالت العرب : فلان يتعنت فلانا ويعنته فمرادهم يشدد عليه ويلزمه بما يصعب عليه أداؤه . وقد تقدم في " البقرة{[8406]} " . " وما " في " ما عنتم " مصدرية ، وهي ابتداء و " عزيز " خبر مقدم . ويجوز أن يكون " ما عنتم " فاعلا بعزيز ، و " عزيز " صفة للرسول ، وهو أصوب . وكذا " حريص عليكم " وكذا " رؤوف رحيم " رفع على الصفة . قال الفراء : ولو قرئ عزيزا عليه ، ما عنتم حريصا رؤوفا رحيما ، نصبا على الحال جاز . قال أبو جعفر النحاس : وأحسن ما قيل في معناه مما يوافق كلام العرب ما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال حدثنا عبدالله بن محمد الخزاعي قال سمعت عمرو بن علي يقول : سمعت عبدالله بن داود الخريبي يقول في قوله عز وجل : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم " قال : أن تدخلوا النار ، " حريص عليكم " أن تدخلوا الجنة . وقيل : حريص عليكم أن تؤمنوا . وقال : الفراء : شحيح بأن تدخلوا النار . والحرص على الشيء : الشح عليه أن يضيع ويتلف . " بالمؤمنين رؤوف رحيم " الرؤوف : المبالغ في الرأفة والشفقة . وقد تقدم في " البقرة " معنى " رؤوف رحيم " مستوفى{[8407]} . وقال الحسين بن الفضل : لم يجمع الله لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنه قال : " بالمؤمنين رؤوف رحيم " وقال : " إن الله بالناس لرؤوف رحيم " [ الحج : 65 ] . وقال عبدالعزيز بن يحيى : نظم الآية لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز حريص بالمؤمنين رؤوف رحيم ، عزيز عليه ما عنتم لا يهمه إلا شأنكم ، وهو القائم بالشفاعة لكم فلا تهتموا بما عنتم ما أقمتم على سنته ، فإنه لا يرضيه إلا دخولكم الجنة .


[8405]:راجع ج 3 ص 350.
[8406]:راجع ج 3 ص 66.
[8407]:راجع ج 1 ص 103 و ج 2 ص 153، 158
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (128)

{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم } يعني : النبي صلى الله عليه وسلم ، والخطاب للعرب أو لقريش خاصة أي : من قبيلتكم حيث تعرفون حسبه وصدقه وأمانته أو لبني آدم كلهم أي : من جنسكم وقرئ { من أنفسكم } بفتح الفاء أي : من أشرفكم .

{ عزيز عليه ما عنتم } أي : يشق عليه عنتكم ، والعنت : هو ما يضرهم في دينهم أو دنياهم وعزيز صفة للرسول ، و{ ما عنتم } فاعل ب{ عزيز } ، و{ ما } مصدرية أو { ما عنتم } مصدر ، و{ عزيز } خبر مقدم والجملة في موضع الصفة { حريص عليكم } أي : حريص على إيمانكم وسعادتكم .

{ بالمؤمنين رؤوف رحيم } سماه الله هنا باسمين من أسمائه .