تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ} (187)

{ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد ، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل من أعطاه [ الله ] الكتب وعلمه العلم ، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله ، ولا يكتمهم ذلك ، ويبخل عليهم به ، خصوصا إذا سألوه ، أو وقع ما يوجب ذلك ، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه ، ويوضح الحق من الباطل .

فأما الموفقون ، فقاموا بهذا أتم القيام ، وعلموا الناس مما علمهم الله ، ابتغاء مرضاة ربهم ، وشفقة على الخلق ، وخوفا من إثم الكتمان .

وأما الذين أوتوا الكتاب ، من اليهود والنصارى ومن شابههم ، فنبذوا هذه العهود والمواثيق وراء ظهورهم ، فلم يعبأوا بها ، فكتموا الحق ، وأظهروا الباطل ، تجرؤا على محارم الله ، وتهاونا بحقوق الله ، وحقوق الخلق ، واشتروا بذلك الكتمان ثمنا قليلا ، وهو ما يحصل لهم إن حصل من بعض الرياسات ، والأموال الحقيرة ، من سفلتهم المتبعين أهواءهم ، المقدمين شهواتهم على الحق ، { فبئس ما يشترون } لأنه أخس العوض ، والذي رغبوا عنه -وهو بيان الحق ، الذي فيه السعادة الأبدية ، والمصالح الدينية والدنيوية- أعظم المطالب وأجلها ، فلم يختاروا الدنيء الخسيس ويتركوا العالي النفيس ، إلا لسوء حظهم وهوانهم ، وكونهم لا يصلحون لغير ما خلقوا له .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ} (187)

{ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب } الآية أخذ الله ميثاق اليهود في التوراة ليبينن شأن محمد ونعته ومبعثه ولا يخفونه فنبذوا الميثاق ولم يعملوا به وذلك قوله { فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا } أي ما كانوا يأخذونه من سفلتهم برئاستهم في العلم { فبئس ما يشترون } قبح شراؤهم وخسروا

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ} (187)

قوله تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير ) .

ذلك تنديد بأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد والالتزام أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه و سلم ويتبعوه ويمضوا على طريقه ودينه وأن يبينوا للناس صدق رسالة الإسلام وصدق نبوة محمد صلى الله عليه و سلم وأن لا يكتموا ذلك عن الناس بل يبينوه تبيينا كما وجوده مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، لكنهم كتموا خبر الإسلام عن الناس وكذبوا نبوة محمد صلى الله عليه و سلم . وهو قوله : ( فنبذوه وراء ظهورهم ) أي نبذوا الميثاق ، من النبذ وهو الإلقاء والطرح ونبذت العهد ، أي نقضته . والنبذ وراء الظهر ، مبالغة في النقض وعدم الاعتداد .

وقوله : ( واشتروا به ثمنا قليلا ) أي أخذوا بدلا عن كتمان الحق وتحريف كتبهم ما أخذوه من عرض خسيس من أعراض الدنيا وحطامها المهين الفاني . فبئس البيع وبئست الصفقة التي ينقض فيها الميثاق وتؤخذ فيها الخسائس من حقارات الدنيا ولعاعاتها الدائرة عوضا عن دين الله وعن كشف الحقيقة للناس . وهو تأويل قوله : ( فبئس ما يشترون ) .

على أن هذا التنديد بالمكذبين الكاتمين من أحبار يهود الذين أخفوا عن الناس ما وجدوه في كتابهم من تنويه بالإسلام وبمحمد صلى الله عليه و سلم ، ينسحب بالضرورة على العلماء في كل ملة من ملل السماء . أولئك الذين يخفون ما علموا عن الناس طمعا في جاه رخيص أو حظوة هابطة مهينة يتزلفون من أجلها لدى أعتبة الحكام والسلاطين ، بل على العلماء – ومنهم المسلمون خاصة- أن يجهروا بالدعوة إلى الله وأن يصدعوا بالحق ليعلنوا للبشرية في كل الآفاق وفي سائر أنحاء الدنيا أن الإسلام حق وأن فيه البلسم الشافي لكل المجتمعات ومن كل المعضلات الإنسانية ، النفسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والثقافية وغير ذلك من مختلف القضايا . وإذا لم يضطلع علماء الإسلام بهذه الوجيبة العظيمة فلسوف يبوءون بعذاب الله والمساءلة العسيرة يوم الحساب حيث الخزي والافتضاح والمهانة لكل المنافقين الخائرين الذين باعوا دينهم بدنياهم . وفي هذا أخرج أحمد في مسنده وآخرون من أصحاب السنن وكذا الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار " {[660]} .


[660]:-أنظر الجامع الصغير للسيوطي جـ 2 ص 608.