فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ} (37)

{ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } أي من أعظم ظلما ممن يقول على الله ما لم يقله أو يجعل له شريكا من خلقه وهو منزه عنه { أو كذب بآياته } أي بالقرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم .

{ أولئك } الإشارة إلى المكذبين المستكبرين { ينالهم نصيبهم من الكتاب } أي مما كتب الله لهم من خير وشر ، وقيل ينالهم من العذاب بقدر كفرهم ، وقيل نصيبهم من الشقاوة والسعادة .

وقال مجاهد : ما سبق من الكتاب ، وقال محمد ن كعب : رزقه وأجله وعمله وصححه الطبري ، وقال الرازي : وإنما حصل الاختلاف لأن لفظ النصيب محتمل لكل الوجوه ، وقيل : الكتاب هنا القرآن لأن عذاب الكفار مذكور فيه ، وقيل هو اللوح المحفوظ{[751]} .

{ حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم } أي إلى غاية هي هذه ، والمراد بالرسل هنا ملك الموت وأعوانه أو الملائكة بإدخالهم النار ، ففي المقام قولان ذكرهما الخازن وقيل حتى هنا هي التي للابتداء ولكن لا يخفى أن كونها لابتداء الكلام بعدها لا ينافي كونها غاية لما قبلها .

والاستفهام في قوله { قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله } للتقريع والتوبيخ لا سؤال استعلام أي أين الآلهة التي كنتم تدعونها من دون الله وتعبدونها ليدفعوا عنكم ما نزل بكم ؟ وقيل : إن هذا يكون في الآخرة .

{ قالوا } استئنافية بتقدير سؤال وقعت هي جوابا عنه كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك فقيل قالوا { ضلوا عنا } أي ذهبوا عنا وغابوا فلا ندري أين هم .

قال الكرخي : وهو جواب من حيث المعنى لا من حيث اللفظ . وذلك أن السؤال إنما وقع عن المكان ، ولو جاء الجواب على نسق السؤال لقيل هم في المكان الفلاني ، وإنما المعنى ما فعل معبودكم ومن كنتم تدعونه فأجابوا بأنهم ضلوا عنا وغابوا فلم نرهم مع شدة احتياجنا إليهم في هذا الوقت فلم ينفعونا وقت الاحتياج إليهم { وشهدوا على أنفسهم } عند الموت { أنهم كانوا كافرين } أي أقروا على أنفسهم بالكفر .


[751]:وذكر القرطبي عن الحسن بن علي الحلواني قال أملى علي علي بن المديني قال: سألت عبد الرحمن ابن مهدي عن القدر قال: كل شيء بقدر والطاعة والمعصية بقدر.