فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} (32)

{ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون 32 قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون 33 } .

{ قل } إنكارا على هؤلاء الجهلة من العرب الذين يطوفون بالبيت عراة والذين يحرمون على أنفسهم في أيام الحج اللحم والدسم { من حرم زينة الله } الزينة ما تزين به الإنسان من ملبوس أو غيره من الأشياء المباحة كالمعادن التي لم يرد نهي عن التزين بها والجواهر ونحوها وقيل الملبوس خاصة ، ولا وجه له . بل هو من جملة ما تشمله الآية .

فلا حرج على من لبس الثياب الجيدة الغالية القيمة إذا لم تكن مما حرمه الله ولا حرج على من تزين بشيء من الأشياء التي لها مدخل في الزينة ولم يمنع منها مانع شرعي ، ومن زعم أن ذلك يخالف الزهد فقد غلط غلطا بينا وقد قدمنا في هذا ما يكفي .

قال الرازي : إنه يتناول جميع الزينة فيدخل تحته جميع أنواع الملبوس والحلي ، ولولا أن النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير على الرجال لدخلا في هذا العموم .

{ التي أخرج لعباده } أي أصلها يعني القطن والكتان من الأرض والقز من الدود ، واللحاء من الشجر ، والحرير والصوف من الحيوان والدروع والجواهر من المعادن ، قال ابن عباس : كانت قريش تطوف بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون فأنزل الله هذه الآية وأمروا بالثياب أن يلبسوها .

{ والطيبات من الرزق } أي وهكذا الطيبات المستلذات من المطاعم والمشارب والمآكل ونحوها مما يأكله الناس ، فإنه لا زهد في ترك الطيب منها ، ولهذا جاءت الآية هذه معنونة بالاستفهام المتضمن للإنكار على من حرم ذلك على نفسه أو حرمه على غيره .

وما أحسن ما قال ابن جرير الطبري : ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حله ، ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر ، ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض الشهوة .

وقد قدمنا نقل مثل هذا عنه مطولا ، والطيبات المستلذات من الطعام ، وقال ابن عباس : الودك واللحم والسمن ، وقيل اللحم والدسم الذي كانوا يحرمونه على أنفسهم أيام الحج يعظمون بذلك حجهم ، فرد الله عليهم بقوله هذا ، وقال قتادة : المراد ما كان أهل الجاهلية يحرمونه من البحائر والسوائب .

وقيل إن الآية على العموم فيدخل تحته كل ما يستلذ ويشتهي من سائر المطعومات إلا ما نهى عنه وورد النص بتحريمه ، وهو الحق كما تقدم ، وقيل هو المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإباحة لأن الاستفهام في { زمن } إنكاري انتهى ونحوه في البيضاوي .

{ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } أي : إنها لهم بالأصالة والاستحقاق وإن شاركهم الكفار فيها ما داموا في الحياة { خالصة يوم القيامة } أي مختصة بهم والتقدير قل هي للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا خالصة للمؤمنين يوم القيامة فهي لهم أصالة وللكفار تبعا لقوله { ومن كفر فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار } .

قال ابن عباس في الآية : يعني شارك المسلمون الكفار في الطيبات في الحياة الدنيا ، فأكلوا من طيبات طعامها ولبسوا من جياد ثيابها ، ونكحوا من صالحي نسائهم ، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا وليس للمشركين فيها شيء ، وقيل خالصة من التكدير والتنغيص والغم لأنه قد يقع لهم ذلك في الدنيا والأول أولى .

{ كذلك } أي مثل هذا التفصيل والتبيين { نفصل الآيات } المشتملة على التحليل والتحريم { لقوم يعلمون } إني أنا الله وحدي لا شريك لي فأحلوا حلالي وحرموا حرامي .