{ إن اول بيت وضع للناس الذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين }
أول بيت : أول موضع لعبادة الله وحده .
بكة : من أسماء مكة وبكة علم على البلد الحرام وقيل بكة : للبيت ومكة البلد ، أصله من البك وهو الازدحام .
إن أول بيت أقيم لعبادة الله وحده هو البيت الحرام بمكة فقد بناه إبراهيم عليه السلام بأمر الله وعاونه في البناء ولده إسماعيل وأمره الله ان يؤذن في الناس بالحج إليه قال تعالى : { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق }( الحج 27 ) .
والبيت الحرام أول بيت وضع للناس مباركا فيه الهدى والرحمة والبركة .
واعلم أن الغرض الأصلي من ذكر هذه الأولوية بيان الفضيلة وترجيحه على بيت المقدس ولا تأثير لأولية البناء في هذا المقصود وإن كان الأرجح ثبوت تلك الأولوية أيضا . .
ومن فضائل البيت الحرام ان الآمر ببنائه الرب الجليل والمهندس جبريل وبانيه الخليل وتلميذه ابنه إسماعيل ومنها أنه محل إجابة الدعوات ومهبط الخيرات والبركات ومصعد الصلوات والطاعات .
ومنها أن الحيوانات المتضادة في الطباع لا يؤذي بعضها بعضا عنده كالكلاب والظباء .
ومن فضائل البيت أمن سكانه فلم ينقل ألبته ان ظالما هدم الكعبة أو خرب مكة بالكلية وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية وقصة أصحاب الفيل الذين صدهم الله عن البيت الحرام معروفة مشهورة10 .
ومن بركات البيت الحرام انه مكان لأكبر عبادة جامعة للمسلمين وهي فريضة الحج وإليه يتجه المسلمون في صلاتهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأماكنهم .
أخرج الشيخان واللفظ لمسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول بيت وضع في الأرض ؟ قال المسجد الحرام قلت ثم أي ؟ قال المسجد الأقصى قلت كم بينهما ؟ قال أربعون عاما ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل11 .
قال ابن القيم في زاد المعاد تعقيبا على هذا الحديث قد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به فقال معلوم ان سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد الأقصى وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام وهذا من جهل القائل فإن سليمان كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه والذي أسسه هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام بعد بناء إبراهيم للكعبة بهذا المقدار أي بأربعين عاما 12
ذهب بعض المفسرين إلى ان أولية البيت الحرام زمانية بالنسبة إلى وضع البيوت مطلقا فقالوا إن الملائكة بنته قبل خلق آدم وإن بيت المقدس بني بعده بأربعين عاما قال الشيخ محمد : عبده : إذا صح الحديث فلا شيء في العقل يحيله ولكن الآية لا تدل عليه ولا يتوقف الاحتجاج بها على ثبوته .
وبيت المقدس المعروف الذي انصرف إليه الإطلاق قد بناه سليمان بالاتفاق والمعروف أنه تم بناؤه سنة 1005 قبل ميلاد المسيح عليه السلام13 .
وذهب آخرون إلى أنه أول البيوت في الشرف والرفعة ( وعن علي ان رجلا قال له هو اول بيت ؟ قال لا قد كان قبله بيوت ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا فيه الهدى والرحمة والبركة ) 14 .
( هذا وإن أخبار التاريخ ليست مما بلغ على أنه دين والموضوعات المروية في بناء الكعبة كثيرة ولا حاجة إلى إضاعة الوقت في ذكرها وبيان وضعها ) 15 .
قال الفخر الرازي : في اتصال هاتين الآيتين بما قبلها وجوه ، الأول : أن المراد منهما الجواب عن شبهة أخرى من شبهات اليهود في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه لما حولت القبلة إلى الكعبة طعن اليهود في نبوته وقالوا إن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال وذلك لانه وضع قبل الكعبة وهو ارض المحشر وقبلة جملة الأنبياء وإذا كان كذلك كان تحويل القبلة إلى الكعبة باطلا فأجاب الله عنه بقوله : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة . . فبين سبحانه أن الكعبة أفضل من بيت المقدس وأشرف فكان جعلها قبلة أولى . . 16 .
والمراد بالأولية أنه اول بيت وضعه الله لعبادته في الأرض وقيل المراد بها كونه أولا في الوضع وفي البناء ورووا في ذلك آثارا ليس فيها ما يعتمد عليه17 .
{ للذي ببكة } بكة لغة في مكة عند الأكثرين والباء والميم تعقب إحداهما الأخرى كثيرا ومنه ضربة لازم وضربة لازب وقيل مكة وبكة موضع المسجد وفي الصحاح بكة اسم مكة .
وأما اشتقاق بكة فمن قولهم بكة إذا زحمه ودفعه وعن أبي سعيد بن جبير سميت بكة لانهم يتباركون فيها أي يزدحمون في الطواف وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة قال بعضهم رأيت محمد بن علي الباقر يصلي فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال : دعها فإنها سميت بكة لانه يبك بعضهم بعضا تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي والرجل بين يدي المرآة وهي تصلي ولا بأس بذلك في هذا المكان ويؤكد هذا قول من قال : بكة موضع المسجد لان المطاف هناك وفيه الازدحام .
وقيل : سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها لم يقصدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه . . ) 18 { مباركا وهدى للعالمين } أي كثير الخير والبركة والنماء والزيادة لما يحصل لمن حجه واعتمره وعكف عنده وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب .
قال : صلى الله عليه وسلم " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " 19 .
وقال في تفسير ابن كثير ما يأتي :
قال قتادة : إن الله بك به الناس جميعا فيصلي النساء أمام الرجل ولا يفعل ذلك ببلد غيرها وقال شعبة عن إبراهيم : بكة البيت والمسجد وقال عكرمة البيت وما حوله بكة وما وراء ذلك مكة وقال مقاتل بن حيان بكة موضع البيت وما سوي ذلك مكة .
وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة : ( مكة وبكة والبيت العتيق والبيت الحرام والبلد الأمين وأم القرى والقادس لأنها تطهر من الذنوب والمقدسة والحاطمة والرأس والبلدة والبنية والكعبة ) .
{ وهدى للعالمين } : أي هو بذاته مصدر هداية لأنه قبلتهم ومتعبدهم وفي استقباله توجيه للقلوب والعقول إلى الخير ولعله لا تمر ساعة من ليل أو نهار وليس فيه أناس يتوجهون إلى ذلك البيت يصلون فأي هداية للعالمين اظهر من هذه الهداية ؟ 20 .
( ولو استحضر العاقل في نفسه ان الكعبة كالنقطة وصفوف المتجهين إليها في الصلوات في أقطار الأرض وأكنافها كالدوائر المحيطة بالمركز ولا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علوية وقلوبهم قدسية وأسرارهم نورانية وضمائرهم ربانية علم انه إذا توجهت تلك الأرواح الصافية إلى كعبة المعرفة واستقبلت أجسادهم هذه الكعبة الحسية اتصلت أنوار أولئك الأرواح بنوره وعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره ) 21 .
{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } . أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جريج قال : بلغنا أن اليهود قالت : بيت المقدس أعظم من الكعبة ؛ لأنه مهاجر الأنبياء ولأنه في الأرض المقدسة ، فقال المسلمون : بل الكعبة أعظم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت إلى { مَّقَامِ إبراهيم } [ آل عمران : 97 ] وروي مثل ذلك عن مجاهد ، ووجه ربطها بما قبلها أن الله تعالى أمر الكفرة باتباع ملة إبراهيم ، ومن ملته تعظيم بيت الله تعالى الحرام فناسب ذكر البيت وفضله وحرمته لذلك ، وقيل : وجه المناسبة أن هذه شبهة ثانية ادعوها فأكذبهم الله تعالى فيها كما أكذبهم في سابقتها ، والمعنى : إن أول بيت وضع لعبادة الناس ربهم أي هيىء وجعل متعبداً ؛ والواضع هو الله تعالى كما يدل عليه قراءة من قرأ { وُضِعَ } بالبناء للفاعل لأن الظاهر حينئذٍ أن يكون الضمير راجعاً إلى الله تعالى وإن لم يتقدم ذكره سبحانه صريحاً في الآية بناءاً على أنها مستأنفة واحتمال عوده إلى إبراهيم عليه السلام لاشتهاره ببناء البيت ، خلاف الظاهر ، وجملة { وُضِعَ } في موضع جر على أنها صفة { بَيتَ } و { لِلنَّاسِ } متعلق به واللام فيه للعلة .
وقوله تعالى : { لَلَّذِى بِبَكَّةَ } خبر { إن } واللام مزحلقة ، وأخبر بالمعرفة عن النكرة لتخصيصها ، وهذا في باب إن ، و بكة لغة في مكة عند الأكثرين والباء والميم تعقب إحداهما الأخرى كثيراً ، ومنه نميط ونبيط ولازم ولازب وراتب وراتم ، وقيل : هما متغايران فبكة موضع المسجد ومكة البلد بأسرها ، وأصلها من البك بمعنى الزحم يقال بكه يبكه بكاً إذا زحمه ، وتباك الناس إذا ازدحموا وكأنها إنما سميت بذلك لازدحام الحجيج فيها ، وقيل : بمعنى الدق وسميت بذلك لدق أعناق الجبابرة إذا أرادوها بسوء وإذلالهم فيها ولذا تراهم في الطواف كآحاد الناس ولو أمكنهم الله تعالى من تخلية المطاف لفعلوا ؛ وقيل : إنها مأخوذة من بكأت الناقة أو الشاة إذا قل لبنها وكأنها إنما سميت بذلك لقلة مائها وخصبها ، قيل : ومن هنا سميت البلد مكة أيضاً أخذاً لها من أمتك الفصيل ما في الضرع إذا امتصه ولم يبق فيه من اللبن شيئاً ، وقيل : هي من مكه الله تعالى إذا استقصاه بالهلاك .
ثم المراد بالأولية ، الأولية بحسب الزمان ، وقيل : بحسب الشرف ، ويؤيد الأول : ما أخرجه الشيخان عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول بيت وضع للناس فقال : «المسجد الحرام ثم بيت المقدس فقيل : كم بينهما ؟ فقال : أربعون سنة » واستشكل ذلك بأن باني المسجد الحرام إبراهيم عليه السلام وباني الأقصى داود ثم ابنه سليمان عليهما السلام ، ورفع قبته ثمانية عشر ميلاً( {[198]} ) وبين بناء إبراهيم وبنائهما مدة تزيد على الأربعين بأمثالها .
وأجيب بأن الوضع غير البناء والسؤال عن مدة ما بين وضعيهما لا عن مدة ما بين بناءيهما فيحتمل أن واضع الأقصى بعض الأنبياء قبل داود وابنه عليهما السلام ثم بنياه بعد ذلك ، ولا بد من هذا التأويل قاله الطحاوي وأجاب بعضهم على تقدير أن يراد من الوضع البناء بأن باني المسجد الحرام والمسجد الأقصى هو إبراهيم عليه السلام وأنه بنى الأقصى بعد أربعين سنة من بنائه المسجد الحرام وادعى فهم ذلك من الحديث ، فتدبر .
وورد في بعض الآثار أن أول من بنى البيت الملائكة وقد بنوه قبل آدم عليه السلام بألفي عام ، وعن مجاهد وقتادة والسدي ما يؤيد ذلك ، وحكي أن بناء الملائكة له كان من ياقوتة حمراء ثم بناه آدم ثم شيث ثم إبراهيم ثم العمالقة ثم جرهم ثم قصي ثم قريش ثم عبد الله بن الزبير ثم الحجاج واستمر بناء الحجاج إلى الآن إلا في الميزاب والباب والعتبة ووقع الترميم في الجدار والسقف غير مرة وجدد فيه الرخام ، وقيل : إنه نزل مع آدم من الجنة ثم رفع بعد موته إلى السماء ، وقيل : بني قبله ورفع في الطوفان إلى السماء السابعة ، وقيل : الرابعة ، وذهب أكثر أهل الأخبار أن الأرض دحيت من تحته ، وقد أسلفنا لك ما ينفعك هنا فتذكر .
{ مُبَارَكاً } أي كثير الخير لما أنه يضاعف فيه ثواب العبادة قاله ابن عباس ، وقيل : لأنه يغفر فيه الذنوب لمن حجه وطاف به واعتكف عنده . وقال القفال : يجوز أن تكون بركته ما ذكر في قوله تعالى : { يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } [ القصص : 57 ] ، وقيل : بركته دوام العبادة فيه ولزومها ، وقد جاءت البركة بمعنيين : النمو وهو الشائع ، والثبوت ومنه البركة لثبوت الماء فيها والبرك الصدر لثبوت الحفظ فيه وتبارك الله سبحانه بمعنى ثبت ولم يزل ، ووجه الكرماني كونه مباركاً بأن الكعبة كالنقطة وصفوف المتوجهين إليها في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز ولا شك أن فيهم أشخاصاً أرواحهم علوية وقلوبهم قدسية وأسرارهم نورانية وضمائرهم ربانية ومن كان في المسجد الحرام يتصل أنوار تلك الأرواح الصافية المقدسة بنور روحه فتزداد الأنوار الإلهية في قلبه وهذا غاية البركة ثم إن الأرض كرية وكل آن يفرض فهو صبح لقوم ، ظهر لثان ، عصر لثالث ، وهلم جراً ، فليست الكعبة منفكة قط عن توجه قوم إليها لأداء الفرائض فهو دائماً كذلك والمنصوب حال من الضمير المستتر في الظرف الواقع صلة . وجوز أبو البقاء جعله حالاً من الضمير في وضع .
{ وَهُدًى للعالمين } أي هاد لهم إلى الجنة التي أرادها سبحانه أو هاد إليه جل شأنه بما فيه من الآيات العجيبة كما قال تعالى :
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ للذي بِبَكَّةَ } وهو الكعبة التي هي من أعظم المظاهر له تعالى حتى قالوا : إنها للمحمديين كالشجرة لموسى عليه السلام { مُبَارَكاً } بما كساه من أنوار ذاته { وهدى } بما كساه من أنوار صفاته { للعالمين } [ آل عمران : 96 ] على حسب استعدادهم
قوله تعالى : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان منا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) .
جاء في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين واليهود تفاخروا ، فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة ؛ لأنه مهاجر الأنبياء وفي الأرض المقدسة ، وقال المسلمون : بل الكعبة أفضل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية{[523]} .
يخبر الله تعالى في ذلك أن أول بيت وضع لعموم الناس من أجل عبادتهم لهو الذي ببكة . وليس المراد أنه أول بيت وضع في الأرض ؛ لأنه كانت قبله بيوت كثيرة ، يدل على ذلك من الأخبار ما رواه أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ! أي مسجد وضع أول ؟ قال : " المسجد الحرام " قلت : ثم أي ؟ قال : " المسجد الأقصى " قلت : كم بينهما ؟ قال : " أربعون سنة " قلت : ثم أي ؟ قال : " ثم حيث أدركتك الصلاة فصل فكلها مسجد " {[524]} .
وقام رجل إلى علي رضي الله عنه فقال : ألا تحدثني عن البيت أهو أول بيت وضع في الأرض ؟ قال : لا ، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا{[525]} .
إذا ثبت أن هذا البيت ( الكعبة ) أول بيت وضع للناس كيما يعبدوا الله فيه ، فإنه ينبغي القول أن هذا البيت خير بيوت العبادة في الأرض طُرّا ؛ وذلك لما يُحف به من الفضل والشرف وعلو المكانة . وذلك مستفاد من ظاهر الآية ( مباركا ) طيبا .
وقد دلل الإمام الرازي على ثبوت الأولية في الفضل والشرف للكعبة خاصة يجعلها تعلو في المنزلة على بيت المقدس . وذلك بجملة دلائل منها : أولا : اتفاق الأمم على أن باني البيت هو إبراهيم الخليل عليه السلام ، وأن باني بيت المقدس هو سليمان عليه السلام . والخليل من حيث الدرجة أعظم من سليمان عليه السلام ، فهو ( الخليل ) أحد النبيين الخمسة أولى العزم المفضلين على سائر الأنبياء والمرسلين . فمن هذا الوجه لزم أن تكون الكعبة أشرف من بيت المقدس .
ثانيا : خاصية الأمن التي تتجلى في مكة حيث البيت الحرام بما ليس لذلك نظير في سائر بقاع الدنيا . وعلى هذا فإن كل من سكن مكة أمن من النهب والغارة ، لا جرم أن ذلك ببركة دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام ؛ حيث قال : ( رب اجعل هذا بلدا آمنا ) وقال سبحانه فيما يتجلى في هذا البيت من أمن : ( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) ولم ينقل البتة أن ظالما هدم الكعبة وخرب مكة بالكلية ؛ لكن بيت المقدس قد هدمه الطاغية الشقي ، الكلداني بختنصر بالكلية .
ثالثا : لما قاد أبرهة الأشرم الجيوش والفيل متوجها صوب مكة لتخريب الكعبة وتدميرها وقد عجزت قريش عن مقاومة أولئك الطغاة المخربين ففارقت مكة لتظل الكعبة وحدها هدفا ميسورا لأبرهة وعساكره المفسدين فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل ، وكانت صغارا تحمل أحجارا ترميمهم بها فهلك الملك وهلك العسكر بتلك الأحجار مع أنها كانت في غاية الصغير ، لا جرم أن هذه آية باهرة دالة على شرف الكعبة وهي إرهاص{[526]} لنبوة محمد صلى الله عليه و سلم{[527]} .
قوله : ( الذين ببكة ) اللام تفيد التوكيد . وبكة المراد بها مكة ، أما اشتقاقها فهو موضع خلاف ، فقد قيل : من البك وهو التدافع والتزاحم . بكه يبكه بكا إذا دفعه وزحمه . وتباك القوم إذا ازدحموا . وعلى هذا سميت مكة بكة ؛ لأنهم يتباكّون فيها أي يزدحمون في الطواف .
وقيل : البك معناه الدق . وسميت بكة ؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة فلا يريدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه وقيل غير ذلك{[528]} .
قوله : ( مباركا ) منصوب على الحال ، من البركة وهي النماء والزيادة ، وقد جعل البيت الحرام مباركا لما يحصل لحاجه ومعتمره والعاكف عنده والطائف من حوله من الخير المضاعف الكثير ، لا جرم أن فعل الخيرات وأداء الطاعات في بيت الله الحرام يفوق في كثرته فعل الطاعات والخيرات فيما سواه من الأماكن الأخرى ، فضلا عما يسعد به العابد في تلكم الديار من تكفير للخطايا والذنوب واستجابة للدعوات يهتف بها القلب المؤمن ، وهو في رحاب الله حيث البيت المفضل العتيق .
قوله : ( وهدى للعالمين ) الهدى يعني الرشاد والدلالة . هداه هدى وهديا وهداية ، أي أرشده ودله . ومنه هداه الله الطريق{[529]} وتأويل الآية هو أن الكعبة جعلت قبلة للناس لكي يستدلوا على جهة صلاتهم فحيثما كانوا لزمهم عند أداء الصلاة أن ييمموا شطرها .