تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا} (30)

28

{ يا نساء النبيء من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا }

المفردات :

بفاحشة : فعلة قبيحة أو معصية كبيرة .

مبينة : ظاهرة القبح من قولهم : بين كذا بمعنى ظهر وتبين .

ضعفين : ضعفي عذاب غيرهن أي : مثليه .

يسيرا : هينا لا يمنعه عنه كونهن نساء النبي بل هذا سبب له .

التفسير :

زوجات الرسول الأمين يظلهن بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وفيه ينزل وحي السماء وتعاليم الله لعباده وهن يشاهدن رسول الله أمامهن وهو القدوة والأسوة والمثل الأعلى لذلك يضاعف الله عقوبتهن على المعصية ولما كان الله قد عصم زوجات النبي صلى الله عليه وسلم من ارتكاب فاحشة الزنا فإن المراد بالفاحشة المبينة القبيح من الأفعال كعصيان الله ورسوله وطلب ما يشق على الرسول ويضيق به ذرعا ويغنم لأجله إذا فعلت إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك فإن الله تعالى يضاعف لها العذاب ضعفين : أي ضعفي عذاب غيرها لأن زلة العالم يقرع بها الطبل وزلة الجاهل يخفيها الجهل ، فلعلو منزلتهن ضاعف الله عقوبتهن عند المعصية ، كما ضاعف الله لهن الثواب عند الاستقامة والعمل الصالح .

روى أن رجلا قال لزين العابدين رضي الله عنه : إنكم أهل بيت مغفور لكم فغضب وقال : نحن أحرى أن يجرى فينا ما أجرى الله في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من أن نكون كما قلت : إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر ولمسيئنا ضعفين من العذاب وقرأ هذه الآية والتي تليها .

جاء في تفسير القاسمي ما يأتي :

قال القاضي لأن الذنب منهن أقبح فإن زيادة قبحه ، تتبع زيادة فضل المذنب والنعمة عليه ولذلك جعل حد الحر ضعفي حد العبد وعوتب الأنبياء بما لا يعاتب به غيرهم .

وجاء في تفسير الفخر الرازي ما ملخصه :

وحكمة مضاعفة العذاب لزوجاته صلى الله عليه وسلم أن امرأة لو كانت تحت النبي صلى الله عليه وسلم وأتت بفاحشة تكون قد اختارت غير النبي ويكون ذلك الغير خيرا عندها من النبي وأولى ، والنبي أولى من النفس التي هي أولى من الغير فقد نزلت منصب النبي مرتين فتعذب من العذاب ضعفين واعلم أن الله قد صان زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم عن الفاحشة فقوله تعالى : من يأت منكن بفاحشة مبينة من باب قوله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك . . ( الزمر : 65 ) .

{ وكان ذلك على الله يسيرا . . . } أي ليس كونكن تحت النبي صلى الله عليه وسلم وكونكن شريفات جليلات مما يدفع العذاب عنكن وليس أمر الله كأمر الخلق حيث يتعذر عليهم تعذيب الأعزة بسبب كثرة أوليائهم وأعوانهم أو شفعائهم وإخوانهم . 30

وجاء في تفسيرالقرطبي ما خلاصته :

أحبر تعالى أن من جاء من نساء النبي صلى الله عليه وسلم بفاحشة يضاعف لها العذاب ضعفين ، لشرف منزلتهن ، وفضل درجتهن ، وتقديمهن على سائر النساء أجمع ، وكذلك بينت الشريعة في غيرما موضع ، أنه كلما تضاعفت الحرمات فهتكت ، تضاعفت العقوبات ، وقيل : لما كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في مهبط الوحي ، وفي منزل أوامر الله ونواهيه ، قوي الأمر عليهن ولزمهن ، بسبب مكانتهن ، أكثر مما يلزم غيرهن ، فضوعف لهن الأجر والعذاب ، وقيل : إنما ذلك لعظم الضرر في جرائمهن ، بإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكانت العقوبة على قدر عظم الجريمة ، في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال تعالى : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة . . . ( الأحزاب : 57 ) .

واختار هذا القول الكيا الطبري .

وكان عمر رضي الله عنه كثيرا ما يقرأ سورة يوسف وسورة الأحزاب في الصبح وكان إذا بلغ يا نساء النبي . . . . رفع بها صوته فقيل له في ذلك ، فقال : أذكرهن العهد .

وقرا الجمهور : من يأت بالياء وقرا يعقوب : من تأت ، و : تقنت بالتاء من فوق .

وقال قوم : الفاحشة إذا وردت معرفة فهي الزنا واللواط وإذا وردت منكرة فهي سائر المعاصي وإذا وردت منعوتة فهي عقوق الزوج وفساد عشرته وقالت فرقة : بل قوله : بفاحشة مبينة تعم جميع المعاصي وكذلك الفاحشة كيف وردت .

قال ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط ، وإنما خانت في الإيمان والطاعة .

وقال بعض المفسرين : العذاب الذي توعدن به ضعفين هو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فكذلك الأجر . 31

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وزوجاته أمهات المؤمنين فقد أدين الرسالة ونصحت الأمة وكن مثلا أعلى في الاستقامة والعفة ، ونصح المؤمنين والمؤمنات والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

تفسير القرآن الكريم

الجزء الثاني والعشرون من القرآن الكريم

الدكتور

عبد الله شحاته

آداب بيت النبوة

بسم الله الرحمن الرحيم

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا} (30)

{ يَا نسَاء النبي } تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن ونداؤهن ههنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام ، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل { مَن يَأْتِ } بالياء التحتية حملاً على لفظ { مِنْ } ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما . والجحدري . وعمرو بن قائد الأسواري ويعقوب بالتاء الفوقية حملاً على معناها { مِنكُنَّ بفاحشة } بكبيرة { مُّبَيّنَةٍ } ظاهرة القبح من بين بمعنى تبين ، وقرأ ابن كثير . وأبو بكر مبينة بفتح الياء والمراد بها على ما قيل : كل ما يقترف من الكبائر ، وأخرج البيهقي في «السنن » عن مقاتل بن سليمان أنها العصيان للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : ذلك وطلبهن ما يشق عليه عليه الصلاة والسلام أو ما يضيق به ذرعه ويغتم صلى الله عليه وسلم لأجله .

ومنع في «البحر » أن يراد بها الزنا قال : لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من ارتكاب نسائه ذلك ولأنه وصفت الفاحشة بالتبين والزنا مما يتستر به ومقتضاه منع إرادة الأعم ثم قال : وينبغي أن تحمل الفاحشة على عقوق الزوج وفساد عشرته ، ولا يخلو كلامه عن بحث والإمام فسرها به ، وجعل الشرطية من قبيل { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر : 65 ] من حيث أن ذلك ممكن الوقوع في أول النظر ولا يقع جزماً فإن الأنبياء صان الله تعالى زوجاتهم عن ذلك ، وقد تقدم بعض الكلام في هذه المسألة في سورة النور وسيأتي إن شاء الله تعالى طرف مما يتعلق بهما أيضاً { يُضَاعَفْ لَهَا العذاب } يوم القيامة على ما روي عن مقاتل أو فيه ، وفي الدنيا على ما روي عن قتادة { ضِعْفَيْنِ } أي يعذبن ضعفي عذاب غيرهن أي مثليه فإن مكث غيرهن ممن أتى بفاحشة مبينة في النار يوماً مثلاً مكثن هن لو أتين بمثل ما أتى يومين ، وإن وجب على غيرهن حد لفاحشة وجب عليهن لو أتين بمثلها حدان ، وقال أبو عمرو . وأبو عبيدة فيما حكى الطبري عنهما الضعفان أن يجعل الواحدة ثلاثة فيكون عليهن ثلاثة حدود أو ثلاثة أمثال عذاب غيرهن ، وليس بذاك ، وسبب تضعيف العذاب أن الذنب منهن أقبح فإن زيادة قبحه تابعة لزيادة فضل المذنب والنعمة عليه وتلك ظاهرة فيهن ولذلك جعل حد الحر ضعف حد الرقيق وعوتب الأنبياء عليهم السلام بما لا يعاتب به الأمم وكذا حال العالم بالنسبة إلى الجاهل فليس من يعلم كمن لا يعلم ، وروي عن زين العابدين رضي الله تعالى عنه أنه قال له رجل : إنكم أهل بيت مغفور لكم فغضب وقال : نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى الله تعالى في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من أن نكون كما تقول إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر ولمسيئتنا ضعفين من العذاب وقرأ هذه الآية والتي تليها ، وقرأ الحسن .

وعيسى . وأبو عمرو { يضاعف } بالياء التحتية مبنياً للمفعول بلا ألف والجحدري . وابن كثير . وابن عامر { نضعف } بالنون مبنياً للفاعل بلا ألف أيضاً وزيد بن علي . وابن محيصن . وخارجة عن أبي عمرو { نضاعف } بالنون والألف والبناء للفاعل وفرقة { والله يضاعف } بالياء والألف والبناء للفاعل ، وقرأ { العذاب } بالرفع من قرأ بالبناء للمفعول وبالنصب من قرأ بالبناء للفاعل { وَكَانَ ذلك } أي تضعيف العذاب عليهن { عَلَى الله يَسِيراً } أي سهلاً لا يمنعه جل شأنه عنه كونهن نساء النبي صلى الله عليه وسلم بل هو سبب له .

ومن باب الإشارة : { يا نساء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ } [ الأحزاب : 0 3 ] الخ فيه إشارة إلى تفاوت قبح المعاصي وحسن الطاعات باعتبار الأشخاص ومثل ذلك تفاوتها باعتبار الأماكن والأزمان

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا} (30)

{ 30 - 31 } { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا *وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا }

لما اخترن اللّه ورسوله والدار الآخرة ، ذكر مضاعفة أجرهن ، ومضاعفة وزرهن وإثمهن ، لو جرى منهن ، ليزداد حذرهن ، وشكرهن اللّه تعالى ، فجعل من أتى منهن بفاحشة ظاهرة ، لها العذاب ضعفين .