33- { أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير } .
أو لم يشاهدوا مظاهر القدرة الإلهية في خلق السماوات الطباق ، وما فيها من أبراج وأفلاك ، وشموس وأقمار ، وملائكة ومخلوقات عديدة ، وخلق الأرض وما فيها من جبال وبحار وأنهار ، وإنس وجن ، وحيوانات وطيور ، وحشرات وهوام ، ودواب متعددة لا يعلمها إلا الله ، وقد خلق الله السماوات والأرض ، بدون أن يصيبه تعب ، أو إعياء أو لغوب أو كلال ، أليس هذا الخالق المبدع بقادر على أن يحيي الموتى ، بأن يعيد الروح إلى الجسد ، ويأمر الموتى بالقيام والبعث ، ثم بالحشر والنشر والجزاء ؟ بلى إنه سبحانه قادر على الخلق في البدء ، وقادر على الإعادة ، وهو سبحانه على كل شيء قدير .
{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } الهمزة للإنكار والواو على أحد القولين عطف على مقدر دخله الاستفهام يستدعيه المقام . والرئية قلبية أي ألم يتفكروا ولم يعلموا { أَنَّ الله خَلَقَ السموات والارض وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ } أي لم يتعب بذلك أصلا من عيى كفعل بكسر العين ، ويجوز فيه الادعام بمعنى تعب كأعيا ، وقال الكسائي : أعييت من التعب وعييت من انقطاع الحيلة والعجز والتحير في الأمر ؛ وأنشدوا :
عيوا بأمرهم كما *** عيت ببيضتها الحمامة
أي لم يعجز عن خلقهن ولم يتحير فيه ، واختار بعضهم عدم الفرق ، وقرأ الحسن { وَلَمْ يَعْىَ } بكسر العين وسكون الياء ، ووجهه أنه في الماضي فتح عين الكلمة كما قالوا في بقي بقي بفتح القاف وألف بعدها وهي لغة طيء ، ولما بنى الماضي على فعل مفتوح العين بني مضارعه على يفعل مكسورها فجاء يعيي فلما دخل الجازم حذف الياء فبقي يعي بنقل حركة الياء إلى العين فسكنت الياء ، وقوله تعالى :
{ بِقَادِرٍ } في حيز الرفع لأنه خبر أن والباء زائدة فيه ، وحسن زيادتها كون ما قبلها في حيز النفي ، وقد أجاز الزجاج ما ظننت أن أحداً بقائم قياساً على هذا ، قال أبو حيان : والصحيح قصر ذلك على السماع فكأنه قيل هنا : أو ليس الله بقادر { على أَن يُحْيِىَ الموتى } ولذلك أجيب عنه بقوله تعالى : { بلى إِنَّهُ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } تقريراً للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود ، ولذا قيل : إن هذا مشير إلى كبرى لصغرى سهلة الحصول فكأنه قيل : إحياء الموتى شيء وكل شيء مقدور له فينتج إن أحياء الموتء مقدور له ، ويلزمه أنه تعالى : { قَادِرٌ على أَن يُحْيِىَ الموتى } .
وقرأ الجحدري . وزيد بن علي . وعمرو بن عبيد . وعيسى . والأعرج بخلاف عنه ويعقوب { يُقَدّرُ } بدل { بِقَادِرٍ } بصيغة المضارع الدال على الاستمرار وهذه القراءة على ما قيل موافقة أيضاً للرسم العثماني .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، بتوبيخ المشركين على جهلهم وعدم تفكيرهم ، وبيَّن ما سيكونون عليه من خزى يوم القيامة ، وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على أذاهم . فقال : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ . . . إِلاَّ القوم الفاسقون } .
والهمزة فى قوله : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله . . . } للاستفهام الإِنكارى ، والواو للعطف على مقدر يستدعيه المقام . .
أى : بلغ العمى والجهل بهؤلاء الكافرين ، أنهم لم يروا ولم يعقلوا أن الله - تعالى - الذى خلق السماوات والأرض بقدرته { وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ } أى : ولم يتعب ولم ينصب بسبب خلقهن ، من قولهم عيى فلان بالأمر - كفرح - إذا تعب ، أو المعنى : ولم يعجز عن خلقهن ولم يتحير فيه ، مأخوذ من قولهم : عيى فلان بأمره ، إذا تحير ولم يعرف ماذا يفعل .
وقوله : { بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى } فى محل رفع خبر { أَن } ، والباء فى قوله - تعالى - { بِقَادِرٍ } مزيدة للتأكيد .
فالمقصود بالآية الكريمة توبيخ المشركين على جهلهم وانطماس بصائرهم ، حيث لم يعرفوا أن الله - تعالى - الذى أوجد الكون ، قادر على أن يعيدهم الى الحياة بعد موتهم .
وأورد القرآن ذلك فى أسلوب الاستفهام الإِنكار ، ليكون تأنيبهم على جهلهم أشد .
وقوله : { بلى إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } تقرير وتأكيد لقدرته - تعالى - على إحياء الموتى ، لأن لفظ { بلى } يؤتى به فى الجواب لإِبطال النفى السابق ، وتقرير نقيضه ، بخلاف لفظ { نعم } فإنه يقرر النفى نفسه .
أى : بل إنه - سبحانه - قادر على إحياء الموتى ، لأنه - تعالى - على كل شئ قدير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.