تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ} (237)

نصف المهر

221

{ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير( 237 ) }

المفردات :

فرضتم لهن فريضة : عينتم لهن مهرا .

يعفون : يسامحنكم .

أو يعفوا الذي بيده عقد النكاح : الذي بيده عقد النكاح هو الزوج ، ومعنى يعفو هو أن يسامح المرأة المطلقة في النصف الذي يستحقه هو من مهر ، بأن يعطيها إياه كاملا لأن الأصل أنه لو طلقها قبل الدخول بها ، يأخذ نصف المهر ويسترده منها إن كان أعطاها إياه فيكون عفوا منه أن يتجاوز لها من هذا النصف .

المعنى الإجمالي :

وإذا طلقتم النساء قبل الدخول بهن ، بعد تقرير مهورهن فقد وجب لهن نصف المهر المقدر ، ويدفع إليهن ، إلا إذا تنازلت عنه الزوجة ، كما أنهن لا يعطين أكثر من النصف إلا إذا سمحت نفس الزوج ، فأعطاها المهر كله ، وسماحة كل من الزوجين أكرم وأرضى عند الله ، وأليق بأهل التقوى فلا يتركوها ، واذكروا أن الخير في التفضل وحسن المعاملة ، لأن ذلك أجلب للمودة والتحاب بين الناس ، والله مطلع على ضمائركم ، وسيجازيكم على ما تفعلون .

التفسير :

{ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفو الذي بيده عقدة النكاح . . . }

أي وإن طلقتم يا معشر الرجال النساء من قبل أن تدخلوا بهن وتباشروهن ، ومن بعد أن قدرتم لهن صداقا معلوما ، فالواجب عليكم في هذه الحالة أن تدفعوا لهن نصف ما قدرتم لهن من صداق ، إلا أن تتنازل المرأة عن حقها فتتركه المطلقة بسماحة نفس ، بأن تكون هي الراغبة في الطلاق ، أو يتنازل الذي بيده عقدة النكاح وهو الزوج ، عن حقه بأن يدفع لها المهر كاملا ، أو ما هو أكثر من النصف لأنه هو الراغب في الطلاق .

وقيل المراد بمن بيده عقدة النكاح : هو ولي المرأة المطلقة الذي لا تتزوج إلا بإذنه ، فإن له العفو عن نصف مهر البكر إذا طلقت ، والتفسير الأول هو المأثور ، وبه قال جمع من الصحابة .

{ وأن تعفو أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم }

الخطاب هنا للرجال والنساء ، أي وأن تعفو المطلقات عن حقهن في النصف ، لأن الأزواج لم يدخلوا بهن .

وأن يعفو الأزواج بالزيادة على النصف جبرا لخاطر المطلقات قبل الدخول أقرب للتقوى وأدنى إلى تحصيل مرضات الله الذي أمر بالتسامح والعفو واليسر .

{ ولا تنسوا الفضل بينكم }

قال مجاهد : إتمام الرجل الصداق كله ، أو ترك المرأة النصف الذي لها .

{ إن الله بما تعلمون بصير }

إن الله مطلع على أعمالكم . وفيه حث أن يسود شعور السماحة ، والتفضل والتجمل بين الناس ، عند انفصام عرى الزوجية ، لتبقى القلوب نقية خالصة موصولة بالله في كل حال .

روى أن أحد الصحابة تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول بها ، فأعطاها الصداق كاملا ، فقيل له في ذلك فقال : أنا أحق بالعفو منها( 285 ) .

وهكذا نرى مبلغ استجابة السلف الصالح لتوجيهات القرآن ووصاياه ، فأين المسلمون اليوم من هذه الوصايا والأحكام ؟ .

* * *

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ} (237)

{ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } بيان لحكم التي سمي لها مهر وطلقت قبل المسيس ، وجملة { وَقَدْ } الخ إما حال من فاعل { طَلَّقْتُمُوهُنَّ } أو من مفعوله ، ونفس الفرض من المبني للفاعل أو للمفعول وإن لم يقارن حالة التطليق لكن اتصاف المطلق بالفارضية فيما سبق مما لا ريب في مقارنته لها ، وكذا الحال في اتصاف المطلقة بكونها مفروضاً فيما سبق { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } أي فلهن نصف ما قدرتم وسميتم لهن من المهر ، أو فالواجب عليكم ذلك وهذا صريح في أن المنفي في الصورة السابقة إنما هو تبعة المهر ، وقرئ ( فنصف ) بالنصب على معنى فأدّوا نصف ولعل تأخير حكم التسمية مع أنها الأصل في العقد والأكثر في الوقوع من باب التدرج في الأحكام ، وذكر الأشق فالأشق ، والقول بأن ذلك لما أن الآية الكريمة نزلت في أنصاري تزوج امرأة من بني حنيفة وكانت مفوضة فطلقها قبل الدخول بها فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام : " أمتعتها ؟ قال : لم يكن عندي شيء قال : متعها بقلنسوتك " مما لا أراه شيئاً ؛ على أن في هذا الخبر مقالا حتى قال الحافظ ولي الدين العراقي : لم أقف عليه .

{ إَّلا أَن يَعْفُونَ } استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي فلهن نصف المفروض معيناً في كل حال إلا حال عفوهن أي المطلقات المذكورات فإنه يسقط ذلك حينئذ بعد وجوبه ، والصيغة في حد ذاتها تحتمل التذكير والتأنيث ، والفرق بالاعتبار فإن الواو في الأولى ضمير والنون علامة الرفع وفي الثانية لام الفعل والنون ضمير والفعل مبني ولذلك لم تؤثر فيه { إن } هنا مع أنها ناصبة لا مخففة بدليل عطف المنصوب عليه من قوله تعالى : { أَوْ يَعْفُوَاْ } وقرأ الحسن بسكون الواو فهو على حد :

أبى الله أن أسمو بأم ولا أب ***

{ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح } وهو الزوج المالك لعقد النكاح وحله وهو التفسير المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في «الأوسط » . والبيهقي بسند حسن عن ابن عمر مرفوعاً ، وبه قال جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومعنى عفوه تركه تكرماً ما يعود إليه من نصف المهر الذي ساقه كملاً على ما هو المعتاد أو إعطاؤه تمام المهر المفروض قبل بعد الطلاق كما فسره بذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وتسمية ذلك عفواً من باب المشاكلة وقد يفسر بالزيادة والفضل كما في قوله تعالى : { وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العفو } [ البقرة : 9 21 ] وقول زهير :

حزماً وبراً للإله وشيمة *** تعفو على خلق المسيء المفسد

فمرجع الاستثناء حينئذ إلى منع الزيادة في المستثنى منه كما أنه في الصورة الأولى إلى منع النقصان فيه أي فلهن هذا المقدار بلا زيادة ولا نقصان في جميع الأحوال إلا في حال عفوهن فإنه لا يكون إذ ذاك لهن القدر المذكور بل ينتفي أو ينحط ، أو في حال عفو الزوج فإنه وقتئذ تكون لهن الزيادة هذا على تقدير الأول في { فَنِصْفُ } غير ملاحظ فيه الوجوب ، وأما على التقدير الثاني فلا بد من القطع بكون الاستثناء منقطعاً لأن في صورة عفو الزوج لا يتصور الوجوب عليه كذا قيل فليتدبر ، وذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في إحدى الروايات عنه وعائشة وطاوس ومجاهد وعطاء والحسن وعلقمة والزهري والشافعي رضي الله تعالى عنه في قوله القديم إلى أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي الذي لا تنكح المرأة إلا بإذنه فإن له العفو عن المهر إذا كانت المنكوحة صغيرة في رأي البعض ومطلقاً في رأي الآخرين وإن أبت . والمعول عليه هو المأثور وهو الأنسب بقوله تعالى : { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } فإن إسقاط حق الغير ليس في شيء من التقوى وهذا خطاب للرجال والنساء جميعاً ، وغلب المذكر لشرفه وكذا فيما بعد واللام للتعدية ، ومن قواعدهم التي قلّ من يضبطها أن أفعل التفضيل وكذا فعل التعجب يتعدى بالحرف الذي يتعدى به فعله ، كأزهد فيه من كذا ، وإن كان من متعد في الأصل فإن كان الفعل يفهم علماً أو جهلاً تعدى بالباء كأعلم بالفقه وأجهل بالنحو ، وإن كان لا يفهم ذلك تعدى باللام كأنت أضرب لعمرو إلا في باب الحب والبغض فإنه يتعدى إلى المفعول بفي كهو أحب في بكر وأبغض في عمرو وإلى الفاعل المعنوي بإلى كزيد أحب إلى خالد من بشر أو أبغض إليه منه ، وقرئ ( وأن يعفوا ) بالياء .

{ وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ } عطف على الجملة الاسمية المقصود منها الأمر على أبلغ وجه أي لا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض كالشيء المنسي ، والظرف إما متعلق بتنسوا أو بمحذوف وقع حالا من الفضل وحمل الفضل على الزيادة إشارة إلى ما سبق من قوله تعالى : { وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } [ البقرة : 8 22 ] في الدرج الأسفل من الضعف ، وقيل : إن الظرف متعلق بمحذوف وقع صفة للفضل على رأي من يرى حذف الموصول مع بعض صلته والفضل بمعنى الإحسان أي لا تنسوا الإحسان الكائن بينكم من قبل وليكن منكم على ذكر حتى يرغب كل في العفو مقابلة الإحسان صاحبه عليه ، وليس بشيء لأنه على ما فيه يرد عليه أن لا إحسان في الغالب بين المرأة وزوجها قبل الدخول ، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه ولا تناسوا وبعضهم ولا تنسوا بسكون الواو . { إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فلا يكاد يضيع ما عملتم .