44- { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك }
يلقون أقلامهم : أي الأقلام التي يكتبون بها التوراة او السهام والأزلام التي يضربون بها القرعة ويقامرون بها .
يختصمون : يتنازعون في كفالتها .
أي هذه أخبار قصصناها عليك من أخبار مريم وزكريا لم تشهدها أنت ولا أحد من قومك ولم تقراها في كتاب بل هي وحي نوحيه إليك على يد الروح الامين لتكون دلالة على صحة نبوتك وإلزاما للمعاندين الجاحدين .
وصدق الله العظيم { وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخلطه بيمينك إذا لارتياب المبطلون ( العنكبوت 48 ) .
{ وما كنت لديهم غذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون } .
أي وما كانت يا محمد معاينا لفعلهم وما جرى من أمرهم في شأن مريم إذ يلقون أقلامهم أي سهامهم التي جعلوا عليها علامات يعرف بها من يكفل مريم على وجهة القرعة { وما كنت لديهم إذ يختصمون } بسببها تنافسا في كفالتها مع زوج خالتها زكريا يريدها لان خالتها معه ولأنه كان رئيس الأحبار ويرى انه أحق بها لذلك وكان كل واحد من القراء يريدها لأنها ابنة عالمهم فاقترحوا حلا لهذه المشكلة ان يقترعوا .
وطريقة الاقتراع لم يرد بها خبر صحيح وقد روى عن قتادة وغيرهم انهم ذهبوا إلى نهر الأردن واقترعوا هناك على ان يلقوا أقلامهم فأيهم ثبت في جريه الماء فهو كافلها فألقوا أقلامهم فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت ( 166 ) .
وأيا كانت كيفية القرعة التي اتفقوا عليها فإن هذه القرعة كانت سبيلا إلى فوز زكريا عليه السلام بكفالة مريم .
وفي هذه الآية دليل على ان القرعة سبيل مشروع لتمييز الحقوق والاستفهام ( 167 ) ورد في القرآن في موضعين هذا الموضع وقوله تعالى : { فساهم فكان من المدحضين } ( الصافات 141 ) . وروى الشيخان ان الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيهما خرج سهمها سافرت معه ( 168 ) .
وإنباء القرآن بما وقع في كفالة مريم من نزاع وخصام ولجوء المتنازعين إلى القرعة دليل على نبوته صلى الله عليه وسلم لان ذلك لا يعلم إلا عن طريق الوحي .
{ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون } . أي كانت عندهم في الحالين ، حتى تعلم أمرهم . وإنما أعلمك الله بوحيه
{ ذلك } إشارة إلى ما تقدم ذكره من تلك الأخبار البديعة الشأن المرتقية من الغرابة إلى أعلى مكان ، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى : { مِنْ أَنبَاء الغيب } أي من أخبار ما غاب عنك وعن قومك مما لا يعرف إلا بالوحي على ما يشير إليه المقام ، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب ، وقوله تعالى : { نُوحِيهِ إِلَيْكَ } جملة مستقلة مبينة للأولى ، و الإيحاء إلقاء المعنى إلى الغير على وجه خفي ، ويكون بمعنى إرسال الملك إلى الأنبياء ، وبمعنى الإلهام ، والضمير في { نُوحِيهِ } عائد إلى ذلك في المشهور ، واستحسن عوده إلى الغيب لأنه حينئذ يشمل ما تقدم من القصص وما لم يتقدم منها بخلاف ما إذا عاد إلى ذلك فإنه حينئذ يوهم الاختصاص بما مضى ، وجوز أن تكون هذه الجملة خبراً عن المبتدأ قبلها ، و { مِنْ أَنبَاء الغيب } إما متعلق بنوحيه أو حال من مفعوله أي : نوحيه حال كونه بعض أنباء الغيب وجعله حالاً من المبتدأ ، رأي البعض ، وجوز أبو البقاء أن يكون التقدير : الأمر ذلك في كون { ذلك } خبراً لمبتدأ محذوف والجار والمجرور حال منه ، وهو وجه مرذول لا ينبغي أن يخرج عليه كلام الملك الجليل . وصيغة الاستقبال عند قوم ؛ للإيذان بأن الوحي لم ينقطع بعد { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } أي عند المتنازعين فالضمير عائد إلى غير مذكور دل عليه المعنى ، والمقصود من هذه الجملة تحقيق كون الأخبار بما ذكر عن وحي على سبيل التهكم بمنكريه كأنه قيل : إن رسولنا أخبركم بما لا سبيل إلى معرفته بالعقل مع اعترافكم بأنه لم يسمعه ولم يقرأه في كتاب ، وتنكرون أنه وحي فلم يبق مع هذا ما يحتاج إلى النفي سوى المشاهدة التي هي أظهر الأمور انتفاءاً لاستحالتها المعلومة عند جميع العقلاء ، ونبه على ثبوت قصة مريم مع أن ما علم بالوحي قصة زكريا عليه السلام أيضاً لما أن { تِلْكَ } هي المقصودة بالأخبار أولاً ، وإنما جاءت القصة الأخرى على سبيل الاستطراد ولاندراج بعض قصة زكريا في ذكر من تكفل فما خلت الجملة عن تنبيه على قصته في الجملة ، وروي عن قتادة أن المقصود من هذه الجملة تعجيب الله سبحانه نبيه عليه الصلاة والسلام من شدة حرص القوم على كفالة مريم والقيام بأمرها ، وسيق ذلك تأكيداً لاصطفائها عليها السلام ويبعد هذا الفصل بين المؤكد والمؤكد ، ومع هذا هو أولى مما قيل : إن المقصود منها التعجيب من تدافعهم لكفالتها لشدة الحال ومزيد الحاجة التي لحقتهم حتى وفق لها خير الكفلاء زكريا عليه السلام ، بل يكاد يكون هذا غير صحيح دراية ورواية ، وعلى كل تقدير لا يشكل نفي المشاهدة مع ظهور انتفائها عند كل أحد .
{ إِذْ يُلْقُون أقلامهم } أي يرمونها ويطرحونها للاقتراع ، و الأقلام جمع قلم وهي التي كانوا يكتبون/ بها التوراة واختاروها تبركاً بها ، وقيل : هي السهام من النشاب وهي القداح ، وحكى الكازروني أنها كانت من نحاس وهي مأخوذة من القلم بمعنى القطع ، ومنه قلامة الظفر وقد تقدم بيان كيفية الرمي ، وفي عدة الأقلام خلاف وعن الباقر أنها كانت ستة ، والظرف معمول للاستقرار العامل في { لَدَيْهِمْ } وجعله ظرفاً لكان كما قال أبو البقاء ليس بشيء { أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } من تتمة الكلام الأول ، وجعله ابتداء استفهام مفسد للمعنى ، ولما لم يصلح { يُلْقُون } للتعلق بالاستفهام لزم أن يقدر ما يرتبط به النظام فذكر الجلّ له ثلاثة أوجه : أحدها : أن يقدر : ينظرون أيهم يكفل وحيث كان النظر مما يؤدي إلى الإدراك جاز أن يتعلق باسم الاستفهام كالأفعال القلبية كما صرح به ابن الحاجب ، وابن مالك في «التسهيل » وثانيها : أن يقدر : ليعلموا أيهم يكفل وعلى الأول الجملة حال مما قبلها وعلى الثاني في موضع المفعول له ، ولا يخفى أن الإلقاء سبب لنفس العلم لكنه سبب بعيد ، والقريب هو النظر إلى ما ارتفع من الأقلام ، وثالثها : أن يقدر يقولون ، أو ليقولوا أيهم واعترض بأنه لا فائدة يعتد بها في تقدير يقولون ولا ينساق المعنى إليه بل هو مجرد إصلاح لفظي لموقع { أَيُّهُم } وأجيب بأنه مفيد ، وينساق المعنى إليه بناءاً على أن المراد بالقول القول للبيان والتعيين ، واعترض أيضاً تقدير القول مقروناً بلام التعليل بأن هذا التعليل هنا مما لا معنى له ، وأجيب بتأويله كما أول في سابقه ، وقيل : يؤل بالحكم أي : ليقولوا وليحكموا أيهم الخ ، والسكاكي يقدر ههنا ينظرون ليعلموا ، ولعل ذلك لمراعاة المعنى واللفظ وإلا فتقدير النظر ، أو العلم يغني عن الآخر ، وبعض المحققين لم يقدر شيئاً أصلاً وجعل { أَيُّهُم } بدلاً عن ضمير الجمع أي يلقي كل من يقصد الكفالة وتتأتى منه ، ولا يخفى أنه من التكلف بمكان
{ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } في شأنها تنافساً على كفالتها وكان هذا الاختصام بعد الاقتراع في رأي ، وقبله في آخر ، وتكرير { مَا كُنتُ لَدَيْهِمْ } مع تحقق المقصود بعطف { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } على { إِذْ يُلْقُون } للإيذان بأن كل واحد من عدم الحضور عند الإلقاء ، وعدم الحضور عند الاختصام مستقل بالشهادة على نبوته صلى الله عليه وسلم لا سيما على الرأي الثاني في وقت الاختصام ؛ لأن تغيير الترتيب في الذكر مؤكد لذلك قاله شيخ الإسلام . واختلف في وقت هذا الإقتراع والتشاح على قولين : أحدهما : وهو المشهور المعول عليه ، أنه كان حين ولادتها وحمل أمها لها إلى الكنيسة على ما أشرنا إليه من قبل ، وثانيهما : أنه كان وقت كبرها وعجز زكريا عليه السلام عن تربيتها ، وهو قول مرجوح ، وأوهن منه قول من زعم أن الاقتراع وقع مرتين مرة في الصغر وأخرى في الكبر ، وفي هذه الآية دلالة على أن القرعة لها دخل في تمييز الحقوق ، وروي عن الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال : ما تقارع قوم ففوضوا أمرهم إلى الله عز وجل إلا خرج سهم المحق ، وقال أي قضية أعدل من القضية إذا فوض الأمر إلى الله سبحانه ، أليس الله تعالى يقول : { فساهم فَكَانَ مِنَ المدحضين } ؟ [ الصافات : 141 ] وقال الباقر رضي الله تعالى عنه : أول من سوهم عليه مريم بنت عمران ثم تلا { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أقلامهم } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.