فلنحيينه حياة طيبة : أي : حياة طيبة في الدنيا ، ويشمل ذلك : القناعة ، والرضا ، والبركة في العمر ، وقيل : حياة طيبة في الجنة ونعيمها ، وأكثر المفسرين على أن الحياة الطيبة : في الدنيا .
{ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } .
تضع هذه الآية أصلا عاما ، وقاعدة أصيلة ، فالذي يعمل العمل الصالح ، ويؤدي واجبه نحو ربه ، ونحو نفسه وأسرته وقرابته وأمته ، ذكرا كان أم أنثى ؛ فإن الله تعالى يكافئه أحسن مكافأة ، حيث يحيا حياة طيبة ، في رضا وقناعة وسعادة وعز في الدنيا وجزاء كريم في الآخرة ، مع الفضل العظيم من الله الذي يجازي الحسنة بعشر أمثالها ، ويضاعف سبحانه لمن يشاء وهو ذو الفضل العظيم .
وإن العمل الصالح مع الإيمان ؛ جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض ، لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال ، فقد تكون به ، وقد لا يكون معها ، وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير ، تطيب بها الحياة في حدود الكفاية ، فيها الاتصال بالله ، والثقة به ، والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه ، وفيها الصحة والهدوء والرضا والبركة ، وسكن البيوت ، ومودات القلوب ، وفيها الفرح بالعمل الصالح ، وآثاره في الضمير في الحياة ، وليس المال إلا عنصرا واحدا ، يكفي منه القليل ، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله ، وإن الحياة الطيبة لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة ، وأن هذا الأجر يكون على أحسن ما عمل المؤمنون العاملون في الدنيا ، ويتضمن هذا تجاوز الله لهم عن السيئات ، فما أكرمه من جزاء ! 63 .
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول : ( اللهم ، قنعني بما رزقتني ، وبارك لي فيه ، واخلف عليّ كل غائبة لي بخير )64 .
وأخرج الترمذي والنسائي من حديث فضالة بن عبيد : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قد أفلح من هدي إلى الإسلام ، وكان عيشه كفافا ، وقنع به )65 .
وعن عبد الله بن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( قد أفلح من أسلم ، ورزق كفافا ، وقنعه الله بما آتاه66 .
قوله تعالى : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ( 97 ) } ، ذلك إعلان كذلك يبين الله فيه للعالمين أن من يعمل من الناس- ذكرا أو أنثى- ، عملا صالحا فيه الطاعة لله ، ( وهو مؤمن ) ، الجملة في موضع نصب على الحال{[2605]} ؛ أي : حال كونه مؤمنا بالله وكتبه ورسله وملائكته ، مصدقا بقضاء الله وقدره واليوم الآخر . وهذا دليل أبلج على شرط القبول للأعمال ، وهو الإيمان المستقيم الصحيح . وعلى هذا لا وزن ولا قيمة للعمل المقترن بالكفر أو النفاق أو الرياء ، فلا يقبل من الأعمال إلا ما كان منها خالصا لله .
قوله : ( فلنحيينه حياة طيبة ) ، لسوف يحيي الله المؤمن المخلص حياة طيبة . وقد اختلف العلماء في المراد بالحياة الطيبة . فقد قيل : الرزق الطيب الحلال ، وقيل : السعادة . وقيل : الجنة . وقيل : القناعة . والصواب من ذلك : أن الله جل وعلا يمتن على عبادة العاملين المخلصين بفيض الإحساس بالرضى والبهجة والاطمئنان . وهكذا يكون المؤمن العامل المخلص ؛ إذ يجد في نفسه من برْد الراحة والقناعة والطمأنينة ، ما يجعله مستديم الشعور بالأمن والسكينة والحبور ، سواء كان ذا يسار أو إعسار . وثمة حقيقة تضمنتها هذه الآية . وهي استواء الذكر والأنثى في تحصيل الحياة الطيبة ، وحسن الجزاء من الله إذ تحقق شرط القبول للأعمال ، وهو الإيمان الصحيح المستقيم . فأيما ذكر أو أنثى حسن عمله وهو مؤمن ؛ فإنه في زمرة السعداء والفائزين في الدارين ، بغض النظر في ذلك عن اعتبارات الذكورة والأنوثة ، أو اختلاف الأجناس والألوان .
قوله : ( ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ، ذلك يوم القيامة ، فهم إذا صاروا إلى ربهم جزاهم الله الأجر بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعة .
وقيل : إن هذه الآية نزلت بسبب قوم من أهل ملل شتى ، تفاخروا فقال أهل كل ملة منها : نحن أفضل ، فبيّن الله لهم أفضل أهل الملل . وقيل : جلس ناس من أهل الأوثان وأهل التوراة وأهل الإنجيل . فقال هؤلاء : نحن أفضل . وقال هؤلاء : نحن أفضل ، فأنزل الله تعالى : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) الآية{[2606]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.