تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (97)

94

التفسير :

فلنحيينه حياة طيبة : أي : حياة طيبة في الدنيا ، ويشمل ذلك : القناعة ، والرضا ، والبركة في العمر ، وقيل : حياة طيبة في الجنة ونعيمها ، وأكثر المفسرين على أن الحياة الطيبة : في الدنيا .

{ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } .

تضع هذه الآية أصلا عاما ، وقاعدة أصيلة ، فالذي يعمل العمل الصالح ، ويؤدي واجبه نحو ربه ، ونحو نفسه وأسرته وقرابته وأمته ، ذكرا كان أم أنثى ؛ فإن الله تعالى يكافئه أحسن مكافأة ، حيث يحيا حياة طيبة ، في رضا وقناعة وسعادة وعز في الدنيا وجزاء كريم في الآخرة ، مع الفضل العظيم من الله الذي يجازي الحسنة بعشر أمثالها ، ويضاعف سبحانه لمن يشاء وهو ذو الفضل العظيم .

جاء في ظلال القرآن :

وإن العمل الصالح مع الإيمان ؛ جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض ، لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال ، فقد تكون به ، وقد لا يكون معها ، وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير ، تطيب بها الحياة في حدود الكفاية ، فيها الاتصال بالله ، والثقة به ، والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه ، وفيها الصحة والهدوء والرضا والبركة ، وسكن البيوت ، ومودات القلوب ، وفيها الفرح بالعمل الصالح ، وآثاره في الضمير في الحياة ، وليس المال إلا عنصرا واحدا ، يكفي منه القليل ، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله ، وإن الحياة الطيبة لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة ، وأن هذا الأجر يكون على أحسن ما عمل المؤمنون العاملون في الدنيا ، ويتضمن هذا تجاوز الله لهم عن السيئات ، فما أكرمه من جزاء ! 63 .

من هدي السنة

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول : ( اللهم ، قنعني بما رزقتني ، وبارك لي فيه ، واخلف عليّ كل غائبة لي بخير )64 .

وأخرج الترمذي والنسائي من حديث فضالة بن عبيد : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قد أفلح من هدي إلى الإسلام ، وكان عيشه كفافا ، وقنع به )65 .

وعن عبد الله بن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( قد أفلح من أسلم ، ورزق كفافا ، وقنعه الله بما آتاه66 .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (97)

قوله تعالى : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ( 97 ) } ، ذلك إعلان كذلك يبين الله فيه للعالمين أن من يعمل من الناس- ذكرا أو أنثى- ، عملا صالحا فيه الطاعة لله ، ( وهو مؤمن ) ، الجملة في موضع نصب على الحال{[2605]} ؛ أي : حال كونه مؤمنا بالله وكتبه ورسله وملائكته ، مصدقا بقضاء الله وقدره واليوم الآخر . وهذا دليل أبلج على شرط القبول للأعمال ، وهو الإيمان المستقيم الصحيح . وعلى هذا لا وزن ولا قيمة للعمل المقترن بالكفر أو النفاق أو الرياء ، فلا يقبل من الأعمال إلا ما كان منها خالصا لله .

قوله : ( فلنحيينه حياة طيبة ) ، لسوف يحيي الله المؤمن المخلص حياة طيبة . وقد اختلف العلماء في المراد بالحياة الطيبة . فقد قيل : الرزق الطيب الحلال ، وقيل : السعادة . وقيل : الجنة . وقيل : القناعة . والصواب من ذلك : أن الله جل وعلا يمتن على عبادة العاملين المخلصين بفيض الإحساس بالرضى والبهجة والاطمئنان . وهكذا يكون المؤمن العامل المخلص ؛ إذ يجد في نفسه من برْد الراحة والقناعة والطمأنينة ، ما يجعله مستديم الشعور بالأمن والسكينة والحبور ، سواء كان ذا يسار أو إعسار . وثمة حقيقة تضمنتها هذه الآية . وهي استواء الذكر والأنثى في تحصيل الحياة الطيبة ، وحسن الجزاء من الله إذ تحقق شرط القبول للأعمال ، وهو الإيمان الصحيح المستقيم . فأيما ذكر أو أنثى حسن عمله وهو مؤمن ؛ فإنه في زمرة السعداء والفائزين في الدارين ، بغض النظر في ذلك عن اعتبارات الذكورة والأنوثة ، أو اختلاف الأجناس والألوان .

قوله : ( ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ، ذلك يوم القيامة ، فهم إذا صاروا إلى ربهم جزاهم الله الأجر بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعة .

وقيل : إن هذه الآية نزلت بسبب قوم من أهل ملل شتى ، تفاخروا فقال أهل كل ملة منها : نحن أفضل ، فبيّن الله لهم أفضل أهل الملل . وقيل : جلس ناس من أهل الأوثان وأهل التوراة وأهل الإنجيل . فقال هؤلاء : نحن أفضل . وقال هؤلاء : نحن أفضل ، فأنزل الله تعالى : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) الآية{[2606]} .


[2605]:- الدر المصون جـ7 ص 284.
[2606]:- تفسير الطبري جـ 14 ص 114- 116 وتفسير النسفي جـ2 ص 299.