تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ} (71)

63

71 - وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ . . .

الذكر : القرآن الذي هو فخرهم .

عن ذكرهم : عن فخرهم .

لقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن وهو وحي السماء ، معلنا توحيد الله نابذا للشرك ، داعيا إلى مكارم الأخلاق محذرا من الفحشاء والمنكر ، لقد كان القرآن حربا على الشرك والوثنية ، والبغي والعدوان ، ورسم الطريق القويم ، ودعا إلى مكارم الأخلاق ، وحذر من الجنوح والرذيلة ، والزنا والربا وأكل مال اليتيم ، والبغي والعدوان .

إن القرآن حق ، والحق لا يتبع الهوى ، بل الواجب على الإنسان ترك الهوى واتباع الحق ، فإن اتباع الهوى يؤدي إلى استباحة الأموال والأعراض ، والشرك بالله . . . ولو اتبع القرآن أهواء الناس فأباح الشرك بالله ، والزنا والربا ، وأقر السلب والنهب والسرقة ، وأهمل القيم الخلقية ، لاختل نظام العالم ، ووقع التناقض وانتشرت الفوضى والفساد ، واختلطت الأنساب وتهدمت الأسر .

وقال القرطبي : إن الحق هنا هو الله سبحانه وتعالى ، وتقديره في العربية : ولو اتبع صاحب الحق أهواءهم .

وقيل : المعنى : ولو كان الحق ما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله تعالى ، لتنافست الآلهة وأراد بعضهم ما لا يريده بعض ، فاضطرب التدبير وفسدت السماوات والأرض ، وإذا فسدتا فسد من فيهما .

ومن فيهن .

إشارة إلى من يعقل من ملائكة السماوات وإنس الأرض وجنها ، وأما ما لا يعقل فهو تابع لما يعقلxxii .

ثم شنع القرآن عليهم ، لإعراضهم عن معالم الحق والخير والهدى فقال :

بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ .

لقد جاء القرآن عظة وهداية ، ومجدا وشرفا لهم ، وكان الأولى أن يهتدوا به ويلتفوا حوله . قال تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ . ( الزخرف : 44 ) . أي : القرآن شرف لك يا محمد ولقومك ؛ لأنه وحد العرب وجمعهم وعلمهم وطهرهم ، ولم يكن للعرب في الجاهلية كبير شأن ، فكانوا بالإسلام خير أمة أخرجت للناس ، وكان القرآن روحا وحياة لأمة العرب ، ولما دخلوا في الإسلام زلزلوا عروش الأكاسرة والقياصرة ، وفتح الله بهم البلاد ونصرهم على العباد ، وكلما اقترب المسلمون من القرآن ، وعملوا بأحكام الإسلام ؛ ارتفع شأنهم وعلا أمرهم ، وكلما بعدوا عن هدى القرآن ؛ ضعف شأنهم .

وخلاصة المعنى :

بل جئناهم بالقرآن الذي هو عزهم وشرفهم ، وفخرهم وإعلاء سمعتهم ، ولكنهم معرضون عن هذا الذكر الذي سطر لهم الخلود والمجد .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ} (71)

قوله : ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ) المراد بالحق ، الله جل جلاله ؛ أي لو عمل صاحب الحق وهو الله بما يهواه هؤلاء المشركون ؛ لأفضى ذلك إلى إفساد الكون كله وما فيه من أحياء ؛ فإن كل شيء مخلوق بقدر وجيء به على نظام موزون ، واتساق محكم منسجم لا زيغ فيه ولا عوج ، لكن هؤلاء الضالين المكذبين لا يهوون غير الضلالة ولا يبتغون غير الظلم والهوى ، جريا وراء غرائزهم وشهواتهم وأهوائهم . وعلى هذا لو قام الحق على ما يريدون ويهوون ؛ لاضطرب نظام الحياة والأحياء ، فأتى عليها الفساد والفوضى .

وقيل : المراد بالحق ، الإسلام الذي جيء به من عند الله . فلو جاء الإسلام كما تبتغيه أهواء الضالين الظالمين من ضلال وشرك وظلم لانقلب هذا الدين شر الانقلاب ، فصار وبالا على الناس بقيامه حينئذ على الوثنية والأهواء والضلالات وسوء التدبير .

قوله : ( بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ) المراد بذكرهم ، القرآن ؛ فإن فيه شرفهم وعزهم ، وفيه من الهداية وكمال النظام ما تستقيم به حياتهم ، وحياة الناس جميعا ، لكنهم أعرضوا عنه وكفروا به .