تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ} (122)

121

122- { إذ همت طائفتان منكم ان تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون } .

المفردات :

همت طائفتان منكم أن تفشلا : أشرفتا على الهزيمة .

التفسير :

( الهم ) : هو حديث النفس واتجاهها إلى شيء معين دون ان تأخذ في تنفيذه فإذا أخذت في تنفيذه صار إرادة وعزما وتصميما .

تفشلا : من الفشل وهو الجبن والخور والضعف يقال فشل يفشل فشلا فهو فشل أي جبان ضعيف القلب .

والمعنى : اذكر يا محمد حين همت طائفتان وهما بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج ان تفشلا وتضعفا وتجبنا عن القتال وتتبعها عبد الله بن أبي سلول عندما انخذل بثلث الناس وقال يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا ؟ فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم72 .

وعن ابن عباس قال : أضمروا ان يرجعوا فعزم الله لهم الرشد فثبتوا والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس كما لا تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على احتمال المكروه . . ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها ولاية الله73 .

{ وعلى الله فليتوكل المؤمنون }

التوكل هو الاعتماد على الله تعالى بعد الأخذ بالأسباب فإذا لم يأخذ الإنسان في الأسباب كان توكلا لا توكلا .

أي وعلى الله وحده لا على غيره فليكل المؤمنون أمورهم بعد اتخاذ الأسباب التي أمرهم سبحانه باتخاذها فإنهم متى فعلوا ذلك تولاهم سبحانه بتأييده ورعايته .

إن حديث القرآن في سورة آل عمران عن غزوة احد استمر قرابة ستين آية ولم يسر القرآن في أحداث الغزوة حسب ترتيب خروجها وأحداثها بل حسب مشيئة الحق سبحانه في ان ينتزع منها العبرة والعظة ويصور الجو الذي صاحبها وبذلك تتحول الغزوة إلى نقطة ارتكاز لثروة ضخمة من المشاعر والسمات والنتائج والاستدلالات يبدأ السياق منها ثم يستطرد حولها ثم يعود إليها ثم يجول في أعماق الضمائر وفي أغوار الحياة ويكرر هذا مرة بعد مرة والقرآن بهذا يأسو جراح المؤمنين ويثبت إيمانهم ويشحذ عزائمهم ويتخلل ذلك تربية وتعليم وبيان لسنن الله ونواميسه وبهذا كان القرآن كتاب الحياة أنشأ أمة وأقام دولة وربى أجيالا وصنع ضمائر وحرك همها وعزائم { صنع الله الذي أتقن كل شيء ( النمل 88 ) .

/خ129

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ} (122)

قوله : ( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما ) الهم يحتمل عدة معان فقد يراد به العزم ، وقد يراد به الفكر ، وقد يراد به حديث النفس ، وقيل غير ذلك . والطائفتان اللتان همتا بالفشل وهو الجبنن والخور ، هما حيان من الأنصار وهما بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس ، وذلك لما انهزم عبد الله بن أبي بن سلول ، همت الطائفتان باتباعه لكن الله عصمهم فثبتوا مع الرسول صلى الله عليه و سلم ، وهذا مقتضى قوله : ( والله وليهما ) {[575]} .

قوله : ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) الله جل جلاله يدعو عباده المؤمنين أن لا يركنوا إلا إلى جنابه العظيم ، وأن يعتمدوا عليه في كل الملمات والأهوال ، فهم لا يدهمهم داهم عصيب ، ولا تقرعهم نائبة من النوائب إلا توجهوا بقلوبهم إلى الله وحده ، فهو وليهم وحافظهم ومثبتهم . وهو الذي يبدد عدوهم ويثير في نفسه الهلع والذعر ليبوء بالهزيمة والفشل ، فلا ينبغي للمؤمنين بعد هذا النداء الرباني المجلجل أن يركنوا للبشر كما يركن كثير من المغفلين الفاشلين الذين يذهلون عن الله ذي الملكوت ، ليعولوا في أهوائهم وفي وجدانهم على الخلائق من الساسة والطغاة والمتجبرين ، حتى إذا سقطوا في عار الهزيمة وذاقوا وبال أمرهم من الانهيار والتداعي عرفوا أنهم ضلوا الطريق والتفكير .


[575]:- تفسير الطبري جـ 4 ص 45- 48 وتفسير الرازي جـ 8 ص 223-226 وتفسير القرطبي جـ 4 ص 184 وتفسير البيضاوي ص 88 والقاموس المحيط جـ 4 ص 194 ومختار الصحاح ص 68.