تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ} (133)

{ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العالمين }

المفردات :

أعدت : هيئت .

التفسير :

132- { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم . . } الآية .

لما حذر الله الآيات السابقة من الأفعال المستتبعة للعقاب عقبه بحث على الأفعال المستتبعة للثواب فقال : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } . أي : بادروا وسابقوا إلى كل ما يحقق لكم مغفرة ربكم لذنوبكم ويوصلكم إلى نيل مرضاته ودخول جنته الواسعة وذلك يكون بإقبالكم على طاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه .

{ وجنة عرضها السموات والأرض } أي : كعرضها وليس المراد التحديد وإنما هو كناية عن غاية سعتها وعظيم رحبها بما هو في تصور المخاطبين أوسع الأشياء وأرحبها وخص العرض بالذكر مع أنه دون الطول للمبالغة في البسط والسعة ويطلق العرض أيضا على السعة .

ويجوز ان يراد منه هذا المعنى هنا .

أعدت للمتقين . أي هيأها الله لعباده الذين يتقون عذابه بامتثال أوامره واجتناب محارمه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ} (133)

وقوله : ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ) سارعوا أي بادروا ، والمسارعة بمعنى المبادرة . وفي الآية حذف . تقدير الكلام : سارعوا إلى ما يوجب المغفرة وهي الطاعة . وقيل : أداء الفرائض . وقيل : المراد الإخلاص . وقيل : التوبة من الربا . وقيل غير ذلك . والصواب أن هذه الآية تعم الجميع .

قوله : ( وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) ندب الله عباده إلى المسارعة في فعل الخيرات وتقديم الطاعات لتحصيل المغفرة من الله وللفوز بالجنة الواسعة المديدة ، الجنة الوارفة الدائمة بكل ما فيها من آلاء وخيرات ومباهج ، وبكل ما يتمناه المرء من نعيم وبهجة واستمتاع مما ليس له في تصور الإنسان نظير ولا نديد ، لا جرم أن الجنة التي وعد الله عباده المتقين لا يدركه بال قاصر ولا يتصوره ذهن محدود من أذهان البشر ، فهي من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه ، ومن روائه ما قدره في الوجود تقديرا .

ولا يكشف للحس البشري أو تصوره عن روعة الجنة ومبلغها من الجمال والكمال غير آيات الكتاب الحكيم في ألفاظه الباهرة الفذة من مثل قوله سبحانه : ( وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) .

ومع ذلك كل هذا المدى من روعة الكلم الذي حواه القرآن عن وصف الجنة بأسلوبه الخارق الساحر ، لا تتردد بعض العقول القميئة في إفراز ما يندلق من سخائم النقد المتهافت مما يدينها بالإفلاس وعقم التفكير . ومن جملة ذلك قول بعضهم : إذا كانت الجنة عرضها مثل عرض السماوات والأرض فأين النار ؟

فقد روى الإمام أحمد في مسنده أن هرقل كتب إلى النبي صلى الله عليه و سلم : " إنك دعوتني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : " سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار ؟

وذكر أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار ؟ فقال لهم عمر : أرأيتم إذا جاء النهار أين الليل ، وإذا جاء الليل أين النهار ؟ فقالوا : لقد نزعت مثلها من التوراة .

وروي عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت : أرأيت قوله تعالى : ( جنة عرضها السماوات والأرض ) فأين النار ؟ قال : " أرأيت الليل إذا جاء ليس كل شيء فأين النهار " قال : حيث شاء الله . قال : " وكذلك النار تكون حيث شاء الله عز وجل " {[582]} قال ابن كثير في تبيين ذلك : وهذا يحتمل معنيين :

أحدهما : أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزمه من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان ، وإن كنا لا نعلمه . وكذلك النار تكون حيث شاء الله عز وجل .

الثاني : أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب فإن الليل يكون من الجانب الآخر ، فكذلك الجنة في أعلى معليين فوق السماوات تحت العرش وعرضها كما قال الله عز وجل : ( كعرض السماوات والأرض ) والنار في أسفل سافلين . فلا تنتفي بين كونها كعرض السماوات والأرض وبين وجود النار والله أعلم{[583]} .

قال الإمام الرازي في بيان ذلك : والمعنى والله أعلم أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم ، والليل في ضد ذلك الجانب . فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل{[584]} .

وينبغي التذكير بحقيقة معقولة وهي أن رحابة الوجود أو اتساعه لا يتحدد مداه بسعة السموات والأرض ، فإن ما خلقه الله من وجود هائل ممتد لهو أكبر من حجم السماوات والأرض . وليس حجمهما إلا الجزء اليسير من حجم الوجود الكبير الذي تنطوي في خلاله الأشياء والخلائق جميعا ومنها السماوات والأرض .


[582]:- تفسير ابن كثير د، 1 ص 404
[583]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 404
[584]:- تفسير الرازي جـ 9 ص 6.