يصدقوا : يتصدقوا بالدية ، بالتنازل عنها .
92- وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا . . أي : وما أذن الله لمؤمن ولا أباح له أن يقتل مؤمنا يقول : ما كان ذلك له فيما جعل له ربه ، وأذن له فيه من الأشياء البتة {[48]}
لقد حرص الإسلام على حفظ العقول والأعراض والأموال والأرواح وقد حرم الله قتل النفس . في الصحيحين عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : '' ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة'' {[49]} .
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا . . . أي : وما صح وما استقام لمؤمن صادق الأيمان ، فيما أتاه ربه في شريعة الإسلام ، أن يقتل إنسانا مؤمنا بغير حق إلا خطأ .
وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ . . . أي : ومن وقع منه القتل الخطأ ، فالجواب عليه في هذه الحالة أن يعتق نفسا مؤمنة ، وان يؤدي إلى ورثة القتيل دية يقتسمونها كما يقتسمون الميراث ، والدية عوض عن دم القتل ، وهي مائة من الإبل او قيمتها بالدراهم أو الدنانير ، وقد قدرها عمر رضي الله عنه بألف دينار على من يتعاملون بالذهب ، واثني عشر ألف درهم على من يتعاملون بالفضة .
روى أبو داود عن عمر رضي الله عنه : ( على أهل الإبل مائة بدنة ، وعلى أهل البقر مائتا بقرة ، وعلى أهل الشاة ألف شاة ، وعلى أهل الحلل مائتا حلة ) وتتحمل عشيرة القاتل عنه دفع الدية ، فإن لم تكن له عاقلة ؛ وجبت على بيت المال ، فإن لم تكن فيه ؛ وجبت في مال القاتل ، ولا تسقط هذه الدية ، إلا في حال تنازل أهل القتيل عنها ، وهذا التنازل نوع من المعروف وكل معروف صدقة {[50]}
قال تعالى : إلا ان يصدقوا . أي تجب الدية إلا أن يعفو أهل القتيل بالتنازل عنها تطوعا وصدقة ، هذا إذا كان المقتول خطأ مؤمنا : من قوم مؤمنين .
فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ . . . أي : فإن كان المقتول خطأ من قوم كفار معادين للمؤمنين- وهو مؤمن- فالواجب في هذه الحالة ، عتق رقبة مؤمنة ، وفكاكها من قيد الرق ، وإطلاق حريتها ؛ كفارة عن هذا القتل الخطأ ، ولا دية . . . لأنها تعود على أعداء المسلمين المحاربين ، ولا يجوز أن يدفع المسلمون أموالهم إلا عدوهم ؛ ليتقوى عليهم بسببها ، ويحاربهم بها .
روى ابن جرير الطبري عن قتادة : فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ . ولا دية لأهله ؛ من أجل أنهم كفارا ، وليس بينهم وبين الله عهد ولا ذمة .
وعن ابن عباس قال : كان الرجل يسلم ثم يأتي قومه فيقيم فيهم وهم مشركون ، فيمر بهم الجيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتل فيمن يقتل ، فيعتق قاتله رقبة ولا دية له .
وقال آخرون : بل عني به الرجل من أهل الحرب ، يقدم دار الإسلام فيسلم ، ثم يرجع إلى دار الحرب ، فإذا مر بهم الجيش من أهل الإسلام هرب قومه ، وأقام ذلك المسلم منهم فيها ، فقتله المسلمون وهم يحسبونه كافرا .
روى الطبري في رواية أخرى عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى : فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ . هو المؤمن يكون في العدو من المشركين ، يسمعون بالسرية من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فيفرون ، ويثبت المؤمن فيقتل ، ففيه تحرير رقبة مؤمنة {[51]} .
والروايات متقاربة في المعنى ، وكلها تثبت معنى الآية أوة الفقرة من الآية .
أي : إذا كان القتيل مؤمنا ولكن أولياءه من الكفار أهل حرب فلا دية لهم ، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة ولا غير .
وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً . . . أي : وإن كان المقتول خطأ ، من قوم كفار بينكم- أيها المسلمون- وبينهم عهد وميثاق ، وليسوا أعداء لكم ؛ فالواجب-في هذه الحالة- المبادرة بأداء دية تسلم إلى أهل القتيل ؛ تعويضا عن دمه ، كما يجب-كذلك- عتق نفس مؤمنة ؛ لأن دماء هؤلاء قد عصمت بحكم ما بينهم مبين المسلمين من ذمة وميثاق .
وقد روى ابن جرير الطبري : أن أهل التأويل اختلفوا في صفة القتيل الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق ، أهو مؤمن أو كافر ؟ فقال بغضهم : هو كافر إلا أنه لزمت قاتله ديته ؛ لأن له ولقومه عهدا ، فوجب أداء ديته إلى قومه ؛ للعهد الذي بينهم وبين المؤمنين ، وأنها مال من أموالهم ولا يحل للمؤمنين شيء من أموالهم بغير طيب أنفسهم ، وقال آخرون : بل مؤمن فعلى قاتله دية يؤديها إلى قومه من المشركين ؛ لأنهم أهل ذمة .
وعلق الطبري على القولين بقوله :
وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية ، قوله : من قال عني بذلك المقتول من أهل العهد ( سواء أكان مؤمنا أم كافرا ) لان الله أبهم ذلك ، ولم يقل وهو مؤمن ، فكان في تركه وصفه بالإيمان الذي وصف به القتيل الماضي ذكره قبل ، الدليل الواضح على صحة ما قلنا ، فإن ظن ظان أن في قوله تبارك وتعالى : فدية مسلمة إلى أهله . دليلا على أنه من أهل الإيمان ؛ لأن الدية عنده لا تكون إلا لمؤمن ، فقد ظن خطأ ؛ وذلك أن دية الذمي وأهل الإسلام سواء ؛ لإجماع جميعهم على أن ديات عبيدهم الكفار ، وعبيد المؤمنين من أهل الإيمان سواء . وذهب قوم إلى أن ديات أهل العهد والميثاق على النصف أو على الثلث من ديات أهل الإيمان ، قال الطبري : والراجح أن دياتهم وديات المؤمنين سواء {[52]} .
وقال الإمام ابن كثير في تفسيره :
وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ . . . أي : فإن كان القتيل ، أولياؤه أهل ذمة أو هدنة ، فلهم دية قتيلهم ، فإن كان مؤمنا ؛ فدية كاملة ، وكذا إن كان كافرا أيضا ؛ عند طائفة من العلماء ، وقيل : يجب في الكافرنصف دية المسلم ، وقيل ثلثها ؛ كما هو مفصل في كتاب الأحكام ، ويجب أيضا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة{[53]}
وفي هذا القسم من أقسام القتل الخطأ ، لم يوصف المقتول بالإيمان أو الكفر ؛ مما يشعر بأن وجود عهد وذمة بين المسلمين ، يسوى بين الجميع في الدية والفدية ، وبذلك يرتفع الإسلام إلى أعلى مستوى من رعاية حقوق المعاهدين والذميين ، وهو تشريع في رعاية العهد ، وحرمة الدم ولا يسامى أبدا ، و حرمة الدم الإنساني واضحة في إيجاب عتق الرقيق في جميع حالات القتل {[54]} .
فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ . . . أي : فمن لم يجد الرقيق بأن لم يملكه ، ولا يملك ما يوصله إليه ؛ بأن عجزعن ثمنه ، أو عجز عن شرائه مع اليسار بثمنه ، فالواجب على القاتل في هذه الحالة الانتقال إلى البدل ، وهو صيام شهرين متتابعين : لا يقع بين أيامهما إفطار بغير عذر يبيح الفطر .
قال بن كثير : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ . . . أي : لا إفطار بينهما بل يسرد صومهما إلى آخرهما ، فإن أفطر من غير عذر من مرض ، أو حيض ، أو نفاس ؛ استأنف ؛ واختلفوا في السفر هل يقطع أم لا على قولين . .
توبة من الله . . . يعني : تجاوزا من الله لكم ؛ إلى التيسير عليكم بتخفيفه ما خفف عنكم ، من فرض تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها ، بإيجابه صوم شهرين متتابعين {[55]} والصوم المتتابع فيه قمع الشهوة ، وإظهار التوبة ، وصفاء النفس ، و إظهار الأدب بامتثال أمر الله وطاعة أمره .
وقال ابن كثير في تفسير الآية :
واختلفوا فيمن لا يستطيع الصيام ؛ هل يجب عليه إطعام ستين مسكينا كما في كفارة الظاهر ، على قولين :
أحدهما : نعم ، كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار ، وإنما لم يذكر ههنا ؛ لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير ؛ فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام ، لما فيه من التسهيل و الترخيص .
والقول الثاني : لا يعدل إلى الطعام ؛ لأنه لو كان واجبا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة .
وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا . . . أي : كان الله ولا يزال ، عظيم العلم بما يصلح عباده ، فيما يكلفهم من فرائضه ؛ بالغ الحكمة في كل ما يشرعه من الأحكام .
قوله تعالى : ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ، وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) .
المعنى : لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ، أو لا يصح ولا يستقيم ولا يليق به أن يقتل مؤمنا ابتداء . والاستثناء هنا منقطع . ومعنى " إلا " لكن . وتقدير الجملة كما ذهب سيبويه وغيره هو : ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة ، لكن إن قتله خطأ فعليه كذا وكذا{[805]} .
وقال صاحب الكشاف : والمعنى أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي كافرا فيصيب مسلما أو يرمي شخصا على أنه كافر فإذا هو مسلم .
وقوله : ( وما كان ) لا يفيد النفي ، بل يفيد التحريم والنهي . ولو كان في ذلك نفي لانتفى بذلك حدوث القتل العمد مع أن ذلك حاصل وموجود . وضروب الخطأ كثيرة مردّها جميعا إلى عدم القصد . ومن جملة الخطأ أن يعمد المسلم إلى رمي المشركين ثم يصيب مسلما فيقتله ، أو أن يقصد بالرمي غرضا من الأغراض فيصيب مسلما ، أو أن يحمل على مستحق القتل فيرمي غيره وهو يظن أنه المستحق للقتل . ومثال ذلك كثير . والمعلوم أن المسلم مصون الدم إلا بإحدى ثلاث كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أن النبي ( ص ) قال : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيّب الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " حتى إنه ليس لأحد من الناس أن يحمل على واحد من هؤلاء الثلاثة ليقتله ، بل إن ذلك من شأن الدولة المسلمة فهي التي قد نيط بها تنفيذ العقوبات سواء في ذلك القصاص أو الحدود أو التعزير . وإذا كان لكل فرد أن يتصرف مندفعا ليقتل من يستحق القتل آل الأمر إلى فوضى وتسيّب .
وقتل المؤمن خطأ يجب فيه تحرير رقبة مؤمنة ثم الدية التي يتسلمها أهله . أما الرقبة فهي العبد فإنه إذا تحرر فهو كأنما تنبعث فيه الحياة المتحركة بعد موات وركود ناشئين عن مهانة العبودية أو هو بمثابة انعتاق لإنسان مؤمن لينتشر في الأرض حرا نشطا بعد استرقاق . ولا جرم أن يتضمن هذا الإعتاق تلافيا لنكسة يمنى بها المجتمع نتيجة لموت امرئ مؤمن وافتقاده من على وجه الأرض وفي ذلك من الخسارة على الأمة الإسلامية ما يوجب سدا لهذه الثغرة بتشريع الإعتاق وهو على سبيل الجبر لما حل به من كسر . وشرط الرقبة أن تكون مؤمنة ، إذ لا يجزئ الكافر وهو ظاهر الآية . أما أوصاف الرقبة وشروطها من أجل أن تجزئ وذلك من حيث الصغر والكبر أو من حيث السلامة والعيوب وغير ذلك فإن ذلك موضع خلاف العلماء .
والإعتاق فيه التطهير للقاتل عما اقترفه من تقصير قد أدّى إلى هلاك امرئ مسلم وكان عليه أن يحتاط ويأخذ زمام الحرص كيلا يقع في خطورة القتل لكنه قد ترك الحرص والحر وأهمل الاحتياط والتنبيه الذي ينبغي أن يسبق القتل فقتل فلزمه بذلك أن يضطلع بالعتق جزاء بما فرّط وجبرا لما أحدث من زوال لكائن مسلم يعبد الله ويدين له في خضوع واستسلام .
أما الدية بكسر الدال . ومنه الفعل : ودى يدي . نقول وداه أي أعطى ديته{[806]} . فهي ما يعطي لولي القتيل عوضا عن دمه . وقوله : ( مسلّمة ) أي مؤداه ومدفوعة . وإيجابها في الآية ينطوي على إجمال غير مبيّن وتبيين ذلك تفصيلا إنما يؤخذ من السنّة النبوية . وبذلك فلا مندوحة عن السنّة وأقوال الفقهاء من المجتهدين من أجل الوقوف على نوعية ما يعطي للوليّ ليكون دية ثم إيجابها على العاقلة بدلا من القاتل نفسه . وهي تجب على العاقلة لا على سبيل العقاب لهم وإنما على سبيل المؤازرة والمواساة فقط .
وتفصيل ذلك أن الدية مقدّرة بمائة من الإبل كما ثبت في أخبار الرسول ( ص ) فقد روي في الموطأ أن رسول الله ( ص ) كتب كتابا لعمرو بن حزم في العقول ( الديات ) فكتب " أن في النفس مائة من الإبل " . وإذا لم يكن هناك إبل قدّرت الدية بالذهب وهي ألف دينار ، أو بالفضة إذا لم يتيسر الذهب وهي من الفضة اثنا عشر ألف درهم . وتلك خلاصة ما ذهب إليه الفقهاء في هذه المسألة استنادا إلى السنة الصحيحة والاستنباط السليم . وهو تقدير للدية في ضوء ما ثبت في الخبر الصحيح ، فقد أخرج النسائي عن عمرو بن حزم أن رسول الله ( ص ) كتب إلى أهل اليمن " وأن في النفس مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينار " .
وكذلك أخرج أبو داود عن ابن عباس " أن رجلا من بني عدي قُتل فجعل النبي ( ص ) ديته اثني عشر ألفا " يعني من الدراهم . أما التقدير بالنقد في العصر الحديث فهو شأن يناط بأهل الخبرة من ذوي الاختصاص حتى يمكن الكشف عن كمية الدية على نحو محدد ومضبوط .
والدية في القتل الخطأ تجب على العاقلة وذلك ما قضى به الرسول ( ص ) وهو إجماع العلماء . والعاقلة معناها عصبته أي أقرباؤه من طريق الذكورة . وهي في اللغة من العقل بمعنى المنع والحبس . فالعاقلة هم الأقربون الذين يمنعون قريبهم من الاعتداء عليه أو التمكن منه . والعقل على لسان الفقهاء معناه الدية . وسميت الدية عقلا ؛ لأنها تعقل الدماء من أن تسفك{[807]} .
والمقدار من الدية الذي تلتزم بأدائه العاقلة ما جاوز الثلث ، فالثلث يؤديه القاتل نفسه والثلثان الآخران يقوم بدفعهما الأقربون وهم ما يعرفون بالعاقلة . وذلك قول المالكية والحنابلة وآخرين . فالعاقلة تحمل من الدية ما يبلغ الثلث أو أكثر . وما كان دون ذلك فيتحمله الجاني في ماله .
واستدلوا لذلك بما روي عن ابن عباس مرفوعا أن النبي ( ص ) قال : " لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا اعترافا ولا صلحا ولا ما دون الثلث " .
أما الحنفية فقالوا : إنما تحمل العاقلة ما كان نصف عشر الدية فأكثر . واستدلوا بحديث ابن عباس مرفوعا أنه " لا تعقل العواقل عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما دون أرش الموضحة " وقالوا : أرش الموضحة ما بلغ نصف عشر بدل النفس . أما ما نقص عن نصف عشر الدية فهو في مال الجاني .
أما الشافعية فقالوا : تجب الدية على العاقلة مهما كان قدرها ، سواء كانت قليلة أم كثيرة . وحجتهم في ذلك أن النبي ( ص ) " قضى على العاقلة بالدية " وإطلاق ذلك يوجب الدية كلها على العاقلة{[808]} .
ولا تقدم الدية للولي دفعة واحدة فإن في ذلك مشقة وإرهاقا وإنما تقدم على دفعات من خلال ثلاث سنوات يقوم بأدائها من يعقل عن الجاني .
وإذا كان القتيل جنينا فثمّة تفصيل . فإن مات في بطن أمه وذلك أن تضرب أمه على بطنها فتلقيه حيا ثم يموت ففيه الدية كاملة كما لو كان كبيرا .
أما ما تعلم به حياته فقد اتفق العلماء على أنه يعتبر حيا فيما إذا ارتضع أو تنفّس بعد نزوله وكذلك إذا استهل صارخا أي جاء يبكي كعادة المولود لدى نزوله . فإن كانت الحالة كذلك فإن الدية تجب كاملة . لكن الشافعي وأبا حنيفة قد قالا بكفاية أدنى حركة لتدل على أنه حي . وخالف الإمام مالك في ذلك واشترط أن تقترن حياته لدى نزوله بطول الإقامة ليقضي فيه حينئذ بالدية كاملة . ذلك إذا ألقته أمه حيا ثم مات . أما إذا ألقته ميتا بسبب ضرب أو غيره فإن فيه غرة وهي عشر دية الأم . وذلك لما رواه المغيرة بن شعبة أن امرأتين لزوجين من الأنصار قد تغايرتا فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها فاختصم إلى النبي ( ص ) الرجلان فقالا : ندي من لا صاح ولا أكل ولا شرب ولا استهل فمثل ذلك يطلّ . أي كيف ندفع دية لمخلوق ليس كالأحياء من حيث الصياح أو الأكل أو الشرب ولم يستهل فإن من كان كذلك يطلّ أي يهدر دمه فقال النبي ( ص ) مستنكرا : " أسجع كسجع الأعراب " فقضى فيه غرة وجعلها على عاقلة المرأة . فإن كانت دية المرأة على العاقلة فإن غرة الجنين على العاقلة كذلك من باب القياس .
وإن ماتت الأم وبقي الجنين في بطنها فلا شيء فيه . وكذلك إذا خرج من بطنها ميتا بعد موتها فلا شيء فيه أيضا ، وذلك موضع اتفاق العلماء وقيل إجماعهم . وخالف داود الظاهري في هذا وقال : إذا خرج الجنين ميتا بعد موت أمه فإن فيه الغرّة يستوي ذلك أن تلقيه الأم قبل موتها أو بعده ما دامت قد ضربت على بطنها وهي حية فالحكم هنا منوط بحياتها عند الضرب . وما أجمع عليه العلماء هو الصحيح ويعزز ذلك القياس وهو أنه لو ضربت الأم على بطنها وهي حية فماتت وهي حامل من غير أن ينزل الجنين فإنه لا شيء فيه . فالحكم نفسه إذا سقط الجنين بعد موتها .
وقد اتفق العلماء على أن الجنين إذا سقط حيا ثم مات فإنه تجب فيه الكفارة ( عتق رقبة ) والدية . أما إذا سقط الجنين ميتا فهل تجب فيه كفارة ؟ ذلك موضع خلاف . فقد ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن فيه الغرّة مع الكفارة . وخالفهما الإمام مالك إذ استحسن الكفارة استحسانا دون وجوب . وقال الحنفية : لا كفارة في الجنين ؛ لأن الشرع إنما أوجب الكفارة في النفس المطلقة .
وفي ميراث الغرّة عن الجنين خلاف . فقد قيل إنها ( الغرّة ) موروثة عن الجنين بمعنى أن الجنين قد توفي عن مال الغرة فأصبح هذا المال من نصيب ورثة الجنين على النحو المبين في كتاب الله وسنة نبيه ( ص ) . وذلك قول المالكية والشافعية والحنابلة .
وفي قول آخر بأن الغرّة من نصيب الأم وحدها . وتوجيه ذلك أن الجنين بمثابة عضو من أعضاء أمه ، وإسقاطه يعتبر من باب الجناية الواقعة عليها ( الأم ) فاستحقّت بذلك الغرّة بدلا عما أصابها وهو قول أبي حنيفة ، وقيل غير ذلك{[809]} .
قوله : ( إلا أن يصدقوا ) أصلها يتصدقوا من التصدّق وهو الإعطاء . ومعنى ذلك أن يبرئ أولياء القتيل خصمهم القاتل مما لهم في ذمته من دية . والأصل في ذلك أن الدية حق للأولياء الورثة فلهم حق التنازل عن هذا الحق وإبراء من وجب في ذمته شيء من هذا الحق . لكن الكفارة لا حق لأحد في التنازل عنها ؛ لأنها حق الله وليست حقا للعباد . فالقاتل خطأ تظل ذمته مشغولة بحق من حقوق الله ، وتلك هي الكفارة وهي تحرير رقبة مؤمنة ، ولا تبرأ هذه الذمة بعفو من الأولياء أو إبرائهم وإنما بالتحرير . وهو إذا ما حرر رقبة مؤمنة فإنه يتدارك ليقيم مؤمنا عتيقا مقام مؤمن آخر قد تسبب في قتله وقطعه من جماعة المؤمنين الذين يعبدون الله .
قوله : ( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) إذا كان القتيل خطأ من قوم كافرين يعادون المسلمين فإن فيه الإعتاق فقط ولا دية هنا ؛ وذلك لأن في الدية تقوية للأعداء على المسلمين . وأضاف بعضهم وجها آخر وهو ضعف حرمة هذا المؤمن الذي رضي البقاء في حومة الكافرين ولم يعمل على تخليص نفسه من إيذائهم وفتنتهم له . والله سبحانه يقول : ( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من وليتهم من شيء حتى يهاجروا ) .
قوله : ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين . . . ) .
ثمة قولان في حقيقة القتيل : فهل المقصود به أنه مؤمن من أولي ميثاق مع المسلمين ، أم أنه ذمي أو معاهد من قوم أولي ميثاق ؟ ويأخذ بكل من هذين القولين فريق من العلماء ، لكن الذي يترجح للمحقق القول الأول وهو أن الذي يقتل خطأ وهو مؤمن إن كان من قوم أولي ميثاق أو معاهدين فقد وجب فيه شيئان أولهما : الدية تدفع لورثة القتيل ويضطلع بأدائها عاقلة القاتل . ثانيهما : تحرير رقبة مؤمنة ، وهو إعتاقها مثلما بينا سابقا . ووجه هذا القول الراجح أنه لو كان المقصود بالقتيل أن يكون ذميا من أولي ميثاق لما لزم وجوب الكفارة على القاتل وهو تحرير رقبة . ذلك أن تحرير الرقبة كما أوضحنا في حينه يشكّل عملية تعويض لإنسان بإنسان . فثمة إنسان عابد لله قد مات ثم حرّر إنسان عابد آخر من رق العبودية ليقوم مقامه . وذلك هو المعنى المفهوم في عملية التحرير .
وتجب الدية للقتيل خطأ في أحوال كثيرة منها : أن يقود احدهما الآخر فيسقط في حفرة أو بئر ثم يقع أحدهما على الآخر فيقتله . أو يسقط أحد الناس من أعلى على آخر في الأسفل فيموت الساقط أو الذي أسقط عليه . أو اثنان تصادما فمات أحدهما لشدة الصدمة . أو الفارسان يصطدمان فيموتان كلاهما أو يموت أحدهما . أو السفينة التي تجنح إلى الغرق بفعل القيادة السيئة ونتيجة للإهمال . أو السيارة تصدم أحد المارّة فإن كان ذلك عمدا ففيه القصاص ، وإن كان خطأ ففيه الدية والكفّارة . وغير ذلك كثير من الأمثلة والنماذج على القتل الخطأ مما ليس موضعه هنا{[810]} .
قوله : ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) الذي لا يملك الرقبة وليس له مال يشتريها به وجب عليه أن يصوم شهرين على التتابع بغير انقطاع إلا لعذر شرعي مقبول كالحيض والنفاس والمرض . أما السفر فهو موضع خلاف من حيث كونه عذرا مشروعا . وغير ذلك من المعاذير لا تبرر قطع الصوم فلو صام شهرا ثم أفطر وجب عليه الاستئناف .
وثمة رأي بأن المقصود بغير الموجود هنا الدية مع الكفارة . وذلك قول ضعيف ومرجوح ؛ لأن الدية في القتل الخطأ إنما تجب على العاقلة فلا يلزم منه إذن وجوب الصيام لشهرين متتابعين ما دامت الدية على العاقلة لا القاتل . وبذلك فإن المقصود بغير الموجود هو تحرير الرقبة فقط{[811]} .
قوله : ( توبة من الله وكان الله عليما حكيما ) كذلك يتوب القاتل خطأ إذا لم يجد الكفارة وهي عتق رقبة ، وذلك أن شهرين متتابعين بغير انقطاع جزاء لإهماله وعدم تحرّره . وقوله : ( توبة ) منصوب على المفعول المطلق ، أو المفعول لأجله . ( وكان الله ) في الأزل الممتد والأبد الأبيد المديد . وهو سبحانه عالم بما يصلح عليه حال الناس من تشريع وحكم . أو من أوامر وزواجر . وهو كذلك له الكلمة البالغة فيما أوجب من تكليف أو فيما يصدر عنه من أمر ونهي فإنه في ذلك كله أحكم الحاكمين وأعلم العالمين .
وترد مسألة في باب الخطأ في القتل وهي ما لو قتل جماعة واحدا خطأ . فهل تجب الكفارة عليهم مجتمعين أم أنها واجبة على كل واحد منهم بمفرده . جاء في ذلك قولان ظاهران . أولهما : أن الكفارة تجب على كل واحد من هؤلاء الذين قتلوا خطأ وذلك ما ذهب إليه الحسن البصري والنخعي ومالك والشافعي وابن حنبل والحنفية . ثانيهما : أن القاتلين مجتمعين تجب عليهم كفارة واحدة فقط ، وهو قول طائفة من العلماء . إلا أن القول الأول هو الراجح لسببين : الأول : أن إيجاب الكفّارة على كل واحد من القاتلين لهو أوقع في نفس القاتل وأشد تأثيرا فيه بدلا عما اقترفه من تقصير وعدم تحفّظ واهتمام . لكن اشتراك الجميع في كفّارة واحدة أمر تتبسط به الكفارة كثيرا كيلا يبقى تأثير بعدها في نفس الجاني وهو المقصود من الكفارة . الثاني : أن كل واحد من القاتلين قد أسهم بنفسه في عملية القتل وشارك فيها مع الآخرين . وأن كل واحد منهم لو لم يقم بدوره في عملية القتل لما وقع القتل نفسه . وذلك يستوجب لزوم الكفارة على كل واحد من القاتلين{[812]} .