حدائق : جمع حديقة ، وهي البستان عليه سور أو حائط ، من أحدق بالشيء : إذا أحاط به ، ثم توسع فيها فاستعملت في كل بستان وإن لم يكن محوطا بحائط .
ذات بهجة : البهجة : حسن المنظر .
يعدلون : يميلون ، يقال : عدل عنه ، أي : مال عنه .
60- { أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون } .
من الذي بدأ الخلق ورفع السماء وبسط الأرض ، وجعل الفضاء والهواء بين السماء والأرض ، وأنزل المطر من السماء لمصلحة الإنسان ، فأنبت بالماء الحدائق والبساتين التي تبهج الإنسان وتسعده ، وإن نظرة إلى ما حولنا ، من ارتفاع السماء ، واتساع الفضاء ، والأرض المبسوطة ، والفضاء والهواء والماء ، ونزول المطر وإنبات النبات وكل زهرة فيها لمسة الإبداع ، التي تعجز ريشة الفنان عن إبداعها ، فضلا عن سريان الماء في أوراق الأشجار وأغصانها ، وما كان للإنسان أن يسخر المطر أو ينبت النبات ، أو يبدع جريان الماء في داخل الشجر .
أي : أكل هذه النعم الجليلة ، والخلق البديع ، يخلقه خالق آخر مع الله ؟ أو يمكن أن يبدعه صنم أو وثن أو جن أو ملائكة ، حتى تعبدوا الصنم وغيره ، وتتركوا عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .
انتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب إلى تبكيتهم بطريق الغيبة ، أي : لا هم قوم يعدلون ، ينصرفون عن الحق وهو التوحيد إلى الباطل وهو عبادة الأصنام .
قوله تعالى : { أمن خلق السموات والأرض } معناه آلهتكم خير أم الذي خلق السموات والأرض ، { وأنزل لكم من السماء ماءً } يعني المطر ، { فأنبتنا به حدائق } بساتين جمع حديقة ، قال الفراء : الحديقة البستان المحاط عليه ، فإن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة ، { ذات بهجة } أي : منظر حسن ، والبهجة : الحسن يبتهج به من يراه ، { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } أي : ما ينبغي لكم ، لأنكم لا تقدرون عليها . { أإله مع الله } استفهام على طريق الإنكار ، أي : هل معه معبود سواه يعينه على صنعه بل ليس معه إله . { بل هم قوم } يعني كفار مكة ، { يعدلون } يشركون .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق} يعني: حيطان النخل والشجر {ذات بهجة} يعني: ذات حسن {ما كان لكم} يعني" ما ينبغي لكم {أن تنبتوا شجرها} فتجعلوا للآلهة نصيبا مما أخرج الله عز وجل لكم من الأرض بالمطر.
ثم قال سبحانه استفهام: {أإله مع الله} يعينه على صنعه جل جلاله، ثم قال تعالى: {بل هم قوم يعدلون} يعني: يشركون، يعني: كفار مكة.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره للمشركين به من قُرَيش: أعبادة ما تعبدون من أوثانكم التي لا تضرّ ولا تنفع خير، أم عبادة من خلق السموات والأرض؟ "وأنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السّماءِ ماء "يعني: مطرا، وقد يجوز أن يكون مريدا به العيون التي فجّرها في الأرض، لأن كل ذلك من خلقه، "فَأنْبَتْنا بِهِ" يعني: بالماء الذي أنزل من السماء "حَدَائِقَ" وهي جمع حديقة، والحديقة: البستان عليه حائط محوّط، وإن لم يكن عليه حائط لم يكن حديقة. وقوله: "ذَاتَ بَهْجَةٍ" يقول: ذات منظر حسن... عن مجاهد، قوله: "حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ" قال: من كلّ شيء تأكله الناس والأنعام.
وقوله: "ما كانَ لَكُمْ أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها" يقول تعالى ذكره: أنبتنا بالماء الذي أنزلناه من السماء لكم هذه الحدائق إذ لم يكن لكم -لولا أنه أنزل عليكم الماء من السماء- طاقة أن تنبتوا شجر هذه الحدائق، ولم تكونوا قادرين على ذهاب ذلك، لأنه لا يصلح ذلك إلا بالماء.
وقوله: "أإلَهٌ مَعَ اللّهِ" يقول تعالى ذكره: أمعبود مع الله -أيها الجهلة- الذي خلق ذلك، وأنزل من السماء الماء، فأنبت به لكم الحدائق؟... "بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ" يقول جلّ ثناؤه: بل هؤلاء المشركون قوم ضلال، يعدلون عن الحقّ، ويجورون عليه، على عمد منهم لذلك، مع علمهم بأنهم على خطأ وضلال، ولم يعدلوا عن جهل منهم بأن من لا يقدر على نفع ولا ضرّ، خير ممن خلق السموات والأرض وفعل هذه الأفعال، ولكنهم عدلوا على علم منهم ومعرفة، اقتفاء منهم سنة من مضى قبلهم من آبائهم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
أحدهما: قدرته وسلطانه في خلق ما ذكر من السماوات والأرض وإنزال الماء من السماء وإنبات النبات من الأرض وإخراجه على أفرادهم أن الله خالق ذلك كله، فكيف أشركتم غيره، مَن لا يملك ذلك ولا يقدر، في تسمية الإلهية والعبادة؟
والثاني: يخبر عن اتساق الأمور والتدبير فيهما جميعا واتصال منافع أحدهما بالآخر على تباعد ما بينهما ليعلم أن منشئهما ومدبرهما واحد لا عدد. فإن عرفتم ذلك فكيف أشركتم غيره فيها؟ وهو كقوله {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22]...
{ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} أي ما تقدرون أنتم أن تنبتوا شجرها فمن هو دونكم أشد وأبعد، فكيف أشركتم في العبادة وتسمية الإلهية من دونكم في كل شيء؟
{أإله مع الله} أي: لا إله مع الله، {بل هم قوم يعدلون} هذا يحتمل وجهين: أحدهما: {يعدلون} أي يجعلون من لا يملك ما ذكر عديلا لله.
والثاني: {يعدلون} أي يعدلون عن الله ويميلون إلى غيره من العدول، والله أعلم.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{ذَاتَ بَهْجَةٍ} فيها قولان: أحدهما: ذات غضارة.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
فإن قلت: ما الفرق بين أم وأم في {أَمْ مَا تُشْرِكُونَ} و {أَمَّنْ خَلَقَ السماوات}؟ قلت: تلك متصلة؛ لأنّ المعنى: أيهما خير. وهذه منقطعة بمعنى بل والهمزة، لما قال تعالى: آلله خير أم الآلهة؟ قال: بل أمّن خلق السموات والأرض خير؟ تقريراً لهم بأن من قدر على خلق العالم خير من جماد لا يقدر على شيء...
فإن قلت: أي نكتة في نقل الإخبار عن الغيبة إلى التكلم عن ذاته في قوله فَأَنْبَتْنَا؟ قلت: تأكيد معنى اختصاص الفعل بذاته، والإيذان بأنّ إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطعوم والروائح والأشكال مع حسنها وبهجتها بماء واحد، لا يقدر عليه إلا هو وحده، ألا ترى كيف رشح معنى الاختصاص بقوله: {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} ومعنى الكينونة: الانبغاء. أراد أن تأتِّيَ ذلك محال من غيره، وكذلك قوله: {بَلْ هُمْ} بعد الخطاب: أبلغ في تخطئة رأيهم.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{أمن خلق} وما بعدها من التوقيفات، توبيخ لهم وتقرير على ما لا مندوحة لهم عن الإقرار به... {ما كان} للبشر، أي: ما يتهيأ لهم ولا يقع تحت قدرهم أن ينبتوا شجرها، لأن ذلك بإخراج شيء من العدم إلى الوجود.
يقال ما حكمة الالتفات في قوله: {فأنبتنا}؟ جوابه: أنه لا شبهة للعاقل في أن خالق السماوات والأرض ومنزل الماء من السماء ليس إلا الله تعالى، وربما عرضت الشبهة في أن منبت الشجرة هو الإنسان، فإن الإنسان يقول أنا الذي ألقي البذر في الأرض الحرة وأسقيها الماء وأسعى في تشميسها، وفاعل السبب فاعل للمسبب، فإذن أنا المنبت للشجرة، فلما كان هذا الاحتمال قائما، لا جرم أزال هذا الاحتمال فرجع من لفظ الغيبة إلى قوله: {فأنبتنا} وقال: {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} لأن الإنسان قد يأتي بالبذر والسقي والكرب والتشميس ثم لا يأتي على وفق مراده، والذي يقع على وفق مراده فإنه يكون جاهلا بطبعه ومقداره وكيفيته، فكيف يكون فاعلا لها، فلهذه النكتة حسن الالتفات ههنا.
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
ولما ذكر الله خيراً، عدّد سبحانه الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله، كما عدّدها في غير موضع من كتابه، توقيفاً لهم على ما أبدع من المخلوقات، وأنهم لا يجدون بداً من الإقرار بذلك لله تعالى.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
{مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} أي: لم تكونوا تقدرون على إنبات شجرها، وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق، المستقل بذلك المتفرد به، دون ما سواه من الأصنام والأنداد، كما يعترف به هؤلاء المشركون، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت: 63] أي: هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، وإنما يستحق أن يُفرَدَ بالعبادة مَن هو المتفرد بالخلق والرزق؛ ولهذا قال: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} أي: أإله مع الله يعبد. وقد تبين لكم، ولكل ذي لب مما يعرفون به أيضًا أنه الخالق الرازق. ومن المفسرين من يقول: معنى قوله: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [أي: أإله مع الله] فعل هذا. وهو يرجع إلى معنى الأول؛ لأن تقدير الجواب أنهم يقولون: ليس ثَمَّ أحدٌ فعل هذا معه، بل هو المتفرد به. فيقال: فكيف تعبدون معه غيره وهو المستقل المتفرد بالخلق والتدبير؟ كما قال: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ} [النحل: 17]. وقوله هاهنا: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ}: {أمن} في هذه الآيات [كلها] تقديره: أمن يفعل هذه الأشياء كَمَنْ لا يقدر على شيء منها؟ هذا معنى السياق وإن لم يذكر الآخر؛ لأن في قوة الكلام ما يرشد إلى ذلك، وقد قال: {آلله خير أما يشركون}. ثم قال في آخر الآية: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} أي: يجعلون لله عدلا ونظيرًا. وهكذا قال تعالى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9] أي: أمن هو هكذا كَمَنْ ليس كذلك؟ ولهذا قال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ} [الزمر: 9]، {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الزمر: 22]، وقال {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد: 33] أي: أمَنْ هو شهيد على أفعال الخلق، حركاتهم وسكناتهم، يعلم الغيب جليله وحقيره، كَمَنْ هو لا يعلم ولا يسمع ولا يبصر من هذه الأصنام التي عبدوها؟ ولهذا قال: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ} [الرعد: 33]، وهكذا هذه الآيات الكريمات كلها.
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{أإله مَّعَ الله} أي أإلهٌ آخرُ كائنٌ مع الله الذي ذُكرَ بعضُ أفعالِه التي لا يكادُ يقدرُ عليها غيرُه حتَّى يتوهَّم جعلَه شريكاً له تعالَى في العبادةِ، وهذا تبكيتٌ لهم بنفي الألوهيةِ عمَّا يُشركونه به تعالى في ضمنِ النَّفي الكليِّ على الطريقةِ البُرهانيةِ، بعد تبكيتِهم بنفي الخيريةِ عنْهُ بما ذكرَ من التَّرديدِ، فإنَّ أحداً ممَّن له تمييزٌ في الجُملةِ كما لا يقدرُ على إنكارِ انتفاءِ الخيريةِ عنه بالمرةِ لا يكادُ يقدرُ على إنكارِ انتفاءِ الألوهيةِ عنه رأساً لاسيَّما بعد ملاحظةِ انتفاءِ أحكامِها عمَّا سواهُ تعالى، وهكذا الحالُ في المواقعِ الأربعةِ الآتيةِ. وقيل: المرادُ نفي أنْ يكونَ معه تعالى إلهٌ آخرُ فيما ذكرَ من الخلقِ وما عطف عليه، لكن لا على أنَّ التبكيتَ بنفس ذلك النفي فقط كيفَ لا وهم لا يُنكرونَه حسبما ينطقُ به قولُه تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَّيَقُولَنَّ الله} [سورة لقمان، الآية25 وسورة الزمر، الآية38] بل بإشراكِهم به تعالى في العبادةِ ما يعترفون بعدمِ مشاركتِه له تعالى فيما ذكرَ من لوازمِ الألوهيَّةِ، كأنَّه قيلَ أإلهٌ آخرُ مع الله في خواصِّ الأُلوهيةِ حتَّى يجعلَ شريكاً له تعالى في العبادةِ. وقيل المعنى أغيرُه يُقرن به ويجعلُ له شريكاً في العبادةِ مع تفرُّده تعالى بالخلقِ والتَّكوينِ. فالإنكارُ للتوبيخِ والتبكيتِ مع تحقيقِ المنكرِ دون النفي كما في الوجهينِ السابقينِ والأولُ هو الأظهرُ الموافقُ لقولِه تعالى: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إله} [سورة المؤمنون، الآية91] والأوفى بحقِّ المقامِ لإفادتِه نفي وجودِ إلهٍ آخرَ معه تعالى رأساً لا نفيَ معيَّته في الخلقِ وفروعِه فقط.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ومن ثم يعدل عنه إلى سؤال آخر، مستمد من واقع هذا الكون حولهم، ومن مشاهده التي يرونها بأعينهم: (أم من خلق السماوات والأرض، وأنزل لكم من السماء ماء، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها؟ أإله مع الله؟ بل هم قوم يعدلون).. والسماوات والأرض حقيقة قائمة لا يملك أحد إنكار وجودها، ولا يملك كذلك أن يدعي أن هذه الآلهة المدعاة خلقتها.. وهي أصنام أو أوثان، أو ملائكة وشياطين، أو شمس أو قمر.. فالبداهة تصرخ في وجه هذا الادعاء. ولم يكن أحد من المشركين يزعم أن هذا الكون قائم بنفسه، مخلوق بذاته، كما وجد من يدعي مثل هذا الادعاء المتهافت في القرون الأخيرة! فكان مجرد التذكير بوجود السماوات والأرض، والتوجيه إلى التفكير فيمن خلقها، كفيلا بإلزام الحجة، ودحض الشرك، وإفحام المشركين. وما يزال هذا السؤال قائما فإن خلق السماوات والأرض على هذا النحو الذي يبدو فيه القصد، ويتضح فيه التدبير، ويظهر فيه التناسق المطلق الذي لا يمكن أن يكون فلتة ولا مصادفة، ملجئ بذاته إلى الإقرار بوجود الخالق الواحد، الذي تتضح وحدانيته بآثاره. ناطق بأن هناك تصميما واحدا متناسقا لهذا الكون لا تعدد في طبيعته ولا تعدد في اتجاهه. فلا بد أنه صادر عن إرادة واحدة غير متعددة. إرادة قاصدة لا يفوتها القصد في الكبير ولا في الصغير. (أم من خلق السماوات والأرض).. (وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها؟).. والماء النازل من السماء حقيقة كذلك مشهودة يستحيل إنكارها ويتعذر تعليلها بغير الإقرار بخالق مدبر، فطر السماوات والأرض وفق هذا الناموس الذي يسمح بنزول المطر، بهذا القدر، الذي توجد به الحياة، على النحو الذي وجدت به، فما يمكن أن يقع هذا كله مصادفة، وأن تتوافق المصادفات بهذا الترتيب الدقيق، وبهذا التقدير المضبوط. المنظور فيه إلى حاجة الأحياء وبخاصة الإنسان. هذا التخصيص الذي يعبر عنه القرآن الكريم بقوله: (وأنزل لكم...) والقرآن يوجه القلوب والأبصار إلى الآثار المحيية لهذا الماء المنزل للناس وفق حاجة حياتهم، منظورا فيه إلى وجودهم وحاجاتهم وضروراتهم. يوجه القلوب والأبصار إلى تلك الآثار الحية القائمة حيالهم وهم عنها غافلون: (فأنبتنا به حدائق ذات بهجة).. حدائق بهيجة ناضرة حية جميلة مفرحة.. ومنظر الحدائق يبعث في القلب البهجة والنشاط والحيوية. وتأمل هذه البهجة والجمال الناضر الحي الذي يبعثها كفيل بإحياء القلوب. وتدبر آثار الإبداع في الحدائق كفيل بتمجيد الصانع الذي أبدع هذا الجمال العجيب. وإن تلوين زهرة واحدة وتنسيقها ليعجز عنه أعظم رجال الفنون من البشر. وان تموج الألوان وتداخل الخطوط وتنظيم الوريقات في الزهرة الواحدة ليبدو معجزة تتقاصر دونها عبقرية الفن في القديم والحديث. فضلا على معجزة الحياة النامية في الشجر -وهي السر الأكبر الذي يعجز عن فهمه البشر -: (ما كان لكم أن تنبتوا شجرها) وسر الحياة كان وما يزال مستغلقا على الناس. سواء أكان في النبات أم في الحيوان أم في الأنسان. فما يملك أحد حتى اللحظة أن يقول: كيف جاءت هذه الحياة، ولا كيف تلبست بتلك الخلائق من نبات أو حيوان أو إنسان. ولا بد من الرجوع فيها إلى مصدر وراء هذا الكون المنظور. وعندما يصل في هذه الوقفة أمام الحياة النامية في الحدائق البهيجة إلى إثارة التطلع والانتباه وتحريك التأمل والتفكير، يهجم عليهم بسؤال: (أإله مع الله؟).. ولا مجال لمثل هذا الادعاء؛ ولا مفر من الإقرار والإذعان.. وعندئذ يبدو موقف القوم عجيبا، وهم يسوون آلهتهم المدعاة بالله، فيعبدونها عبادة الله: (بل هم قوم يعدلون)...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
وذكر إنزال الماء لأنه من جملة ما خلقه الله، ولقطع شبهة أن يقولوا: إن المنبت للشجر الذي فيه رزقنا هو الماء، اغتراراً بالسبب فبودروا بالتذكير بأن الله خلق الأسباب وهو خالق المسببات بإزالة الموانع والعوارض العارضة لتأثير الأسباب وبتوفير القوى الحاصلة في الأسباب، وتقدير المقادير المناسبة للانتفاع بالأسباب، فقد ينزل الماء بإفراط فيجرف الزرع والشجر أو يقتلهما، ولذلك جمع بين قوله {وأنزل} وقوله {فأنبتنا} تنبيهاً على إزالة الشبهة. ونون الجمع في {أنبتنا} التفات من الغيبة إلى الحضور. ومن لطائفه هنا التنصيص على أن المقصود إسناد الإنبات إليه لئلا ينصرف ضمير الغائب إلى الماء لأن التذكير بالمنبت الحقيقي الذي خلق الأسباب أليق بمقام التوبيخ على عدم رعايتهم نعمه...
ومعنى {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} ليس في ملككم أن تنبتوا شجر تلك الحدائق، فاللام في {لكم} للملك و {أن تنبتوا} اسم {كان} و {لكم} خبرها. وقدم الخبر على الاسم للاهتمام بنفي ملك ذلك. وجملة {أإله مع الله} استئناف هو كالنتيجة للجملة قبلها لأن إثبات الخلق والرزق والإنعام لله تعالى بدليل لا يسعهم إلا الإقرار به ينتج أنه لا إله معه. والاستفهام إنكاري. و {بل} للإضراب عن الاستفهام الإنكاري تفيد معنى (لكن) باعتبار ما تضمنه الإنكار من انتفاء أن يكون مع الله إله فكان حق الناس أن لا يشركوا معه في الإلهية غيره فجيء بالاستدراك لأن المخاطبين بقوله {وأنزل لكم} وقوله {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} لم ينتفعوا بالدليل مع أنه دليل ظاهر مكشوف، فهم مكابرون في إعراضهم عن الاهتداء بهذا الدليل...
فإن قلت: نحن نعتبر الآن الحدائق الجميلة من باب الكماليات، وليس بها مقومات حياتنا. نقول: نعم هي كذلك الآن، لكن في الماضي كانوا يسمون كل أرض زراعية محوطة بسور: حديقة، أو حائط. وقال {ذات بهجة} مع أنك لو نظرت إلى القمح مثلا وهو عصب القوت لوجدته أقل جمالا من الورد والياسمين والفل مثلا، وكأن ربك- عز وجل- يقول لك: لقد تكفلت بالكماليات وبالجماليات، فمن باب أولى أوفر لك الضروريات. والحق- تبارك وتعالى- يريد أن يرتقي بذوق عباده وبمشاعرهم، واقرأ مثلا قوله تعالى: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه.. 99} (الأنعام) يعني: قبل أن تأكل من هذه الثمار تأمل في جمالها ومنظرها البديع، وكأنها دعوة للرقي بالذوق العام والتأمل في بديع صنع الله. ألا ترى أن الله تعالى أباح لك النظر إلى كل الثمار لتشاهد جمالها، ولم يبح لك الأكل إلا مما تملك؟ لذلك قال: {انظروا إلى ثمره... 99} (الأنعام) فإن لم تكونوا تملكونه، فكفاكم التمتع بالنظر إليه.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
أفرأيتم هذا الماء الذي يهطل من السماء، هل فكرتم في حقيقته وما هي عناصره ومكوّناته؟ وما هي الأسباب والقوانين التي حركته من مواقعه وأنزلته إلى الأرض في مواسم معينة، فتفاعل مع ترابها وبذورها، فأعطاها الحيوية والنموّ والحياة، حيث تحوّلت إلى حدائق وبساتين تبهج النفس وتسحر النظر؟ وهل كنتم تستطيعون أن تقوموا بذلك بجهدكم الخاص بعيداً عما هي القوانين الطبيعية التي أودعها الله في الأشياء؟ وهل يمكنكم أن تنبتوا شجرها؟ وماذا تملكون من قدرات ذاتية في ذلك كله؟ هل هناك إلا الله وحده الذي أبدع ذلك كله كما أبدع كل شيءٍ في الوجود؟ {أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ} ليكون شريكاً له في الألوهية وفي العبادة؟ وكيف يكون ذلك، فيمن لا يملك من مواقع القدرة وعناصر القوّة، في أيّ شيء، إلا ما أقدره الله عليه؟ وهل هو افتراض معقول؟
ولما كان مع هذا البيان من الأمر الواضح أن التقدير زيادة في توبيخ المشركين وتقرير المنكرين : من فعل هذه الأفعال البالغة في الحكمة المتناهية في العلم أم من سميتموه إلهاً ، ولا اثر له أصلاً ، عاد له بقوله : { أمَّن } وكان الأصل : أم هو ، ولكنه عبر باسم موصول أصل وضعه لذي العلم ، ووصله بما لا يصح أن يكون لغيره ليكون كالدعوى المقرونة بالدليل فقال : { خلق السماوات والأرض } تنبيهاً بالقدرة على بدء الخلق على القدرة على إعادته ، بل من باب الأولى ، دلالة على الإيمان بالآخرة تخلقاً بأخلاق المؤمنين الذين مضى أول السورة أن هذا القرآن المبين بشرى لهم .
ولما كان الإنبات . من أدل الآيات ، على إحياء الأموات ، قال : { وأنزل } وزاد في تقريعهم وتبكيتهم وتوبيخهم بقوله : { لكم } أي لأجلكم خاصة وأنتم تكفرون به وتنسبون ما تفرد به من ذلك لغيره : { من السماء ماء } هو للارض كالماء الدافق للأرحام كالماء الذي ينزل آخر الدهور على القبور . في وجوده وقدرته واختياره لفعل المتباينات في الطعم واللون والريح والطبع والشكل بماء واحد في أرض واحدة واختصاصه بفعل ذلك من غير مشاركة شيء له شيء منه أصلاً ، وهو آيته العظمى على أمر البعث ، عدل إلى التكلم وعلى وجه العظمة فقال : { فأنبتنا } أي بما لنا من العظمة { به حدائق } أي بساتين محدقة - أي محيطة - بها أشجارها وجدرانها ، والظاهر أن المراد كل ما كان هكذا ، فإنه في قوة أن يدار عليه الجدار وإن لم يكن له جدار ، وعن الفراء أن البستان إن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة .
ولما كان الأولى بجمع الكثرة لما لا يعقل الوصف بالمفرد قال مفيداً أنها كالشيء الواحد في ذلك الوصف : { ذات بهجة } أي بهاء وحسن ورونق ، وبشر بها وسرور على تقارب أصولها مع اختلاف أنواعها ، وتباين طعومها وأشكالها ، ومقاديرها وألوانها .
ولما أثبت الإنبات له ، نفاه عن غيره على وجه التأكيد تنبيهاً على تأكد اختصاصه بفعله ، وعلى أنه إن أسند إلى غيره فهو مجاز عن التسبب وأن الحقيقة ليست إلا له فقال : { ما كان } أي ما صح وما تصور بوجه من الوجوه { لكم } وأنتم أحياء فضلاً عن شركائكم الذين هم أموات بل موات { أن تنبتوا شجرها } أي شجر تلك الحدائق .
ولما ثبت أنه المتفرد بالألوهية ، حسن موقع الإنكار والتقرير في قوله : { أإله } أي كائن { مع الله } أي الملك الأعلى الذي لا مثل له .
ولما كان الجواب عند كل عاقل : لا وعزته ! قال معرضاً عنهم للإيذان بالغضب : { بل هم } أي في دعائهم معه سبحانه شريكاً { قوم يعدلون* } أي عن الحق الذي لا مرية فيه إلى غيره ، مع العلم بالحق ، فيعدلون بالله غيره .