{ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم( 228 ) }
المطلقات : المراد بهن في الآية المدخول بهن من الحرائر ذوات الحيض أما غير المدخول بهن فلا عدة عليهن .
التربص : التأني والتريث والانتظار .
القروء : واحدها قرء( بضم القاف وفتحها ) يطلق تارة على حيض المرأة وأخرى على طهرها ، ومن ثم قال الحنيفة والحنابلة المراد به الحيض ، وقال المالكية والشافعية المراد به الطهر .
ما خلق الله في أرحامهن : يشمل الحمل والحيض والطهر .
البعولة : جمع البعل وهو الزوج ، والبعولة أيضا مصدر البعل والمباعلة والبعال : الجماع .
على المطلقات أن تمكث إحداهن بعد الطلاق زوجها ثلاث حيضات بدون نكاح ، ثم لها أن تتزوج بعد إن شاءت ، ولا يحل للمطلقة أن تكتم ما في رحمها أو دم الحيض ، فالإيمان بالله وباليوم الآخر يدفعها إلى قول الصدق .
وأزواجهن لهم الحق في مراجعة الزوجات المطلقات في مدة العدة إذا كان الطلاق رجعيا فلا يصح أن تمتنع الزوجات عن الرجوع إليهم ، وعلى الأزواج عند استعمال هذا الحق أن يقصدوا الإصلاح لا المضرة .
وللزوجات من الحقوق مثل ما عليهن من الواجبات بما لا ينكره الشرع الشريف ، وللرجال على النساء درجة الرعاية والنفقة والعدالة .
والله سبحانه فوق عباده يشرع لهم ما يتفق مع الحكمة .
{ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء . . . }
وضع الإسلام أسس السعادة الزوجية فأمر بحسن اختيار الزوجة ثم وضع حقوق الرجل والمرأة في نطاق الأشرة فصل نظام الطلاق عند الحاجة إليه ، وأبدع في بيان هذا النظم . ومن ذلك بيان نظام العدة والرجعة والنفقة . ومن أروع البيان ما ورد في هذه الآية قوله سبحانه : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء }
وذلك لأن المرأة المطلقة كثيرا ما تشعر بعد طلاقها بأنها في حاجة إلى أن تثبت أن إخفاقها في حياتها الزوجية السابقة ليس لنقص فيها أو لعجز عن إنشاء حياة زوجية أخرى ، وهذا الشعور قد يدفعها إلى التسرع والاندفاع من أجل إنشاء هذه الحياة ، وهنا تبرز طريقة القرآن الحكيمة في معالجة النفوس ، إنه يقول للمطلقة : إن التطلع إلى إنشاء حياة زوجية أخرى ليس عيبا ، ولكن الكرامة توجب عليها الانتظار والتريث ، إذ لا يليق بالمرأة الكريمة أن تنتقل بين الأزواج تنقلا سريعا وأيضا فإن نداء الفطرة وتعاليم الشريعة توجبان عليها الانتظار مدة ثلاثة قروء لكي تستبرئ رحمها حتى إذا كان حمل نسب إلى الأب الشرعي له .
وفي قوله { يتربصن بأنفسهن } . إشعار بأن هذا التربص يجب أن يكون من ذات أنفسهن وليس من عامل خارجي فشأن الحرة الكريمة المؤمنة أن تحجز نفسها بنفسها عن كل ما يتنافى مع الكرامة والشرف ، فقد تجوع الحرة ولكنها لا تأكل بثديها كما يقال في المثل .
وقد أشار الزمخشري إلى هذا المعنى بقوله :
" فإن قلت وما معنى ذكر الأنفس هنا ؟ قلت في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث ، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن ، وذلك أن أنفس النساء طوامح من الرجال . فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ، ويجبرونها على التربص " ( 228 ) .
وقد أوجبت الآية أن تنتظر المطلقة مدة ثلاثة قروء قبل الزواج من رجل آخر .
والقروء جمع قرء بضم القاف وفتحها ويطلق على الطهر وعلى الحيض . ولذلك اختلف الفقهاء في المراد من القروء المعتبرة . العدة فالأحناف والحنابلة ومن قبلهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وغيرهم يرون أن المراد بالقروء هنا الحيضات والمعنى عندهم : أن المطلقات عليهن أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن مدة ثلاث حيضات بدون زواج ثم بعد ذلك لهن أن يتزوجن إن شئن .
ومن أدلتهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فسر القرء بمعنى الحيض ، فقد جاء الحديث الذي رواه أبو داود عن فاطمة بنت أبي جحش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها : " دعي الصلاة أيام أقرئك " ( 229 ) .
ولا شك أن المراد بالقرء في هذا الحديث الحيض ، لأنه هو الذي لا تصح معه الصلاة .
أما المالكية والشافعية ومن قبلهم عائشة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ، والزهري وغيرهم فيرون أن المراد من بالقروء هنا الأطهار أي الأوقات التي تكون بين الحيضتين للنساء .
ومعنى الآية عندهم : أن المطلقات أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن ثلاثة أطهار( 230 ) بدون زواج ثم بعد ذلك يزوجن إن شئن ومن أدلتهم : أن الله تعالى يقول : { فطلقوهن لعدتهن }( الطلاق : 1 )
وقد بينت السنة النبوية أن الطلاق لا يكون في الحيض . فلا يتصور أن يكون الطلاق في العدة إلا إذا فسرنا القرء بالطهر لا بالحيض . وروى عن عائشة أنها قالت : هل تدرون الأقراء ؟ الأقراء الأطهار( 231 ) .
والمسألة كما ترى محتملة للمعنيين .
قال السيد رشيد رضا في تفسير المنار قال الأستاذ الإمام محمد عبده : " والخطب في الخلاف سهل لأن المقصود من هذا التربص العلم ببراءة الرحم من الزواج السابق ، وهو يحصل بثلاث حيض كما يحصل بثلاثة أطهار ، ومن النادر أن يستمر الحيض إلى آخر الحمل فكل من القولين موافق لحكمة الشرع في المسألة( 232 ) .
{ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر }
قيل : المراد بما خلق الله في أرحامهن الحيض ، وقيل الحمل وقيل هما معا . وهذا دليل على أن المرأة مؤتمنة على ما في رحمها ، يقبل قولها فيه لأنه لا يعلم إلا من قبلها وإنما حرم الله أن يكتمن ما في أرحامهن لأنه يتعلق بذلك حق الرجعة للرجل وعدم اختلاط الأنساب . وإذا لم تحافظ المرأة على ذلك فربما حرمت الرجل من حقه في المراجعة إذا ادعت انقضاء العدة .
وربما ادعت انقضاء العدة وهي مشغولة الرحم بالحمل من المطلق ثم تزوجت فأدى ذلك إلى اختلاط الأنساب .
ولذلك لمست الآية قلوب المطلقات بذكر الله الذي يخلق ما في أرحامهن . واستجاشت كذلك شعور الإيمان بالله واليوم الآخر ، فشرط هذا الإيمان ألا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ، وذكر اليوم الآخر بصفة خاصة له وزنة هنا ، فهناك الجزاء " هناك العوض عما قد يفوت بالتربص ، وهناك العقاب لو كتمن ما خلق الله في أرحامهن ، وهو يعلمه لأنه هو الذي خلقه ولا يخفى عليه شيء منه ، فلا يجوز كتمانه عليه سبحانه تحت تأثير أي رغبة أو هوى أو غرض من شتى الأغراض التي تعرض لنفوسهن " ( 233 ) .
" والآية تدل على من ائتمن على شيء فلا يحل له أن يخون وهذا هو مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر " ( 234 ) .
{ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا }
والمعنى : وأزواج المطلقات طلاقا رجعيا أحق بردهن ومراجعتهن " في ذلك " أي في وقت التربص قبل انقضاء العدة : إن أرادوا إصلاحا . أي إن أرادوا بهذه المراجعة الإصلاح لا الإضرار .
" وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت مدخولا بها تطليقة أو تطليقتين ، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة ، فإن لم يراجعها المطلق حتى انقضت عدتها أحق بنفسها وتصير أجنبية منه ولا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولي وإشهاد ليس على سنة المراجعة وهذا إجماع من العلماء .
قال المهلب : وكل من راجع في العدة فإنه لا يلومه شيء من أحام النكاح غير الإشهاد على المراجعة فقط وهذا إجماع من العلماء( 235 )لقوله تعالى : ( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ) .
ومن هذا التسريع الإلهي العدل نتبين حكمة الإسلام من وراء مشروعية العدة فهي فترة معقولة يراجع فيها الزوج نفسه ، ويتبين حقيقة عواطفه ولعله خلال هذه الفترة أن في قلبه رمقا من مودة أو بقية من عاطفة ، ولعل الحنين أن يعاود الزوجين إلى استئناف الحياة الزوجية فرارا من الطلاق وهو أبغض الحلال عند الله ( 236 ) .
{ ولهن مثل الذين عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة }
أي وللنساء من الحقوق مثل الذي عليهن من الواجبات نحو الرجال ، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه وذلك بالمعروف .
" والمراد بالماثلة في الوجوب لا في جنس الفعل ، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال " .
أي أن الحقوق والواجبات بينهما متبادلة ، وأنهما متماثلان في أن كل واحد منهما عليه أن يؤدي نحو صاحبه ما يحب عليه بالمعروف أي بما عرفته الطباع السليمة ولا تنكره ، ووافق ما أوجبه الله على كل منهما في شريعته . " كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع : فاتقوا الله في نسائكم ، فإنكم أخذتموهن بالأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربهن ضربا غير مبرح ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ( 237 ) .
وفي حديث معاوية بن حيدة القشيري أنه قال : يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا ؟ قال : " تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت " ( 238 ) .
وعن ابن عباس قال : إني لأحب أن أتزين للمرأة ، كما أحب أن تتزين لي المرأة لأن الله يقول : { ولهن مثل الذين عليهن بالمعروف } . رواه ابن جرير والطبري وابن أبى حاتم وإسناده صحيح( 239 ) .
وعن ابن عباس أيضا : أي لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن( 240 ) .
وقال الطبري : لهن على أزواجهن ترك مضارتهن كما كان ذلك عليهن لأزواجهن .
وقال ابن زيد : تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله عز وجل فيكم . والمعنى متقارب والآية تعم جميع ذلك من حقوق الزوجية( 241 ) .
{ وللرجال عليهن درجة } والدرجة في الأصل ما يرتقي عليه من سلم ونحوه ، والمراد به هنا المزية والزيادة أي : لهن عليهم مثل الذي لهم عليهن . وللرجال على النساء مزية وزيادة في الحق بسبب حمايتهم لهن ، وقيامهم بشئونهن ونفقتهن وغير ذلك من واجبات .
قال الأستاذ محمد أبو زهرة : وإذا كانت الأسرة لا تتكون إلا من ازدواج هذين العنصرين الرجل والمرأة فلا بد أن يشرف على تهذيب الأسرة ويقوم على تربية ناشئها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العنصرين . وقد نظر الإسلام إلى هذا الأمر نظرة عادلة ، فوجد أن الرجل أملك لزمام نفسه وأقدر على ضبط حسه ، ووجده هو الذي أقام البيت بماله وأن انهياره خراب عليه ، فجعل له الرياسة ولذا قال سبحانه : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم }( النساء : 134 ) .
هذه هي الدرجة التي جعلها الإيلام للرجل ، وهي درجة تجعل له حقوقا وتجعل عليه واجبات أكثر فهي موائمة كل الموائمة لصدر الآية فإذا كان للرجل فضل درجة ، فعليه فضل واجب( 242 ) .
{ والله عزيز } : أي منيع السلطان لا معترض عليه .
{ حكيم } : في أمره وشرعه وسائر ما يكلف به عباده ، فعلى الرجل والمرأة أن يطلبا عزهما فيما شرعه الله فهو الملجأ والمعاد لكل ذي حق مهضوم وعليهما كذلك أن يتمسكا بما كلفهما به لأنه ما كلفهما إلا بما تقتضيه الحكمة ويؤيده العقل السليم .
في تفسير : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف }
" قول ابن عباس : " إني لأتزين لامرأتي " قال العلماء : أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم فإنهم يعملون ذلك على اللباقة والوفاء ، فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت ، وزينة تليق بالشباب وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب ، ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حف شاربه ليق به ذلك وزانه ، والشباب إذ فعل ذلك سمج ومقت لأن اللحية لم توفر بعد ، فإذا حف شاربه في أول ما خرج وجهه سمج ، وإذا وفرت لحيته وحف شاربه زانه ذلك . روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أمرني ربي أن أعفي لحيتي وأحفي شاربي( 243 ) . وكذلك في شأن الكسوة ففي هذا كله ابتغاء الحقوق ، فإنما يعمل اللائق والموافق ليكون عند امرأته في زينة تسرها ويعفها من غيره من الرجال ، وكذلك الكحل ، من الرجال من يليق به ومنهم من لا يليق به فأما الطيب والسواك والخلال( 244 ) والرمي بالدرن( 245 ) وفضول الشعر والتطهير وقص الأظفار فهو بين موافق للجميع ، والخضاب للشيوخ والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة ، وهو حلي الرجال .
ثم عليه أن يتوخى أوقات حاجتها إلى الرجل فيعفها ويغنيها عن التطلع إلى غيره ، وإن رأي الرجل من نفسه عجزا عن إقامة حقها من مضجعها أخد من الأدوية التي تزيد في بهائه وتقوي شهوته حتى يعفها( 246 ) .
2- من تفسير المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة :
" شرعت العدة استبراء للرحم أولا ، وذلك الاستبراء للرحم من الحمل لا يكون مؤكدا إلا بعد ثلاث حيضات ، والحامل لا تحيض عادة وإن حاضت فإن ذلك يكون مرة أو اثنتين على الأكثر إذ أن الجنين يكون قد نما بعد هذه المدة إلى درجة يملأ تجويف الرحم فيمنع نزول دم الحيض ، ذلك تقدير لله في خلقه ، وما كان معلوما عند العرب ، وما كان للنبي الأمي أن يعلمه ولكن الله أنزل عليه القرآن فعلمه وعلم أمته ، وشرعت العدة ثانيا ليكون عند المطلق فرصة المراجعة لزوجته إذ قد يكون طلق امرأته التي دخل بها تحت تأثير نوبة غضب جامحة فإذا ثاب إليه رشده ندم على ما فعل فحينئذ يجد رحمة الله واسعة وشرعه حكيما ، قد أعطاه الحق في أن يقول " راجعتك " فتعود إليه زوجته ولكن تحتسب عليه الطلقة من ثلاث طلقات( 247 ) . "
قوله تعالى : { والمطلقات } . أي المخليات من حبال أزواجهن .
قوله تعالى : { يتربصن } . ينتظرن .
قوله تعالى : { بأنفسهن ثلاثة قروء } . فلا يتزوجن ، والقروء : جمع قرء ، مثل قرع ، وجمعه القليل أقرؤ ، والجمع الكثير أقراء ، واختلف أهل العلم في القرء فذهب جماعة إلى أنها الحيض ، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد ، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة " دعي الصلاة أيام أقرائك " وإنما تدع الصلاة أيام حيضها . وذهب جماعة إلى أنها الأطهار ، وهو قول زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعائشة ، وهو قول الفقهاء السبعة والزهري وبه قال ربيعة ومالك والشافعي ، واحتجوا بأن ابن عمر رضي الله عنه لما طلق امرأته وهي حائض قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : " مره فليراجعها حتى تطهر ، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس ، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء " . فأخبر أن زمان العدة هو الطهر ، ومن جهة اللغة .
ففي كل عام أنت جاشم غزوة *** تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة مالاً وفي الحي رفعةً *** لما ضاع فيها من قروء نسائكا
وأراد به أنه كان يخرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فتضيع أقراؤهن ، وإنما تضيع بالسفر زمان الطهر لا زمان الحيض ، وفائدة الخلاف تظهر في أن المعتدة إذا شرعت في الحيضة الثالثة تنقضي عدتها على قول من يجعلها أطهاراً وتحسب بقية الطهر الذي وقع فيه الطلاق قرءاً .
قالت عائشة رضي الله عنها : إذا طعنت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه ، وبرئ منها . ومن ذهب إلى أن الأقراء هي الحيض يقول : لا تنقصني عدتها ما لم تطهر من الحيضة الثالثة ، وهذا الخلاف من حيث أن اسم القرء يقع على الطهر والحيض جميعاً ، يقال أقرأت المرأة : إذا حاضت وأقرأت : إذا طهرت ، فهي مقرئ ، واختلفوا في أصله فقال أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة : هو الوقت لمجيء الشيء وذهابه ، يقال : رجع فلان لقرئه ولقارئه ، أي لوقته الذي يرجع فيه وهذا قارئ الرياح ، أي وقت هبوبها .
كرهت العقر عقر بني شليل *** إذا هبت لقارئها الرياح
أي لوقتها ، والقرء يصلح للوجهين ، لأن الحيض يأتي لوقت ، والطهر مثله ، وقيل : هو من القرء وهو الحبس والجمع ، تقول العرب : ما قرأت الناقة سلأً قط ، أي لم تضم رحمها على ولد ، ومنه قريت الماء في المقرأة ، وهي الحوض : أي جمعته ، بترك همزها ، فالقرء هاهنا احتباس الدم واجتماعه ، فعلى هذا يكون الترجيح فيه للطهر ؛ لأنه يحبس الدم ويجمعه ، والحيض يرخيه ويرسله ، وجملة الحكم في العدد : أن المرأة إذا كانت حاملاً فعدتها بوضع الحمل ، سواء وقعت الفرقة بينها وبين الزوج بالطلاق أو بالموت لقوله تعالى ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) فإن لم تكن حاملاً نظر : إن وقعت الفرقة بينهما بموت الزوج فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر ، سواء مات الزوج قبل الدخول أو بعده ، وسواء كانت المرأة ممن تحيض ، أو لا تحيض لقول الله : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) وإن وقعت الفرقة بينهما بالطلاق في الحياة نظر فإن كان قبل الدخول بها ، فلا عدة عليها ، لقول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) . وإن كان بعد الدخول نظر : إن كانت المرأة ممن لم تحض قط أو بلغت في الكبر سن الآيسات فعدتها ثلاثة أشهر ، لقول الله تعالى : ( واللاتي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن ) . وإن كانت ممن تحيض فعدتها ثلاثة أقرؤ لقوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) وقوله " يتربصن بأنفسهن " لفظه خبر ، ومعناه أمر ، وعدة الأمة إن كانت حاملاً بوضع الحمل كالحرة ، وإن كانت حائلاً ففي الوفاة عدتها شهران وخمس ليال ، وفي الطلاق ، إن كانت ممن تحيض فعدتها قرءان ، وإن كانت ممن لا تحيض فشهر ونصف : وقيل شهران كالقرءين في حق من تحيض .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ينكح العبد امرأتين ، ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين ، فإن لم تكن تحيض فشهرين أو شهراً ونصفاً .
قوله تعالى : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } . قال عكرمة : يعني الحيض وهو أن يريد الرجل مراجعتها فتقول : قد حضت الثلاثة وقال ابن عباس وقتادة : يعني الحمل ، ومعنى الآية : لا يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في رحمها من الحيض ، والحمل لتبطل حق الزوج من الرجعة والولد .
قوله تعالى : { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } . معناه أن هذا من فعل المؤمنات وإن كانت المؤمنة والكافرة في هذا الحكم سواء ، كما تقول : أدّ حقي إن كنت مؤمناً ، يعني أداء الحقوق من فعل المؤمنين .
قوله تعالى : { وبعولتهن } . يعني أزواجهن جمع بعل ، كالفحولة جمع فحل ، سمي الزوج بعلاً لقيامه بأمور زوجته وأصل البعل السيد والمالك .
قوله تعالى : { أحق بردهن } . أولى برجعتهن إليهم .
قوله تعالى : { في ذلك } . أي في حال العدة .
قوله تعالى : { إن أرادوا إصلاحا } . أي إن أرادوا بالرجعة الصلاح وحسن العشرة لا الإضرار ، كما كانوا يفعلونه في الجاهلية كان الرجل يطلق امرأته فإذا قرب انقضاء عدتها راجعها ، ثم تركها مدة ، ثم طلقها ، ثم إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم بعد مدة طلقها يقصد بذلك تطويل العدة عليها .
قوله تعالى : { ولهن } . أي للنساء على الأزواج مثل الذي عليهن للأزواج بالمعروف . قال ابن عباس في معناه : إني أحب أن أتزين لامرأتي كما تحب امرأتي أن تتزين لي لأن الله تعالى قال : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المروزي ، أخبرنا أبو سهل محمد بن عمر ابن طرفة الشجري ، أنا أبو سليمان الخطابي ، أخبرنا أبو بكر بن داسه ، أنا أبو داود السجستاني ، أنا موسى بن إسماعيل ، أنا حماد أنا أبو قزعة سويد ابن حجر الباهلي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال : " قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال : أن تطعمها إذا طعمت ، وأن تكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ، ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت " .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ، أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أنا محمد بن الحجاج ، أنا أبو بكر بن أبي شيبة ، أنا حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه قال : دخلنا على جابر بن عبد الله فقلت : أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فسرد قصة حجة الوداع إلى أن ذكر خطبته يوم عرفة قال : " فاتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن ، وكسوتهن بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده ، كتاب الله ، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت ، وأديت ونصحت ، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس : اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات " .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أحمد بن الحسن الحيري ، أنا حاجب ابن أحمد الطوسي ، أنا محمد بن يحيى ، أنا يعلى بن عبيد ، أنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ، وخياركم خياركم لنسائكم " .
قوله تعالى : { وللرجال عليهن درجة } . قال ابن عباس : بما ساق إليها من المهر وأنفق عليها من المال ، وقال قتادة : بالجهاد ، وقيل بالعقل ، وقيل بالشهادة ، وقيل بالميراث ، وقيل بالدية وقيل بالطلاق ، لأن الطلاق بيد الرجال ، وقيل بالرجعة ، وقال سفيان و زيد بن أسلم : بالإمارة وقال القتيبي : ( وللرجال عليهن درجة ) معناه فضيلة في الحق .
قوله تعالى : { والله عزيز حكيم } . أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار ، أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى بن البرني ، أنا حذيفة أنا سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل خرج في غزاة بعثه النبي صلى الله عليه وسلم فيها ثم رجع ، فرأى رجالاً يسجد بعضهم لبعض ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " .