تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} (50)

نعم الله على بني إسرائيل

{ وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا ءال فرعون وأنتم تنظرون ( 50 ) وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون( 51 ) ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون( 52 ) وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون( 53 ) }

50

المفردات :

الفرق : الفصل بين الشيئين .

البحر : هو بحر القلزم ( البحر الأحمر ) فرقه الله اثني عشر فرقة بعدد أسباط بني إسرائيل .

السبط : ولد الولد وهو من بني إسرائيل مثل القبائل لدى العرب .

التفسير :

{ وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } .

واذكروا من نعمتنا عليكم نعمة فرق البحر بكم وانفصاله بعد اتصاله حين ضرب موسى بعصاه فجعلنا لكم فيه طرقا متعددة فولجتموها وسرتم فيها هربا من فرعون وجنده ، وبذلك تمت لكم النجاة وحصل الغرق لأعدائكم وقت أن عبروا وراءكم وقد شاهدتموهم والبحر يلفهم بأمواجه مشاهدة لا لبس فيها ولا غموض . ولقد كان فيما رأيتم ما يدعو إلى الاتعاظ ويحمل على الشكر وعرفان الفضل لله العلي الكبير .

وأسند سبحانه فرق البحر إلى ذاته الكريمة ليدل على أن القوم عبروه وقطعوه بعنايته سبحانه . وقوله تعالى : { فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون } . بيان للمنة العظمى التي امتن بها عليهم والتي ترتبت على فرق البحر ، لأن فرق البحر لهم ترتب عليه أمران :

أولهما : نجاتهم .

ثانيهما : إهلاك عدوهم ، وكلاهما نعمة عظيمة .

وزعم بعض الناس أن عبور إسرائيل البحر كان وقت الجزر ، وفي بحر القلزم ( البحر الأحمر ) رقارق يتيسر للإنسان أن يعبر بها البحر إذا كان الجزر شديدا ، ولما أتبعهم فرعون وجنوده ورآهم عبروا البحر مشى في إثرهم وكان المد قد بدأ ولم يتم خروج بني إسرائيل إلا وقد علا المد وطغى حتى أغرق فرعون وجميع من معه ، وتحققت نعمة الله على بني إسرائيل ، وتم لهم التوفيق ولعدوهم الخذلان .

والأمر كما ترى معجزة إلهية ، ومنة من الله على بني إسرائيل بالعديد من النعم ، ويبعد أن يكون حادثة طبيعية منشؤها المد والجزر ، وخاصة أن الآيات تفيد غرق فرعون وجميع من معه ، ولو كان حادثة طبيعية لفر من الغرق كثير من أتباع فرعون قبل تمام المد لأن مد البحر وجزره يتم تدريجيا .

وقال تعالى : { فأغرقناه ومن معه جميعا } . ( الإسراء103 )

وقال سبحانه : { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم } ( الذاريات 208 )

وقد صرحت آيات أخرى بأن فرق البحر كان بسبب ضرب موسى له بالعصا .

قال تعالى : { فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون( 61 ) قال كلا إن معي ربي سيهدين( 62 ) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ( 63 ) وأزلفنا ثم الآخرين( 64 ) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ( 65 ) ثم أغرقنا الآخرين } . ( الشعراء 61-66 )

وقد ألحق المفسرون كثيرا من الإسرائيليات بتفسير هذه الآية ، والقرآن الكريم غني عن هذه الإسرائيليات التي لا تنهض على دليل من العقل أو سند من النقل .

والإسرائيليات عموما تنقسم إلى ثلاثة أقسام :

الأول : ما كان موافقا لما في القرآن والسنة الصحيحة فنقبله .

الثاني : ما كان مخالفا لما جاء في القرآن والسنة الصحيحة فنرفضه .

الثالث : ما جاء بأمر جديد ليس معنا دليل على صدقه أو كذبه فنتوقف في قبوله .

وقد فسر القرطبي هذه الآية ثم كتب عدة ملحقات بها منها ما يأتي :

القول في اختلاف العلماء في كيفية إنجاء بني إسرائيل :

( فذكر الطبري أن موسى عليه السلام أوحى إليه أن يسرى من مصر ببني إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي والمتاع من القبط ، وأحل الله ذلك لبني إسرائيل فسرى بهم موسى من أول الليل فعلم فرعون فقال لا يتبعهم أحد حتى يصيح الديكة فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك ، وأمات الله تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط فاشتغلوا في الدفن وخرجوا في الإتباع مشرقين كما قال الله تعالى : فأتبعوهم مشرقين . ( الشعراء 60 ) .

وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه ، وكانت عدة بني إسرائيل نيفا على ستمائة ألف وكانت عدة فرعون ألف ألف ومائتي ألف ، وقيل إن فرعون اتبعه ألف ألف حصان سوى الإناث ، وقيل دخل إسرائيل ، وهو يعقوب عليه السلام مصر في ستة وسبعين نفسا من ولده إلى ولد ولده ، فأنمى الله عددهم وبارك في ذريته حتى خرجوا إلى البحر يوم فرعون وهم ستمائة ألف من المقاتلة سوى الشيخ والذرية والنساء ، وذكر أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قال : حدثنا شبابة بن سوار عن يونس بن أبي إسحاق عن عمروا بن ميمون عن عبد الله بن مسعود أن موسى عليه السلام حينما أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون فأمر بشاة فذبحت ، ثم قال : لا والله لا يفرغ من سلخها حتى تجتمع علي ستمائة ألف من القبط . قال : فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر فقال له : أفرق . فقال له البحر : لقد استكبرت ياموسى . . وهل فرقت لأحد من ولد آدم فأفرق لك . . فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر . فضربه موسى بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم . ( الشعراء 63 ) . فكان فيه اثنا عشر فرقا لاثنى عشر سبطا لكل سبط طريق .

فلما خرج أصحاب موسى وقام أصحاب فرعون التطم البحر عليهم فأغرقهم ، ويذكر أن البحر هو بحر القلزم .

وأن الله تعالى أوحى إلى البحر أن انفرق لموسى إذا ضربك فبات البحر تلك الليلة يضطرب فحين أصبح ضرب موسى البحر وكناه أبا خالد ( 139 ) ذكره ابن أبي شيبة ، أيضا ، وقد أكثر المفسرون من القصص في هذا المعنى وما ذكرناه كاف ( 140 ) .

( فصل ) ذكر الله تعالى الإنجاء والإغراق ، ولم يذكر اليوم الذي كان فيه فروى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ماهذا اليوم الذي تصومونه ) فقالوا : هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى ، وأغرق فرعون وقومه ، فصامه موسى شكرا ، فنحن نصومه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فنحن أحق وأولى بموسى منكم ) . فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر بصيامه . وأخرجه البخاري أيضا عن ابن عباس ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : ( أنتم أحق بموسى منهم فصوموا )( 141 ) .

( فضيلة ) روى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ) . أخرجه مسلم والترمذي ، وقال : لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال ( صيام يوم عاشوراء كفارة سنة ) إلا في حديت أبى قتادة ( 142 ) .

وقوله تعالى : وأنتم تنظرون جملة في موضع الحال ومعناه بإبصاركم فيقال إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم يغرقون وإلى أنفسهم ينجون ففي هذا أعظم المنة .

قال الفخر الرازي :

اعلم أن واقعة فلق البحر تضمنت نعما كثيرة على بني إسرائيل في الدين والدنيا ، أما نعم الدنيا فمن وجوه :

أولها : أنهم لما اقتربوا من البحر أصبحوا في موقف حرج لأن فرعون وجنوده من ورائهم والبحر من أمامهم ، فإن هم توقفوا أدركهم عدوهم وأهلكهم وإن هم تقدموا أغرقوا فحصل لهم خوف عظيم جاءهم بعده الفرج بانفلاق البحر وهلاك عدوهم .

ثانيها : أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة تكريما ورعاية لهم .

ثالثها : أنهم بإغراق فرعون وآله تخلصوا من العذاب وتم لهم الأمن والاطمئنان وذلك نعمة عظمى لأنهم لو نجوا دون هلاك فرعون لبقي خوفهم على حاله ، فقد يعود لتعذيبهم مستقبلا لأنهم لا يأمنون شره ، فلما تم الغرق تم الأمان والاطمئنان لبني إسرائيل .

وأما نعم الدين فمن وجوه :

أولها : أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات لأن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى تقترب من العلم الضروري .

ثانيها : أنهم لما شاهدوا ذلك صار داعيا لهم على الثبات والانقياد لأوامر نبيهم .

ثالثها : أنهم عرفوا أن الأمور كلها بيد الله ، فإنه لا عز في الدنيا أكمل ممن كان لفرعون ، ولا ذل أشد مما كان لنبي إسرائيل ، ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا ، والذليل عزيزا والقوي ضعيفا والضعيف قويا ، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا ، ولإقبال كلية على اتباع أوامر الخالق عز وجل .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} (50)

قوله تعالى : { وإذ فرقنا بكم البحر } . قيل : معناه فرقنا لكم وقيل : فرقنا البحر بدخولكم إياه ، وسمي البحر بحراً لاتساعه ، ومنه قيل للفرس : بحر إذا اتسع في جريه ، وذلك أنه لما دنا هلاك فرعون أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يسري ببني إسرائيل من مصر ليلاً فأمر موسى قومه أن يسرجوا في بيوتهم إلى الصبح ، وأخرج الله تعالى كل ولد زنا في القبط من بني إسرائيل إليهم ، وكل ولد زنا في بني إسرائيل من القبط إلى القبط حتى رجع كل إلى أبيه ، وألقى الله الموت على القبط فمات كل بكر لهم فاشتغلوا بدفنهم حتى أصبحوا حتى طلعت الشمس ، وخرج موسى عليه السلام في ستمائة ألف وعشرين مقاتل ، لا يعدون ابن العشرين لصغره ، ولا ابن الستين لكبره ، وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب اثنين وسبعين إنساناً ما بين رجل وامرأة . وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : كان أصحاب موسى ستمائة ألف وسبعين ألفاً .

وعن عمرو بن ميمون قال : كانوا ستمائة ألف فلما أرادوا السير ضرب عليهم التيه فلم يدروا أين يذهبون فدعا موسى مشيخة بني إسرائيل وسألهم عن ذلك فقالوا : إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ على إخوته عهداً أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم فلذلك انسد علينا الطريق ، فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموا فقام موسى ينادي : أنشد الله كل من يعلم أين موضع قبر يوسف عليه السلام إلا أخبرني به ومن لم يعلم به فصمت أذناه عن قولي ، وكان يمر بين الرجلين ينادي فلا يسمعان صوته حتى سمعته عجوز لهم فقالت : أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كل ما سألتك . فأبى عليها وقال : حتى أسأل ربي فأمره الله تعالى بإيتائها سؤلها . فقالت : إني عجوز كبيرة لا أستطيع المشي فاحملني وأخرجني من مصر ، هذا في الدنيا وأما في الآخرة فأسألك أن لا تنزل غرفة من الجنة إلا نزلتها معك قال : نعم قالت : إنه في جوف الماء في النيل ، فادع الله حتى يحسر عنه الماء ، فدعا الله تعالى فحسر عنه الماء ، ودعا أن يؤخر طلوع الفجر إلى أن يفرغ من أمر يوسف عليه السلام ، فحفر موسى عليه السلام ذلك الموضع واستخرجه في صندوق من مرمر ، وحمله حتى دفنه بالشام ، ففتح لهم الطريق فساروا وموسى عليه السلام على ساقتهم وهارون على مقدمتهم ، وندر بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم أن لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح الديك ، فوالله ما صاح ديك تلك الليلة ، فخرج فرعون في طلب بني إسرائيل وعلى مقدمة عسكره هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف .

وقال محمد بن كعب رضي الله عنه : كان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم سوى سائر الشيات ، وكان فرعون يكون في الدهم وقيل : كان فرعون في سبعة آلاف ألف ، وكان بين يديه مائة ألف ناشب ، ومائة ألف أصحاب حراب ، ومائة ألف أصحاب الأعمدة ، فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر أو الماء ، في غاية الزيادة ونظروا فإذا هم بفرعون حين أشرقت الشمس فبقوا متحيرين فقالوا : يا موسى كيف نصنع ؟ وأين ما وعدتنا ؟ هذا فرعون خلفنا ، إن أدركنا قتلنا ، والبحر أمامنا ، إن دخلناه غرقنا . قال الله تعالى : ( فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون . قال كلا إن معي ربي سيهدين ) . فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه ، فأوحى الله إليه أن كنه فضربه وقال : انفلق يا أبا خالد بإذن الله تعالى ، فانفلق ، فكان كل فرق كالطود العظيم ، وظهر فيه اثنا عشر طريقاً لكل سبط طريق ، وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبساً فخاضت بنو إسرائيل البحر ، كل سبط في طريق ، وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضاً ، فخافوا وقال كل سبط : قد قتل إخواننا فأوحى الله تعالى إلى جبال الماء : أن تشبكي ، فصار الماء شبكات كالطبقات يرى بعضهم بعضاً ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين فذلك قوله تعالى( وإذ فرقنا بكم البحر ) .

قوله تعالى : { فأنجيناكم } . من آل فرعون والغرق .

قوله تعالى : { وأغرقنا آل فرعون } . وذلك أن فرعون لما وصل إلى البحر فرآه منغلقاً قال لقومه : انظروا إلى البحر انفلق من هيبتي حتى أدرك عبيدي الذين أبقوا مني ادخلوا البحر ، فهاب قومه أن يدخلوه وقيل : قالوا له إن كنت رباً فادخل البحر كما دخل موسى ، وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون أنثى فجاء جبريل على فرس أنثى وديق فتقدمهم وخاض البحر فلما شم أدهم فرعون ريحها اقتحم البحر في أثرها وهم لا يرونه ولم يملك فرعون من أمره شيئاً وهو لا يرى فرس جبريل واقتحمت الخيول خلفه في البحر ، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يسوقهم حتى لا يشذ رجل منهم ويقول لهم : الحقوا بأصحابكم حتى خاضوا كلهم البحر ، وخرج جبريل من البحر ، وخرج ميكائيل من البحر وهم أولهم بالخروج فأمر الله تعالى البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم وغرقهم أجمعين . وكان بين طرفي البحر أربعة فراسخ وهو على طرف بحر من بحر فارس ، قال قتادة : بحر من وراء مصر يقال له إساف ، وذلك بمرأى من بني إسرائيل فذلك قوله تعالى : { وأنتم تنظرون } . إلى مصارعهم وقيل : إلى هلاكهم .