{ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون ( 61 ) } .
قال الحسن : أنزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم ، وضع الله عنه الجهاد ، وكان أعمى .
نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو ، خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غازيا وخلف مالك بن زيد مع أهله ، فلما رجع وجده مجهودا ، فسأل عن حاله فقال : تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وهناك روايات أخرى في أسباب النزول تجدها في كتب التفسير ، وهي ما يعبر عنه بالسبب المباشر ، بيد أن ذلك لا يمنع أن تكون هناك أسباب عامة نزلت من أجلها الآية .
الأول : هذا الانقلاب الهائل الذي حدث في عقلية العرب بتعاليم القرآن الخلقية ، وجعل حسهم مرهفا في التمييز بين الحلال والحرام ، والجائز وغير الجائز ، حتى أنه لما نزل قوله تعالى : وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ . . . ( البقرة : 188 ) . قال المسلمون : إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ، والطعام من أفضل الأموال ، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد ؛ فكف الناس عن ذلك ؛ فأنزل الله عز وجل : ليس على الأعمى حرج . . . إلى : أو ما ملكتم مفاتحه248 .
الثاني : اشتملت الآية على جزءين .
( أ ) رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض ، وغيرهم من المعذورين في التخلف عن الجهاد ، أو في الأكل من بيوت غيرهم .
( ب ) رفع الحرج عن سائر الناس في أكلهم من بيوت أقربائهم المذكورين في الآية .
61 - لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ . . . الآية .
الحرج : الضيق ، ومنه : الحرجة ، للشجر الملتف بعضه ببعض لضيق المسالك فيه ، والمراد بالحرج هنا : الإثم .
ما ملكتم مفاتحه : المفاتح : جمع مفتح أو مفتاح ، وملك المفتاح كناية عن كون الشيء تحت يد الشخص وتصرفه ، كأن يكون وكيلا عن رب المال ، أو أمينا وحافظا .
الصديق : من يصدق في مودتك وتصدق في مودته ، يطلق على الواحد والجمع ، كالخليط والعدو ، والمراد بالصديق هنا : الجمع .
أشتاتا : متفرقين ، واحدهم شتيت .
على أنفسكم : أي : على أهل البيوت .
تحية : أصل معنى التحية : طلب الحياة ، كأن يقول : حياك الله ، ثم توسع فيه فاستعمل في كل دعاء ، وتحية الإسلام : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أي : ليس على هؤلاء الثلاثة إثم في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم . ونحو الآية قوله تعالى : لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ . . . ( التوبة : 91 ) .
وقوله عز شأنه : لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ . . . ( النساء : 95 ) .
وعن ابن عباس : أن المراد من الحرج المنفي في الآية : الحرج في الأكل ، ذلك أنه لما نزل قوله تعالى : وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ . . . ( البقرة : 188 ) ، تحرج المسلمون من مؤاكلة الأعمى لأنه لا يبصر موضع الطعام الطيب ، والأعرج لأنه لا يستطيع المزاحمة على الطعام ، والمريض لأنه لا يستطيع استيفاء الطعام ؛ فأنزل الله هذه الآية ، والمعنى على هذه الرواية : ليس في مؤاكلة الأعمى ولا ما بعده حرج .
وقيل : كانوا يخرجون إلى الغزو ، ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ، ويدفعون إليهم المفاتيح ، ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم فكانوا يتحرجون ، فقيل : ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تحرجوا عنه ، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت .
هذا بعض ما ذكر المفسرون ، ولا يخفى صدق الآية على جميع ذلك ونفي الحرج عنه كله .
وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ . . .
إنما ذكر هذا وهو معلوم ليعطف عليه غيره في اللفظ ، وليساوى به ما بعده في الحكم ، وتضمن هذا بيوت الأبناء لأنه لم ينص عليهم ، وقد استدل بهذا من ذهب إلى أن مال الولد بمنزلة مال أبيه ، وقد جاء في المسند والسنن من غير وجه ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( أنت ومالك لأبيك )249 .
وقال الترمذي الحكيم : ووجه قوله تعالى : وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ . . . كأنه يقول : مساكنكم التي فيها أهاليكم وأولادكم ، فيكون للأهل والولد هناك شيء قد أفادهم هذا الرجل الذي له المسكن ، فليس عليه حرج أن يأكل معهم من ذلك القوت ، أو يكون للزوجة والولد هناك شيء من ملكهم فليس عليه ي ذلك حرج250 .
أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ . . .
لما علم بالعادة أن هؤلاء تطيب نفوسهم بأكل من يدخل عليهم من الأقارب . وقد يستدل به من يوجب نفقة الأقارب بعضهم على بعض ، كما هو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل في المشهور عنهما .
ولأن الآية آية تشريع ، فإنا نلحظ فيها دقة الأداء اللفظي ، والترتيب الموضوعي ، والصياغة التي لا تدع مجالا للشك والغموض ، كما نلمح فيها ترتيب القرابات ، فهي تبدأ ببيوت الأبناء والأزواج ولا تذكرهم ، بل تقول الآية : من بيوتكم ، فيدخل فيها بيت الابن وبيت الزوج ، فبيت الابن بيت لأبيه ، وبيت الزوج بيت لزوجته ، وتليها بيوت الآباء ، فبيوت الأمهات ، فبيوت الإخوة ، فبيوت الأخوات ، فبيوت الأعمام ، فبيوت العمات ، فبيوت الأخوال ، فبيوت الخالات251 .
أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ . . .
عنى بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته ، فلا حرج عليه أن يأكل من ثمر الضيعة ، ويشرب من لبن الماشية ، ولكن لا يحمل ولا يدخر ، قال سعيد بن جبير ، والسدي : هو خادم الرجل من عبد وقهرمان ، فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف .
وقال الزهري : عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : كان المسلمون يذهبون مع النفير مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم ، ويقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما احتجتم إليه ، فكانوا يقولون : إنه لا يحل لنا أن نأكل ، إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم ، وإنما نحن أمناء : فأنزل الله : أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ . . .
أي : بيوت أصدقائكم وأصحابكم ، فلا جناح عليكم في الأكل منها إذا علمتم أن ذلك لا يشق عليهم ولا يكرهونه .
قال قتادة : إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه .
وقال جماعة من المفسرين : إنما كان ذلك في صدر الإسلام ، ثم نسخ ، واستقرت الشريعة على أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا برضاه .
هذا شيء قد انقطع ، إنما كان في أوله ولم يكن لهم ستور أبواب ، أو كانت الستور مرخاة . فربما دخل الرجل البيت وليس فيه أحد ، وربما وجد الطعام وهو جائع ، فسوغ له أن يأكل منه ، ثم قال : ذهب ذلك اليوم . البيوت فيها أهلها ، فإذا خرجوا أغلقوها252 .
والصحيح الذي عليه المعول في دفع التعارض بين النصوص : أن إباحة الأكل من هذه البيوت مقيدة ومشروطة بما إذا علم الآكل رضا صاحب المال ، بإذن صريح أو قرينة ، فإذا دل ظاهر الحال على رضا المالك ؛ قام ذلك مقام الإذن الصريح253 .
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا . . .
أي : لا حرج عليكم أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين ، فقد كان من عادات بعضهم في الجاهلية ألا يأكل طعاما على انفراد ، فإن لم يجد من يؤاكله عاف الطعام .
قيل : إنها نزلت في بني ليث بن بكر ، وهم حي من كنانة ، كان الرجل منهم لا يأكل وحده ، ويمكث أياما جائعا حتى يجد من يؤاكله ، ومنه قول بعض الشعراء :
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له *** أكيلا فإني لست آكله وحدي
قال ابن عطية : وكانت هذه السيرة موروثة عندهم عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم فإنه كان لا يأكل وحده254 .
وروى أن قوما من الأنصار كانوا إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم255 ولو ترتب على ذلك لحوق الضرر بهم وتعطيل مصالحهم ، فنزلت الآية الكريمة لنفي الجناح عن الناس في أكلهم مجتمعين أو متفرقين ، وتوسيع الأمر عليهم في ذلك ، وبيان أن أمر الطعام ليس من العظم بحيث يحتاط فيه إلى هذا الحد ، وتراعى فيه الاعتبارات الدقيقة المعنتة256 .
فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ . . .
أي : فإذا دخلتم بيتا من هذه البيوت فليسلم بعضكم على بعض . وفي الآية تعبير لطيف عن قوة الرابطة بين المذكورين ، فالذي يسلم منهم على قريبه أو صديقه يسلم على نفسه .
تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً . . .
أي : حيوا تحية ثابتة بأمره تعالى ، مشروعة من لدنه ، يرجى بها زيادة الخير والثواب ، ويطيب بها قلب المستمع .
أخرج البخاري وغيره ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم ، تحية من عند الله مباركة طيبة )257 .
وأخرج الحافظ البزار ، عن أنس بن مالك قال : أوصاني النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخمس خصال قال : ( يا أنس ، أسبغ الوضوء يزد في عمرك ، وسلم على من لقيت من أمتي تكثر حسناتك ، وإذا دخلت – يعني : بيتك – فسلم على أهلك يكثر خير بيتك ، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك ، يا أنس ، ارحم الصغير ، ووقر الكبير تكن من رفقائي يوم القيامة )258 .
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون .
بين الله لكم معالم دينكم ، كما فصل لكم في هذه السورة الكريمة من الأحكام المحكمة ، والشرائع المتقنة المبرمة ؛ لكي تفقهوا أمره ونهيه وأدبه ، وتأخذوا بأسباب السيادة ، وتدركوا ما في المنهج الإلهي من حكمة وتقدير .
قوله تعالى : { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } الآية ، اختلف العلماء في هذه الآية ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : لما أنزل الله عز وجل قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } تحرج المسلمون من مؤاكلة المرضى والزمنى والعمي وقالوا : الطعام أفضل الأموال ، وقد نهانا الله عن أكل المال بالباطل . والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب ، والأعرج لا يتمكن من الجلوس ، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام ، والمريض يضعف عن التناول فلا يستوفي الطعام ، فأنزل الله هذه الآية . وعلى هذا التأويل يكون على بمعنى في أي : ليس في الأعمى ، يعني : ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض . وقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما : كان العرجان والعميان والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء ، لأن الناس يتقذرون منهم ويكرهون مؤاكلتهم ، ويقول الأعمى : ربما آكل أكثر ، ويقول الأعرج : ربما أخذ مكان الاثنين ، فنزلت هذه الآية . وقال مجاهد : نزلت الآية ترخيصاً لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية ، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب الطعام فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله في هذه الآية ، فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك الطعام ويقولون ذهب بنا إلى بيت غيره ، فأنزل الله هذه الآية . وقال سعيد بن المسيب : كان المسلمون إذا غزوا خلفوا زمناهم ويدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا ، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون لا ندخلها وهم غيب ، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم . قال الحسن : نزلت هذه الآية رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد . قال : تم الكلام عند قوله : ( ولا على المريض حرج ) وقوله تعالى : { ولا على أنفسكم } كلام منقطع عما قبله . وقيل : لما نزل قوله : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } قالوا : لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد ، فأنزل الله عز وجل { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } أي : لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم . قيل : أراد من أموال عيالكم وأزواجكم ، وبيت المرأة كبيت الزوج ، وقال ابن قتيبة : أراد من بيوت أولادكم ، نسب الأولاد إلى الآباء ، كما جاء في الحديث : " أنت ومالك لأبيك " { أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه } قال ابن عباس رضي الله عنهما : عنى بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته ، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ، ويشرب من لبن ماشيته ، ولا يحمل ولا يدخر . وقال الضحاك : يعني في بيوت عبيدكم ومماليككم ، وذلك أن السيد يملك منزل عبده والمفاتيح الخزائن ، لقوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب } ويجوز أن يكون الذي يفتح به . قال عكرمة : إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن ، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير . وقال السدي : الرجل يولي طعامه غيره يقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه وقال قوم : أو ما ملكتم مفاتحه ما خزنتموه عندكم قال مجاهد وقتادة : من بيوت أنفسكم مما أحرزتم وملكتم { أو صديقكم } الصديق الذي صدقك في المودة . قال ابن عباس : نزلت في الحارث بن عمرو رضي الله عنه ، خرج غازياً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف مالك بن زيد على أهله ، فلما رجع وجده مجهوداً فسأله عن حاله ، فقال : تحرجت أن آكل طعامك بغير إذنك فأنزل الله هذه الآية . وكان الحسن وقتادة يريان دخول الرجل بيت صديقه والتحرج بطعامه من غير استئذان منه في الأكل بهذه الآية . والمعنى : { ليس عليكم جناح أن تأكلوا } من منازل هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا ، من غير أن تتزودوا وتحملوا . قوله : { ليس عليكم جناح أن تأكلوا } { جميعاً أو أشتاتاً } نزلت في بني ليث بن بكر بن عمرو ، وهم حي من بني كنانة . كان الرجل منهم لا يأكل وحده حتى يجد ضعيفاً يأكل معه ، فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح ، وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه ، فإذا أمسى ولم يجد أحداً أكل ، هذا قول قتادة والضحاك وابن جريج . وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما : كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه ، فيقول : والله إني لأجنح ، أي : أتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت فقير ، فنزلت هذه الآية . وقال عكرمة وأبو صالح : نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم ، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا ، جميعاً أو أشتاتاً متفرقين . { فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم } أي : يسلم بعضكم على بعض ، هذا في دخول الرجل ببيت نفسه يسلم على أهله ومن في بيته ، وهو قول جابر وطاووس والزهري وقتادة والضحاك وعمرو بن دينار . وقال قتادة : إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك فهو أحق من سلمت عليه ، وإذا دخلت بيتاً لا أحد فيه فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . حدثنا أن الملائكة ترد عليه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن لم يكن في البيت أحد فليقل : السلام علينا من ربنا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، السلام على أهل البيت ورحمة الله . وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : { فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم } قال : إذا دخلت المسجد فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . { تحيةً من عند الله } نصب على المصدر ، أي : تحيون أنفسكم تحية ، { مباركة طيبةً } قال ابن عباس رضي الله عنهما : حسنة جميلة . وقيل : ذكر البركة والطيبة ها هنا لما فيه من الثواب والأجر . { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون* }