تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (94)

{ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ 94 وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ 95 }

المفردات :

من الممترين : من الشاكين .

التفسير :

94 { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ . . . } الآية .

قص الله في الآيات السابقة قصص بعض المرسلين مع أممهم ، وفي كل قصة كان النصر للمؤمنين والهلاك للجاحدين ؛ تلك سنة الله فيما سبق ، وستظل كذلك إلى يوم الدين ، ولا سبيل إلى الشك في ذلك . وفي هذه الآيات ساق الله هذا المعنى بطريق التلطف في الأسلوب ، فساق الكلام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد : قومه ، فجاء على نحو قولهم : »إياك أعني واسمعي يا جارة« .

وقد جاء مثل هذا في قوله تعالى : { لئن أشركت ليحبطن عملك . . } . ( الزمر : 65 ) . وقوله تعالى : { يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين . . } ( الأحزاب : 1 ) .

{ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ . . }

المعنى : فإن كنت أيها الرسول الكريم على سبيل الفرض والتقدير في شك مما أنزلنا إليك ، من قصص المرسلين ، كقصة نوح وموسى وغيرهما ؛ فاسأل الذين يقرءون كتب الأنبياء ، كاليهود والنصارى ؛ فإنهم يعلمون أن ما أنزلنا إليك حق لا يستطيعون إنكاره .

وقد جرت عادة العرب أن يقدروا الشك في الشيء ؛ ليبنوا عليه ما ينفي احتمال وقوعه ؛ فيقول أحدهم لابنه : إن كنت ابني ؛ فكن شجاعا .

وجاء من هذا قول المسيح عليه السلام في إجابة الله تعالى يوم القيامة ما ورد في أواخر سورة المائدة : { إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته } . ( المائدة : 116 ) .

فهو عليه السلام يعلم أنه لم يقله ، وإنما يفرض قوله فرضا ؛ ليستدل عليه ، بأنه لو قاله لعلمه الله تعالى منه ، أي : إن كنت قلته على سبيل الفرض والتقدير ؛ فقولي هذا لا يخفى عليك .

ومن هذا قول بعض العلماء في محاورة تلاميذه : إذ كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة إلى متساويين . أي : إن كون الخمسة زوجا يستلزم ذلك ، وهذا لا يدل على أن الخمسة زوج ، وهكذا ما في الآية .

فهو يدل على أنه لو حصل الشك ؛ لكان الواجب هو فعل كذا وكذا ، وليس فيها دليل على وقوعه .

قال ابن كثير : قال قتادة بن دعامة : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا أشك ولا أسأل ) .

وقيل : خوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد : أمته ، ومعناه : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليكم . xxxiv

{ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } .

والمعنى : أقسم ؛ لقد جاءك الحق الذي لا لبس فيه من ربك لا من غيره ؛ فلا تكونن من الشاكين المترددين ؛ بل كن من ذوي الإيمان الثابت بهذا الحق المبين .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (94)

ولما كان ما مضى - من آيات هذه السورة المبينة أن من أريدت شقاوته لا ينفعه{[38582]} مشاهدة الآيات - سبباً{[38583]} لنفي الشك عنها وإثبات اليقين بمضامينها بما سلف من الأدلة على تلك المضامين إلى أن ختم ذلك بذم من عمل عمل الشاك بعد أن جاء ما يوجب اليقين من العلم ، وكان صلى الله عليه وسلم كما مضى في آخر التي قبلها أشفق الخلق لا سيما على العرب{[38584]} لا سيما على قومه منهم ، وكانت الوصية قد برزت من الجناب الإلهي له بما يوافق طبعه من بذل الجهد في ملاطفتهم ، كان ذلك جديراً بأن يحرك طبع البشر لتمني الإجابة لما{[38585]} يقترحون ، وكان طلب ذلك بعد الفطام عنه من أفعال الشك في الجملة فأريد صرف النفس عنه{[38586]} بالكلية ولو بالخطور في البال فقيل مسبباً عما قبله : { فإن كنت } أي يا أرحم الخلق { في شك } ولم يرد بهذا الكلام حقيقته - والله أعلم - بل تقوية اليقين وتأكيده ورسوخه وتأييده بأن هذا أمر قد عزم عليه وفرغ منه فلا يحتمل مراجعة ، وذلك لأن المعنى أن ثباتهم على الشقاوة أمر لا يعلم إلاّ من قبلنا ، وذلك بأحد أمرين : إما بواسطة الأمين جبرئيل بما يأتي به من{[38587]} الوحي عنا غضاً طرياً محفوظاً من الغير فلا {[38588]}تحريف فيه{[38589]} ولا تبديل ، وإما بواسطة أهل الكتاب عن أنبيائهم{[38590]} - وفي ذلك نزول درجتين مع تجويز التخويف والتبديل ، وهذا ما لا يرضاه ذو همة علية ونفس أبية - فالمعنى : أنا قد أخبرتك بأن الآيات لا تزيد المقضي بشقائه إلاّ ضلالاً وأنا خبير بذلك { ولا ينبئك مثل خبير } فلا تطلب إجابتي إياهم إلى ما يقترحون عليك{[38591]} رجاء إيمانهم فإنهم لا يؤمنون بذلك { فإن كنت } أي في{[38592]} وقت{[38593]} من الأوقات { في شك } أي ولو قل { ممآ أنزلنآ } أي بعظمتنا واصلاً على لسان الواسطة { إليك } في ذلك { فسئل } أي بسبب ذلك الشك { الذين يقرءون } أي متتابعين{[38594]} لذلك { الكتاب } أي السماوي من اليهود والنصارى ، فإنهم من الإحاطة بصحة ما أنزلنا{[38595]} إليك على حد عظيم . ومن آمن منهم أو كان منصفاً جديرا{[38596]} بأن يزداد من فاوضه في ذلك إيماناً ؛ ولما كانوا بعض من أوتي الكتاب في الزمن السالف ، أثبت الجار فقال : { من قبلك } وهم عن{[38597]} ذلك الخبر بمراحل ، فلا تجنح{[38598]} إلى سؤال غيري ، وهذا مضمون قوله تعالى مؤكداً آتياً بحرف التوقع لأن كلاًّ من الأمرين في أحق مواضعه : { لقد جآءك الحق } أي الثابت الكامل ثباته وهو إمضاء العدل فيهم{[38599]} ؛ وزاده تشريفاً وترغيباً فيه بقوله : { من ربك } أي المحسن إليك باصطفائك لذلك ، فلذا سيق مساق البيان له من غير واو ، فإذا ثبت أنه الحق{[38600]} أي الثابت أعلى الثبات تسبب عنه البعد من تزلزل من جاءه ، فناسب اتباعه بقوله : { فلا تكونن } أكده لأنه حقيق بأن لا ينثني عنه أحد بوجه من الوجوه { من الممترين } أي الغافلين عن آيات الله فتطلب الفضل لأهل العدل{[38601]} ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا والله ! ما شك طرفة عين ولا سأل أحداً منهم .


[38582]:في ظ: لا تنفعه.
[38583]:سقط من ظ.
[38584]:في ظ: الرب.
[38585]:في ظ: بما.
[38586]:سقط من ظ.
[38587]:زيد من ظ.
[38588]:من ظ، وفي الأصل: نحو توجيه ـ كذا.
[38589]:من ظ، وفي الأصل: نحو توجيه ـ كذا.
[38590]:من ظ، وفي الأصل: أنبايهم.
[38591]:في ظ: إليك.
[38592]:سقط من ظ.
[38593]:في ظ: وقتا.
[38594]:في ظ: موالين.
[38595]:في ظ: أنزل.
[38596]:من ظ، وفي الأصل: جديرا.
[38597]:في ظ: على.
[38598]:من ظ، وفي الأصل: فلا يحتج.
[38599]:زيد من ظ.
[38600]:سقط من ظ.
[38601]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (94)

قوله تعالى : { فإن كنت في شك مما أنزل إليك فسئل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين 94 ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين 95 إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون 96 ولو جاءهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم } يخاطب الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم مبينا له : أنك إن كنت في شك مما أخبرناك وأنزلنا إليك من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في صدق رسالتك وحقيقة نبوتك قبل أن تبعث إلى الناس ، وأن خبرك مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل ، فاسأل المؤمنين من أهل العلم فيهم كعبد الله بن سلام وأمثاله دون الكاذبين الجاحدين الذين كذبوا نبوتك .

علة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشك ولم تخالطه ذرة من ارتياب فيما جاءه من ربه عن بني إسرائيل ؛ فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( لا أشك ولا أسأل ) .

قوله : { لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } أي لقد جاءك الخير اليقين أنك مرسل من ربك ، وأن أهل الكتاب يعلمون صدق هذه الحقيقة في كتبهم : { فلا تكونن من الممترين } أي الشاكرين المرتابين ، من الامتراء وهو الشك وكذا المرية والتماري بمعنى الشك{[2030]} .


[2030]:مختار الصحاح ص 622 والمعجم الوسيط جـ 1 ص 866.