تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ} (71)

65

كبيركم : زعيمكم ومعلمكم .

من خلاف : من حال مختلفة ، فتقطع الأيدي اليمنى ، والأرجل اليسرى .

أشد عذابا : أدوم .

71-{ قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علّمكم السحر . . . }

كان فرعون قد ادعى الربوبية فقال : { أنا ربكم الأعلى } . ( النازعات : 24 ) . وادعى الألوهية وقال : { ما علمت لكم من إله غيري } . ( القصص : 38 ) . وفوجئ فرعون بإيمان السحرة ، وسجودهم لله رب العالمين ، وخشي أن يمتد الإيمان إلى سائر الشعب ؛ فادعى : أنها مؤامرة ، وادعى : أن موسى هو المعلم الذي تعلموا على يديه السحر ، وأنهم بيتوا هذا الأمر ؛ ليتظاهروا أمام الناس بأنهم غُلبوا ، وهدد السحرة بالغضب والانتقام ، والعذاب الأليم .

{ فلأقطّعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف } .

أي : قال آمنتم بموسى قبل أن أعطيكم الإذن بذلك ؛ فلأقطّعنّ أيديكم اليمنى وأرجلكم اليسرى { من خلاف } .

أي : لا يكون القطع لليد والرجل عن وفاق ؛ فيقطع اليد اليمنى والرجل اليمنى ؛ فيكون للإنسان نصف كامل ، بل يريد أن ينتشر النقص في الجسم كله .

{ ولأصلبنّكم في جذوع النخل } .

أي : لأصلبنكم على جذوع النخل من النخل من باب التشهير والتنكيل .

قال ابن عباس : فكان أول من عذب بهذا العذاب .

{ ولتعلمنّ أيّنا أشدّ عذابا وأبقى } .

أي : لتعلمن أيها السحرة أيّنا أشد تعذيبا لكم ، وأبقى في إنزال الهلاك بكم ؛ أنا أم موسى وربّه ؟

وكأنه بهذا التهديد يريد أن يهون من كل عذاب ؛ سوى عذابه لهم .

وفي سورة الأعراف يقول الله تعالى : { قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون . لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنّكم أجمعين } . ( الأعراف : 124 ، 123 ) .

لكن الإيمان كان قد خالط قلوب السحرة ، فاستهانوا بكل تهديد ووعيد ، واستعدوا لكل تضحية في سبيل الإيمان الجديد .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ} (71)

ولما كان موسى عليه السلام هو المقصود بالإرسال إلى فرعون ، استأنف تعالى الإخبار عن فرعون عندما فجئه ذلك فقال{[49509]} : { قال } أي فرعون للسحرة منكراً عليهم ، وأضمر اسمه هنا ولم يظهره كما في الأعراف لأن مقصود السورة الرفق بالمدعوين والحلم عنهم ، وهو غير متأهل لذكر اسمه في هذا المقام{[49510]} : { آمنتم } أي بالله { له } أي مصدقين {[49511]}أو متبعين{[49512]} لموسى { قبل أن ءاذن لكم } في ذلك ، إبهاماً بأنه سيأذن فيه{[49513]} ليقف الناس عن المبادرة إلى الاتباع بين خوف العقوبة ورجاء الإذن ؛ ثم استأنف قوله معللاً مخيلاً لأتباعه صداً لهم عن الاقتداء بهم : { إنه لكبيركم } أي في العلم { الذي علمكم السحر } فلم تتبعوه لظهور الحق ، بل لإرادتكم شيئاً من المكر وافقتموه عليه قبل حضوركم في هذا الموطن ، وهذا على عادته في تخييل أتباعه فيما يوقفهم عن اتباع الحق .

ولما خيلهم ، شرع يزيدهم حيرة بتهديد{[49514]} السحرة فقال : { فلأقطعن }{[49515]}أي سبب ما فعلتم{[49516]} { أيديكم } على سبيل التوزيع { وأرجلكم } أي من كلٍّ يداً ورجلاً{[49517]} { من خلاف } فإذا قطعت اليد اليمنى قطعت الرجل اليسرى { ولأصلبنكم } وعبر عن الاستعلاء بالظرف إشارة إلى تمكينهم من المصلوب فيه تمكين المظروف في ظرفه فقال{[49518]} : { في جذوع النخل } تبشيعاً لقتلكم ردعاً لأمثالكم { ولتعلمن أينا } أنا أورب موسى الذي قال : إنه أوحى إليه أن العذاب على من كذب وتولى { أشد عذاباً وأبقى* } {[49519]}أي من جهة العذاب ، أي أينا عذابه أشد وأطول زماناً{[49520]} .


[49509]:زيد من مد.
[49510]:زيد من مد
[49511]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49512]:سقط ما بين الرقمين من ظ
[49513]:زيد من ظ ومد.
[49514]:من ظ ومد وفي الأصل: تهديد.
[49515]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49516]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49517]:من ظ ومد وفي الأصل: رجل.
[49518]:زيد من مد
[49519]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49520]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ} (71)

قوله : ( قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ) الاستفهام للإنكار التوبيخي ؛ أي كيف آمنتم له أو به- أي بموسى دون إذن مني لكم ( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) أي إن موسى لعظيمكم ورئيسكم في صناعة السحر ؛ فهو الذي علمكم ذلك . وفرعون موقن في قرارة نفسه انه مفتر وأنه ظالم ، وأنهم لم يتعلموا السحر من موسى وما كان موسى إلا صدوقا . وإنما يبتغي فرعون بذلك توهيم الناس والتلبيس عليهم ليرتابوا فيما جاءهم به موسى فلا يؤمنوا به ولا يصدقوه . ثم شرع بعد ذلك في التوعد والتهديد بإنزال العقاب الأليم بهم وهو التقطيع من خلاف والتصليب على جذوع النخل . وهو قوله : ( فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ) والقطع من خلاف أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) أي يجعلهم مصلوبين على جذوع النخل بعد تقطيعهم من خلاف زيادة في تعذيبهم والتمثيل بهم حتى يموتوا ( ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ) أي لتعلمن هل أنا أشد عذابا لكم أم موسى . وذلك على سبيل التهكم والسخرية والاستعلاء . وأبقى ، يعني أدوم .

لقد فعل فرعون الأثيم فعلته البشعة النكراء ؛ إذ قتل هؤلاء المؤمنين وهم ألوف . قتلهم ظلما وعدوانا ؛ فواجهوا ربهم شهداء ، وأفضوا إلى الفوز بالخلود في الجنة .

وهكذا يفعل الطغاة المتجبرون والعتاة المتسلطون الذين يتحكمون في رقاب العباد ؛ إذ يعوزهم المنطق الظاهر والحجة السليمة ؛ فإنهم حينئذ لا يجدون غير البطش والتنكيل بخصومهم سبيلا{[2970]} .


[2970]:- تفسير الطبري 142 وفتح القدير جـ3 ص 376 وتفسير ابن كثير جـ3 ص 158.