حدائق : جمع حديقة ، وهي البستان عليه سور أو حائط ، من أحدق بالشيء : إذا أحاط به ، ثم توسع فيها فاستعملت في كل بستان وإن لم يكن محوطا بحائط .
ذات بهجة : البهجة : حسن المنظر .
يعدلون : يميلون ، يقال : عدل عنه ، أي : مال عنه .
60- { أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون } .
من الذي بدأ الخلق ورفع السماء وبسط الأرض ، وجعل الفضاء والهواء بين السماء والأرض ، وأنزل المطر من السماء لمصلحة الإنسان ، فأنبت بالماء الحدائق والبساتين التي تبهج الإنسان وتسعده ، وإن نظرة إلى ما حولنا ، من ارتفاع السماء ، واتساع الفضاء ، والأرض المبسوطة ، والفضاء والهواء والماء ، ونزول المطر وإنبات النبات وكل زهرة فيها لمسة الإبداع ، التي تعجز ريشة الفنان عن إبداعها ، فضلا عن سريان الماء في أوراق الأشجار وأغصانها ، وما كان للإنسان أن يسخر المطر أو ينبت النبات ، أو يبدع جريان الماء في داخل الشجر .
أي : أكل هذه النعم الجليلة ، والخلق البديع ، يخلقه خالق آخر مع الله ؟ أو يمكن أن يبدعه صنم أو وثن أو جن أو ملائكة ، حتى تعبدوا الصنم وغيره ، وتتركوا عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .
انتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب إلى تبكيتهم بطريق الغيبة ، أي : لا هم قوم يعدلون ، ينصرفون عن الحق وهو التوحيد إلى الباطل وهو عبادة الأصنام .
ولما كان مع هذا البيان من الأمر الواضح أن التقدير زيادة في توبيخ المشركين وتقرير المنكرين : من فعل هذه الأفعال البالغة في الحكمة المتناهية في العلم أم من سميتموه إلهاً ، ولا اثر له أصلاً ، عاد له بقوله : { أمَّن } وكان الأصل : أم هو ، ولكنه عبر باسم موصول أصل وضعه لذي العلم ، ووصله بما لا يصح أن يكون لغيره ليكون كالدعوى المقرونة بالدليل فقال : { خلق السماوات والأرض } تنبيهاً بالقدرة على بدء الخلق على القدرة على إعادته ، بل من باب الأولى ، دلالة على الإيمان بالآخرة تخلقاً بأخلاق المؤمنين الذين مضى أول السورة أن هذا القرآن المبين بشرى لهم .
ولما كان الإنبات . من أدل الآيات ، على إحياء الأموات ، قال : { وأنزل } وزاد في تقريعهم وتبكيتهم وتوبيخهم بقوله : { لكم } أي لأجلكم خاصة وأنتم تكفرون به وتنسبون ما تفرد به من ذلك لغيره : { من السماء ماء } هو للارض كالماء الدافق للأرحام كالماء الذي ينزل آخر الدهور على القبور . في وجوده وقدرته واختياره لفعل المتباينات في الطعم واللون والريح والطبع والشكل بماء واحد في أرض واحدة واختصاصه بفعل ذلك من غير مشاركة شيء له شيء منه أصلاً ، وهو آيته العظمى على أمر البعث ، عدل إلى التكلم وعلى وجه العظمة فقال : { فأنبتنا } أي بما لنا من العظمة { به حدائق } أي بساتين محدقة - أي محيطة - بها أشجارها وجدرانها ، والظاهر أن المراد كل ما كان هكذا ، فإنه في قوة أن يدار عليه الجدار وإن لم يكن له جدار ، وعن الفراء أن البستان إن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة .
ولما كان الأولى بجمع الكثرة لما لا يعقل الوصف بالمفرد قال مفيداً أنها كالشيء الواحد في ذلك الوصف : { ذات بهجة } أي بهاء وحسن ورونق ، وبشر بها وسرور على تقارب أصولها مع اختلاف أنواعها ، وتباين طعومها وأشكالها ، ومقاديرها وألوانها .
ولما أثبت الإنبات له ، نفاه عن غيره على وجه التأكيد تنبيهاً على تأكد اختصاصه بفعله ، وعلى أنه إن أسند إلى غيره فهو مجاز عن التسبب وأن الحقيقة ليست إلا له فقال : { ما كان } أي ما صح وما تصور بوجه من الوجوه { لكم } وأنتم أحياء فضلاً عن شركائكم الذين هم أموات بل موات { أن تنبتوا شجرها } أي شجر تلك الحدائق .
ولما ثبت أنه المتفرد بالألوهية ، حسن موقع الإنكار والتقرير في قوله : { أإله } أي كائن { مع الله } أي الملك الأعلى الذي لا مثل له .
ولما كان الجواب عند كل عاقل : لا وعزته ! قال معرضاً عنهم للإيذان بالغضب : { بل هم } أي في دعائهم معه سبحانه شريكاً { قوم يعدلون* } أي عن الحق الذي لا مرية فيه إلى غيره ، مع العلم بالحق ، فيعدلون بالله غيره .
قوله : { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } يعني أعبادة الأصنام والأوثان بمختلف أشكالها ومسمياتها خير أم عبادة الله خالق السماوات والأرض وما فيها من أصناف الخلائق والعجائب والأشياء { وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } من عجيب صنع الله وبالغ قدرته إنزال المطر من السماء لإحياء الأرض بعد موتها فتنبت به البساتين المخضرة ذات المنظر البهيج والجمال المثير الجذاب .
قوله : { مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا } أي ما يستطيع البشر إنبات الشجر من الأرض بعد مواتها وهمودها وإنما الله يصنع ذلك وهو القادر على إنزال الماء من السماء لإحياء الأرض بالنبات . ذلكم هو الله الخالق القادر الرازق المتفرد بالخلق دون سواه من الشركاء والأنداد المزعومة .
قوله : و { أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ } الاستفهام للإنكار والتوبيخ والتقريع . أي هل من إله يستحق العبادة مع الله الذي خلق الأرباب المصطنعة جميعا والذي ثبتت صفاته من الخلق والرزق والقدرة وغير ذلك من صفات الكمال .
قوله : { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } { بل } ، إضراب . فقد أضرب عن توبيخهم وتقريعهم ليبين سوء حالهم من الكفر والطغيان وهو أنهم { قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } أي يعدلون بالله غيره .
أو يعدلون عن الحق إلى الباطل ، وعن الهداية إلى الضلالة جائرين متعمدين{[3453]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.