تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ} (34)

المفردات :

لا تحصوها : لا تقدرون على حصرها وعدها ، والإحصاء في الأصل : العد بالحصى ، ثم أطلق على العد مطلقا .

ظلوم : ظالم شديد الظلم ، يقال : ظلم ، يظلم ، ظلما ، من باب ضرب فهو ظالم وظلوم . والظلم وضع الشيء في غير محله .

كفار : جاحد النعمة . يقال : كفر النعمة ، وكفر بالنعمة : جحدها .

التفسير :

{ وآتاكم من كل ما سألتموه . . . } .

وأعطاكم من كل ما سألتموه ، أي : أعطاكم بعضا من جميع ما سألتموه إياه من نعم ، أو أعطاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه ، فحذف الثاني ؛ لدلالة الأول عليه ، ونظيره : { سرابيل تقيكم الحر } . ( النحل : 81 ) ، أي : والبرد .

وقرئ بتنوين كل : والمعنى على هذه القراءة : أعطاكم الله من كل شيء ابتداء ؛ بدون منكم ، على أن ما نافية ، أي : أعطاكم من كل شيء ، حال كونكم غير سائليه .

{ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها . . } .

أنعم الله عليكم نعما جمة لا تعد ولا تحصى ؛ فهلا استعنتم بها على الطاعة ، وشكرتم الله عليها ، واستخدمتموها في طاعته وعبادته وعدم الإشراك به ، وفي صحيح البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : ( اللهم ، لك الحمد غير مكفيّ ولا مودّع ولا مستغني عنه ربنا ) ؛ فهو سبحانه لم يكفه غيره ، بل هو يكفي غيره .

ولا مودع : غير متروك حمده .

ولا مستغني عنه ربنا : فهو الذي يحتاج إليه الخلق .

قال الشوكاني في فتح القدير :

{ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها } . لا تطيقوا إحصاءها ، بوجه من الوجوه ، ولو رام فرد من أفراد العبادة ، أن يحصي ما أنعم الله به عليه ، في خلق عضو من أعضائه ، أو حاسة من حواسه ، لم يقدر على ذلك قط ، فكيف بما عدا ذلك من النعم ، في جميع ما خلقه الله في بدنه ، والنعم الواصلة إليه في كل وقت ، على تنوعها واختلاف أجناسها ، اللهم إنا نشكرك على كل نعمة أنعمت بها علينا ، مما لا يعلمه إلا أنت25 .

{ إن الإنسان لظلوم كفار } .

هناك وجهان في تفسير هذه الآية .

الوجه الأول : المراد بالإنسان : الكافر الذي عبد غير الله ، أي : أن الإنسان الكافر الذي عبد غير الله ، لظلوم لنفسه ؛ بإغفاله لشكر من أنعم عليه .

{ كفار } . شديد الكفر لله حيث عبد غيره ، وسجد للوثن والصنم ، مع أن المستحق بالعبادة هو الله تعالى .

والوجه الثاني : المراد من الإنسان : جنس الإنسان ، ومن الكفر : كفر النعمة ؛ بالتقصير في شكرها .

والمعنى : إن الإنسان لا يقدر نعم الله عليه ، وهي لا تحصى ، فتراه عظيم الظلم لنفسه ، شديد الكفران لنعم ربه ، فهو دائم الانتفاع بها ، والتقصير في أداء شكرها ، ووضعها في غير موضعها ، ولو أنصف نفسه ، وعرف حق ربه ، لاستدام شكره ، والوفاء بحقه جل وعلا26 .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ} (34)

ثم عم بعد{[45097]} أن خص فقال : { وآتاكم } .

ولما كان الكمال{[45098]} لا يكون إلا في الجنة قال : { من كل ما سألتموه } أي ما أنتم محتاجون{[45099]} إليه فأنتم سائلوه بالقوة ؛ ثم حقق وجه العظم بفرض ما يوجب العجز فقال : { وإن تعدوا } أيها الناس كلكم { نعمت الله } أي تروموا عد إنعام الملك الأعلى الذي له الكمال المطلق أو تأخذوا في عدّه ، وعبر عنه بالنعمة إرشاداً إلى الاستدلال بالأثر {[45100]} على المؤثر{[45101]} { لا تحصوها } أي لا تحيطوا بها{[45102]} ولا تعرفوا عد{[45103]} الحصى المقابلة لها إن عددتموها بها{[45104]} كما كانت عادة العرب ، أو لا تجدوا{[45105]} من الحصى ما يوفي{[45106]} بعددها ، هذا في النعمة الواحدة فكيف بما زاد ! فهذا شرح قوله أول السورة { الله{[45107]} الذي له ما في السماوات وما في الأرض } وقد ظهر به أنه{[45108]} لا يوجد شيء إلا وهو ملك الله فضلاً عن أن يوجد شيء{[45109]} يداينه فضلاً عن شيء يماثله ، فثبت{[45110]} أنه لا بيع ولا خلال يوم دينونة العباد ، وتقريب العجز عن العد للإفهام أن السلامة من كل داء ذكره الأطباء في كتبهم - على كثرتها وطولها - نعمة على العبد ، وذلك متعسر الحصر ، وكل ما ذكروه صريحاً في جنب ما دخل تحت كلياتهم تلويحاً - قليل ، فكيف{[45111]} بما لم يطلعهم الله عليه ولم يهدهم بوجه إليه ، هذا في الجسم ، وأما في العقل فالسلامة من{[45112]} كل عقد زائغ ، ودين باطل وضلال{[45113]} مائل ، وذلك لا يحصيه إلا خالق الفكر{[45114]} وفاطر الفطر سبحانه ، ما أعزه وأعظم شأنه ! .

ولما كان أكثر هذه السورة في بيان الكفرة{[45115]} ومآلهم ، وبيان أن أكثر الخلق هالك معرض عما يأتيه من نعمة الهداية على أيدي الرسل الدعاة إلى من له جميع النعم للحياة الطيبة بسعادة{[45116]} الدارين ، ختم الآية ببيان ما اقتضى ذلك من صفات الإنسان فقال : { إن الإنسان } أي هذا النوع لما له من الأنس بنفسه ، والنسيان لما ينفعه ويضره ، والاضطراب بسبب ما يغمه ويسره { لظلوم كفار } أي بليغ الظلم والكفر حيث يهمل الشكر ، ويتعداه إلى الكفر ، وختم مثل ذلك في سورة النحل ب { غفور رحيم{[45117]} } لأن تلك سورة النعم ، بدئت{[45118]} بالنهي عن استعجال{[45119]} العذاب ، لأن الرحمة أسبق ، ومن الرحمة إمهال الناس وإمتاعهم بالمنافع ، فالتقدير إذن هناك : { وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم{[45120]} كفار } ولكن ربه لا يعاجله بالعقوبة لأنه غفور رحيم ، وأما هذه السورة فبدئت بأن الناس في الظلمات .


[45097]:زيد من ظ و م ومد.
[45098]:في ظ: الجمال.
[45099]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: يحتاجون.
[45100]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: بالموثر.
[45101]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: بالموثر.
[45102]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لا تفرقوا بمد.
[45103]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لا تفرقوا بمد.
[45104]:زيد من ظ و م.
[45105]:زيد من ظ و م ومد.
[45106]:في ظ: يوقى.
[45107]:زيد من ظ و م ومد والقرآن الكريم.
[45108]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: أن.
[45109]:زيد من ظ و م.
[45110]:سقط من ظ.
[45111]:سقط من ظ.
[45112]:في ظ: عن.
[45113]:زيد من ظ و م.
[45114]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الذكر.
[45115]:في ظ: الفكرة.
[45116]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: سعادة.
[45117]:آية 18.
[45118]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: ندب.
[45119]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: استعمال.
[45120]:زيد من ظ و م ومد والقرآن الكريم.