{ وإذا قيل له اتق اله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد }
أخذته العزة بالإثم : أي حملته الحمية على الإثم . كقولك أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه .
وإذا نصحت له حينئذ بالخوف من الله ثارت في نفسه الحمية وظن ذلك هدما لعزته ، وحمله على ارتكاب الإثم فيما نهيته عنه لحاجة وعنادا . فحسبه على ذلك عذاب جهنم ولبئس المستقر .
رسمت الآية صورة لهذا المنافق فيما يأتي :
2 . الحلف بالله كذبا ليروج سلوكه .
3 . الفجور في الخصومة ، افتراء التهم بالباطل .
4 . نشر الخراب والدمار والفساد بين الناس .
وفي هذه الآية بيان لصفة خامسة لهذا النوع من الناس ، فهو إذا فعل كلما سبق ثم قيل له : " لتق الله " تذكيرا له بخشية الله والحياء منه والتحرج من غضبه أنكر أن يقال له هذا القول ، واستكبر أنه يوجه إلى صواب . وأخذته العزة ، لا بالحق ولا بالعدل ولا بالخير ولكن " بالإثم " فالعز بالإجرام والذنب والخطيئة ورفع رأسه في وجه الحق الذي يذكر به ، وأمام الله بلا حياء منه ، وهو الذي كان يشهده على ما في قلبه ، ويتظاهر بالخير والبر والإخلاص والتجرد والاستحياء .
" إنما لمسة تكمل ملامح الصورة ، وتزيد في قسماتها وتمييزها بذاتها وتدع هذا النموذج حيا يترك . تقول في غير تردد : هذا هو . هذا هو الذي عناه القرآن ، وأنت تراه أمامك ماثلا في الأرض الآن وفي كل آن " ( 138 ) .
أي هي مصيره وكفاه عذابها على كبريائه وحميته الجاهلية .
ولبئس المهاد : المهاد فراش يأوي المرء إليه للراحة ، واللم واقعة في جواب قسم محذوف ، فالله تعالى يقسم تأكيدا للوعيد بأن الذي يرى عزته مانعة له الإذعان للأمر بتقوى الله سيكون مهاده ومأواه النار وهي بئس المهاد وشره ، ولا راحة فيها ولا اطمئنان لأهلها .
فقد وصفها القرآن بأنها تكاد تميز من الغيظ .
وهي لا تبقي ولا تذر ، لواحة للبشر .
وهي التي يكبكب فيها الغاوون وجنود إبليس أجمعون .
وهي التي وقودها الناس والحجارة .
وهي الحطمة التي تطلع على الأفئدة .
وهي التي يطعم أهلها الزقوم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم .
والتي يتمنا أهلها الموت فيقال لهم : إنكم ماكثون . لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون .
وقال بعض المفسرين : إنه عبر بالمهاد الذي هو مظنة الراحة للتهكم .
وقد اختلفوا في سبب نزول هذه الآيات ، فروى ابن أبى حاتم عن ابن عباس أنها نزلت في رجلين من المنافقين قالا : لما هلكت سرية للمسلمين ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا ، لا هم قعدوا في أهليهم ، ولا هم أدروا رسالة صاحبهم .
وروى ابن جرير عن السدى أنها نزلت في الأخنس بن شريق أقبل النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر له الإسلام فأعجبه ذلك منه ثم خرج فمر بزرع لقوم من المسلمين وحمر ، فأحرق الزرع وعقر الحمر ، فإن صحتا الروايتان فالظاهر أم من جعلها سببا حمل الآيات عليهما في الجملة ، وإلا فأنت ترى أن الآيات ليست مطابقة للحادثتين اللتين كانتا في وقتين مختلفين( 139 ) .
" واختيار أكثر المحققين من المفسرين أن هذه الآيات عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه الصفات المذكورة ولا يمتنع أن تنزل الآية في الرجل ثم تكون عامة في كل مكان موصوفا بتلك الصفات ، ونزولها على السبب الذي حكيناه لا يمنع العموم والعمل على العموم أكثر فائدة ، وذلك لأنه يكون زجرا لكل المكلفين عن تلك الطريقة المذمومة " ( 140 ) .
ولما كان من الناس من يفعل الفساد فإذا نهى عنه انتهى بين أن هذا على غير ذلك تحقيقاً لألديته{[9068]} فقال مبشراً بأداة التحقيق بأنه لا يزال في الناس من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : { وإذا قيل له } من{[9069]} أي قائل كان { اتق الله } {[9070]}أي الملك الأعظم الذي كل شيء تحت قهره{[9071]} واترك ما أنت عليه من الفساد { أخذته{[9072]} } أي قهرته لما له من ملكة الكبر { العزة } في نفسه{[9073]} لما فيها من الكبرياء{[9074]} والاستهانة بأمر الله ، وليس من شأن الخلق الاتصاف بذلك فإن العزة لله جميعاً { بالإثم } أي مصاحباً{[9075]} {[9076]}للذنب ، وهو العمل الرذل{[9077]} السافل وما - {[9078]}لا يحل ويوجب العقوبة باحتقار الغير والاستكبار عليه .
ولما كان هذا الشأن الخبيث شأنه دائماً يمهد به لنفسه التمكين{[9079]} مما يريد سبب عنه قوله : { فحسبه } أي كفايته { جهنم{[9080]} } تكون مهاداً له كما مهد للفساد ، وتخصيص هذا الاسم المنبىء عن الجهامة في المواجهة أي الاستقبال{[9081]} بوجه كريه لما{[9082]} وقع منه من المواجهة لمن أمره من{[9083]} مثله . قال الحرالي : فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي تعالى النار{[9084]} باسم من أسمائها - انتهى . { ولبئس المهاد * } هي{[9085]} والمهاد{[9086]} موطن الهدوء{[9087]} والمستطاب مما يستفرش ويوطأ - قاله الحرالي ، وقال : فيه إشعار بإمهال الله عزّ وجلّ لهذه الأمة رعاية لنبيها فأحسب{[9088]} فاجرها وكافرها بعذاب الآخرة ، ولو عاجل مؤمنها بعقوبة الدينا فخلص{[9089]} لكافرها الدنيا ولمؤمنها{[9090]} الآخرة وأنبأ بطول المقام والخلود فيها{[9091]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.