{ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون( 243 ) }
ألم تر : تعجب وتقرير لمن سمع بقصتهم ، وقد يخاطب به من لم ير ولم يسمع فإنه صار مثلا في التعجب .
تنبه أيها النبي إلى القصة العجيبة واعلمها ، وهي حالة القوم الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الجهاد ، خشية الموت فيه ، وهو ألوف كثيرة فقضى الله عليهم بالموت والهون من أعدائهم ، حتى إذا استبسلت بقيتهم ، وقامت بالجهاد أحيا الله جماعتهم به ، وإن هذه الحياة العزيزة بعد الذلة المميتة من فضل الله ، الذي يستوجب الشكران ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون .
{ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهو ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم . . . }
المعنى : ألم ينته علمك إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف وكانوا فوق عشرة لآلاف لأن العشرة فما دونها جمع قلة ، فيقال فيها : آلاف ، ولا يقال ألوف إلا لجمع الكثرة الذي يزيد عن العشرة .
ولذا روى عن ابن عباس : أنهم كانوا أربعين ألفا ، كما في بعض الروايات عنه ، وكان خروجهم بهذه الكثرة ، خوفا من الموت وحذرا منه ، مع أن الحذر لا يمنع من القدر ، فإذا جاء أجلهم معا أو متفرقين لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون .
ويرى بعض المفسرون : أن هذه الآية الكريمة تنبئنا عن قوم من بني إسرائيل دعا إلى الجهاد في سبيل الله ، فخرجوا من ديارهم فرارا منه ، حتى لا يموتوا مع أنهم كانوا ألوفا ، فلا ينبغي لهم أن يفروا لأن من عاداتهم أن يجبنوا عن القتال ، كما حدث عندما أمرهم موسى عليه السلام بقتال الجبارين ، فقالوا له : { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون }( المائدة : 24 ) . فأماتهم الله جميعا عقابا لهم على فرارهم ، ثم أحياهم ليبين لهم قدرة الله عليهم ، وأنه لا ينفعهم الفرار من القتال ، إن كان الموت فيه مكتوبا عليهم ، فقد يموت المرء بدون قتال ، كما حدث لهم .
ويقول صاحب هذا الرأي : إنه تعالى بعد أن أحياهم أمرهم بالقتال فقال لهم : { وقاتلوا في سبيل الله } ( البقرة : 244 ) لعلهم يعتبرون بذلك فيخلصون في الجهاد .
وقال ابن عطية منكرا لهذا وأمثاله من القصص : وهذا القصص كله لين الأسانيد ، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف ، عن قوم من البشر ، خرجوا من ديارهم فرارا من الموت ، فأماتهم الله ثم أحياهم ليروا هم وكل من خلف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره ، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر . وقد جعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد . هذا قول الطبري . وهو ظاهر معنى الآية .
ويرى الشيخ محمد عبده : أن هذا مثل لا قصة واقعية ، وأن الموت هنا مجازي .
وخلاصة رأيه : أن هؤلاء القوم فروا أمام أعدائهم دون قتال ، وتركوا أوطانهم غنيمة للأعداء ، فعاشوا أذلاء مشردين ، في حياة أشبه بالموت ، فلما عرفوا جنايتهم على أنفسهم عادوا إلى جهاد أعدائهم وتحرير أوطانهم ، فاستردوا كرامتهم وعاشوا حياة كريمة جديرة بالمجاهدين الأبطال .
ويرى آخرون : أنها تتحدث عن قوم نزل ببلادهم وباء الطاعون ، فعمها بأسباب الموت فظنوا أن فرارهم من هذا الوباء سيكفل لهم النجاة من الموت ، فأماتهم الله عقابا لهم ، فلكل أجل عند الله كتاب وقدر ، وقد فاتهم أنهم سينقلون معهم وباء الطاعون ، إلى بلاد خالية منه وتلك جريمة أخرى . وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن هذا السقم ، عذب به الأمم قبلكم ، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه ، أخرجه الإمام عن عمر . وللشيوخ نحوه .
وهذا الإرشاد منه صلى الله عليه وسلم مطابق لأحدث النظم الصحية وهو ما يعرف اليوم بالحجر الصحي .
والتعبير بقوله تعالى : { فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم } . إما على ظاهره ، وإما مجاز عن تعلق إرادة الله تعالى بموتهم دفعة واحدة .
وقيل : هو تمثيل لإماتتهم ميتة نفس واحدة ، في أسرع زمان ، بأمر مطاع لمأمور مطيع .
والله يعلم مقدار المدة التي ظلوا فيها أمواتا . ولكنها لابد متراخية فترة عن إماتتهم ، كما يوحي به العطف ب ثم في قوله تعالى : { ثم أحياهم } : أي ثم أعادهم الله إلى الحياة مرة أخرى . بعد فترة موت ليستوفوا آجالهم ، وليؤمنوا بقضاء الله وقدره ، وليكووا عبرة يعتبرون بها هم وغيرهم ، وليظل فضل الله الذي عبر عنه قوله تعالى : { إن الله لذو فضل على الناس } . بما أنعم عليهم من نعمة الخلق ونعمة البقاء والرزق ، وبما يريهم من الآيات الباهرة ، والحجج القاطعة التي تنفعهم في دينهم .
وبين الأستاذ سيد قطب الحكمة المقصودة بقوله : " إن الحذر من الموت لا يجدي ، وإن الفزع والهلع لا يزيدان الحياة ولا يمدان أجلا ولا يردان قضاء ، وإن الله هو واهب لحياة وهو آخذ الحياة وأنه متفضل في الحالتين حين يهب ، وحين يسترد ، والحكمة الإلهية الكبرى كامنة خلف الهبة وخلف الاسترداد ، وأن مصلحة الناس متحققة في هذا وذك ، وأن فضل الله متحقق في الأخذ والمنح سواء " ( 296 ) .
{ إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون }
أي أن الله تعالى لصاحب تفضل دائم على الناس حيث أوجدهم بهذه الصورة الحسنة ، وخلق لهم عقولا ليهتدوا به إلى طريق الخير ، وسخر لهم الكثير مما في هذا الكون ، فمن الواجب عليهم أن يشكروه وأن يطيعوه ، ولكن الذي حدث منهم أن أكثرهم لا يشكرون اله تعالى على ما منحهم من نعم .
وفي قوله : { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } . إنصاف للقلة الشاكرة منهم ومديح لهم على استقامتهم وقوة إيمانهم .
ولما انقضى ما لا بد منه مما سيق{[11390]} بعد الإعلام بفرض القتال المكروه للأنفس من تفصيل ما أحمل في ليل الصيام {[11391]}من المشارب والمناكح{[11392]} وما تبعها{[11393]} وكان الطلاق كما سلف كالموت وكانت المراجعة كالإحياء وختم ذلك بالصلاة حال الخوف الذي أغلب صورة الجهاد ثم {[11394]}بتبيين الآيات{[11395]} أعم من أن تكون في الجهاد أو {[11396]}غيره عقب ذلك{[11397]} بقوله دليلاً{[11398]} على آية كتب القتال المحثوث فيها على الإقدام على المكاره{[11399]} لجهل المخلوق بالغايات : { ألم تر } وقال الحرالي{[11400]} : لما{[11401]} كان أمر الدين مقاماً بمعالمه{[11402]} الخمس التي {[11403]}إقامة ظاهرها{[11404]} تمام في الأمة وإنما تتم إقامتها بتقوى القلوب وإخلاص النيات كان القليل{[11405]} من المواعظ والقصص في شأنه كافياً ، ولما كان حظيرة الدين إنما هو الجهاد الذي فيه بذل الأنفس وإنفاق الأموال كثرت فيه مواعظ القرآن و{[11406]}ترددت وعرض لهذه الأمة بإعلام بما يقع فيه فذكر ما وقع من الأقاصيص في الأمم السالفة وخصوصاً أهل الكتابين بني إسرائيل ومن لحق بهم من أبناء العيص{[11407]} فكانت وقائعهم مثلاً لوقائع هذه الأمة فلذلك أحيل{[11408]} النبي صلى الله عليه وسلم على استنطاق أحوالهم بما يكشفه الله سبحانه وتعالى له من أمرهم عياناً وبما ينزله من خبرهم{[11409]} بياناً وكان من جامعة معنى ذلك ما تقدم من قوله سبحانه وتعالى : سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة{[11410]} }[ البقرة : 211 ] وكان من جملة الآيات التي يحق الإقبال بها على النبي صلى الله عليه وسلم لعلو معناها فأشرف المعاني ما قيل فيه { ألم تر } إقبالاً على النبي صلى الله عليه وسلم{[11411]} وعموم المعاني ما قيل فيه{ ألم تروا }[ لقمان : 20 ] إقبالاً على الأمة ليخاطب كل على قدر ما قدم لهم من تمهيد موهبة العقل لتترتب{[11412]} المكسبة{[11413]} من العلم على مقدار الموهبة{[11414]} من العقل فكان من القصص العلي العلم اللطيف الاعتبار ما تضمنته{[11415]} هذه الآيات من قوله : { ألم تر } ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة حتى لا يفروا من الموت فرار من قبلهم ، قال عليه الصلاة والسلام : " إذا نزل الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه " وذلك لتظهر مزيتهم على من قبلهم بما يكون من عزمهم كما{[11416]} أظهر الله تعالى مزيتهم على من قبلهم{[11417]} بما آتاهم من فضله ورحمته التي لم ينولها لمن قبلهم - انتهى .
ولما كانت مفارقة الأوطان مما لا يسمح به نبه بذكره على عظيم ما دهمهم فقال : { إلى الذين خرجوا } أي ممن تقدمكم من الأمم { من ديارهم } التي ألفوها وطال ما تعبوا حتى توطنوها لما وقع فيها مما لا طاقة لهم به على{[11418]} الموت { وهم ألوف } أي كثيرة جداً تزيد على العشرة بما أفهمه جمع التكثير{[11419]} . قال الحرالي{[11420]} : فيه إشعار بأن تخوفهم لم يكن من نقص عدد وإنما كان من جزع أنفس فأعلم سبحانه وتعالى أن الحذر لا ينجي من القدر وإنما ينجى منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء " إن الدعاء ليلقي القدر{[11421]} فيعتلجان إلى يوم القيامة " انتهى . { حذر الموت } فراراً من طاعون وقع {[11422]}في مدينتهم أو{[11423]} فراراً من{[11424]} عدو دعاهم نبيهم{[11425]} إلى{[11426]} قتاله - على اختلاف الرواية - ظناً منهم أن الفرار ينجيهم .
ودل سبحانه وتعالى على أن موتهم كان كنفس واحدة بأن جعلهم كالمأمور الذي لم يمكنه التخلف عن الامتثال بقوله {[11427]}مسبباً{[11428]} عن خروجهم على هذا الوجه : { فقال لهم الله } أي الذي لا يفوته هارب ولا يعجزه طالب
{[11429]}لأن له الكمال كله{[11430]} { موتوا } أي فماتوا أجمعون موت نفس واحدة لم ينفعهم حذرهم ولا صد القدر عنهم علمهم بالأمور وبصرهم{[11431]} إعلاماً بأن من هاب القتال حذر الموت لم يغنه حذره مع ما جناه{[11432]} من إغضاب ربه ومن أقدم عليه لم يضره إقدامه مع ما {[11433]}فاز به{[11434]} من مرضاة مولاه .
قال الحرالي{[11435]} : في إشعاره إنباء بأن هذه الإماتة إماتة تكون بالقول حيث لم يقل : فأماتهم الله ، فتكون إماتة حاقة{[11436]} لا مرجع منها ، ففيه إبداء{[11437]} لمعنى تدريج ذات الموت في أسنان متراقية من حد ضعف الأعضاء والقوى بالكسل إلى حد السنة إلى حد النوم إلى حد الغشي إلى حد الصعق إلى حد هذه الإماتة بالقول إلى حد الإماتة الآتية على جملة الحياة التي لا ترجع إلا بعد البعث وكذلك الإماتة{[11438]} التي يكون عنها تبدد الجسم مع بقائه على صورة أشلائه{[11439]} أشد إتياناً على الميت من التي لا تأتي{[11440]} على أعضائه " إن {[11441]}الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء والشهداء والعلماء والمؤذنين " فكما للحياة أسنان من حد ربو{[11442]} الأرض إلى حد حياة المؤمن إلى ما فوق ذلك من الحياة كذلك للموت أسنان بعدد أسنان الحياة مع كل سن حياة موت إلى أن ينتهي الأمر إلى الحي الذي لا يموت
{ وإن إلى ربك المنتهى{[11443]} }[ النجم : 42 ] ، فبذلك يعلم ذو الفهم أن ذلك توطئة لقوله : { ثم أحياهم{[11444]} } وفي كلمة { ثم } إمهال إلى ما شاء الله - انتهى . وجعل سبحانه وتعالى ذلك تقريراً له صلى الله عليه وسلم بالرؤية إما لأنه كشف له عنهم في الحالتين وإما تنبيهاً على أنه في القطع بإخبار الله تعالى له على حالة هي كالرؤية لغيره تدريباً لأمته ؛ ولعل في الآية{[11445]} حضاً{[11446]} على التفضل بالمراجعة من الطلاق كما تفضل الله على هؤلاء بالإحياء بعد أن أدبهم بالإماتة وختم ما قبلها بالإقامة في مقام الترجي للعقل فيه إشارة إلى أن الخارجين{[11447]} من ديارهم لهذا الغرض سفهاء فكأنه قيل : لتعقلوا فلا تكونوا كهؤلاء الذين ظنوا أن فرارهم{[11448]} ينجيهم من الله بل تكونون{[11449]} عالمين بأنكم أينما كنتم ففي{[11450]} قبضته وطوع مشيئته وقدرته فيفيدكم ذلك الإقدام على ما كتب عليكم مما تكرهونه{[11451]} من القتال ، أو يقال : ولما كان المتوفى قد يطلق زوجه{[11452]} في مرض موته فراراً{[11453]} من إرثها وقد يخص بعض وارثيه مما يضار به غيره وقد يحتال{[11454]} على المطلقة ضراراً بما يمنع{[11455]} حقها ختم آية{[11456]} الوفاة عن الأزواج والمطلقات بترجية العقل{[11457]} بمعنى أنكم إذا عقلتم لم تمنعوا أحداً من فضل الله الذي آتاكم علماً منكم بأنه تعالى قادر على أن يمنع المراد إعطاؤه ويمنح المراد منعه بأسباب يقيمها ودواعي يخلقها أو يشفي{[11458]} فاعل ذلك من مرضه ثم يسلبه{[11459]} فضله فيفقره{[11460]} بعد غناه ويضعفه بعد قواه ، فإنه لا ينفع من قدره حذر ، ولا يدفع مراده كيد ولا حيل وإن كثر العدد وجل المدد ، { ألم تر } إلى أن قال : { إن الله }{[11461]} أي الذي له{[11462]} الإحاطة بالجلال{[11463]} والإكرام { لذو فضل{[11464]} } { على الناس }{[11465]} أي عامة فليذكر كل واحد{[11466]} ما له عليه من الفضل ، وليرغبوا في العفو عمن يرون أن منعه عدل{[11467]} لأن ذلك أقرب إلى الشكر وأبعد عن الكفر ، فطلاق الفار إخراج الزوجة عن دائرة{[11468]} عصمته{[11469]} حذراً من إماتة ماله بأخذ{[11470]} ما يخصها منه وخروج الزوج عن دائرة{[11471]} النكاح حذراً من موت مقيد بكونها في عصمته{[11472]} وخروج الألوف من دار الإقامة حذراً من موت مطلق ، ومن المناسبات البديعة أنه لما كانت حقيقة حال العرب أنهم انتقلوا بعد أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام والتابعين له{[11473]} بإحسان من ضيق{[11474]} دار العلم والإيمان{[11475]} حذراً من{[11476]} هلاك{[11477]} الأبدان بتكاليف الأديان{[11478]} إلى قضاء الشهوات والعصيان فوقعوا في موت الجهل والكفران{[11479]} فلما نزل عليهم القرآن وكان أكثر هذه السورة في الرد على أهل الكتاب وكرر فيها هداية العرب من الكفر والجهل بكلمة الإطماع في غير موضع نحو ( ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون }[ البقرة : 150 ] { لعلكم تتقون }[ البقرة : 21 ] { لعلهم يرشدون }[ البقرة : 186 ] { لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة }[ البقرة : 219 ، 220 ] وغير ذلك إلى أن ختم هذه الآيات بترجي العقل وكان أهل الكتاب قد اشتد حسدهم لهم بجعل{[11480]} النبي الذي كانوا ينتظرونه{[11481]} منهم وكان الحاسد يتعلق في استبعاد الخير عن محسوده بأدنى شيء كانوا كأنهم قالوا : أ{[11482]}يحيي{[11483]} هؤلاء العرب على كثرتهم وانتشارهم في أقطار هذه الجزيرة من موت الكفر والجهل بالإيمان والعلم بعد أن تمادت بهم فيهما الأزمان وتوالت عليهم الليالي والأيام حتى عتوا فيهما{[11484]} وعسوا{[11485]} ومردوا عليهما وقسوا ؟ فأجيبوا بنعم وما استبعدتموه غير بعيد ، فقالوا : فإن كان لله بهم عناية فلم تركهم{[11486]} يجهلون{[11487]} ويكفرون بعد ما شرع لهم أبوهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام دين أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ؟ فأجيبوا بأنه{[11488]} فعل بهم ذلك لذنب استحقوه لحكمة اقتضاها سابق علمه ثم ذكّرهم قدرته في مثل ذلك من العقوبة واللطف بما هم به عالمون فقال تعالى مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وسلم والمراد هم - كما يقال : الكلام لك واسمعي يا جارة - { ألم تر } ويجوز أن يكون الخطاب لكل فاهم أي تعلم بقلبك أيها السامع علماً هو كالرؤية ببصرك لما{[11489]} تقدم من الأدلة التي هي أضوأ من الشمس على القدرة على البعث ويؤيد أنه لمح فيه الإبصار تعديته{[11490]} بإلى{[11491]} في{[11492]} قوله : { إلى الذين خرجوا } {[11493]}وقال{[11494]} : { فقال لهم الله } أي {[11495]}الذي له العظمة كلها{[11496]} عقوبة لهم بفرارهم من أمره { موتوا ثم أحياهم } بعد أن تطاول عليهم الأمد وتقادم بهم الزمن كما أفهمه العطف بحرف التراخي تفضلاً منه ، فكما تفضل على أولئك بحياة أشباههم بعد عقوبتهم بالموت فهو يتفضل على هؤلاء بحياة أرواحهم من موت الكفر والجهل{[11497]} إظهاراً لشرف نبيهم صلى الله عليه وسلم ، ثم علل ذلك بقوله : { إن الله{[11498]} } أي الذي له العظمة{[11499]} كلها{[11500]} بما له من الجلال{[11501]} والعظمة والكمال { لذو فضل{[11502]} } أي عظيم { على الناس } أي كافة مطيعهم وعاصيهم .
قال الحرالي : بما ينسبهم تارة إلى أحوال مهوية ثم ينجيهم منها إلى أحوال منجية بحيث لو أبقى هؤلاء على هذه الإماتة ومن لحق بسنتهم من بعدهم لهلكت آخرتهم كما هلكت دنياهم ولكن{[11503]} الله سبحانه وتعالى أحياهم لتجدد فضله عليهم - انتهى . كما تفضل عليكم{[11504]} يا بني إسرائيل{[11505]} بأن{[11506]} أحياكم من موت العبودية وذلك الذل بعد أن كان ألزمكموه بذنوبكم دهوراً طويلة وكما{[11507]} تفضل عليكم أيها العرب بقص {[11508]}مثل هذه{[11509]} الأخبار عليكم لتعتبروا { ولكن أكثر الناس } كرر الإظهار ولم يضمر{[11510]} ليكون أنص على العموم لئلا يدعي مدع أن المراد بالناس الأول أهل زمان ما فيخص الثاني أكثرهم { لا يشكرون{[11511]} * } وذلك تعريض ببني إسرائيل في أنهم لم يشكروه سبحانه وتعالى في الوفاء بمعاهدته لهم في اتباع هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام ، وفي هذا الأسلوب بعد هذه المناسبات إثبات لقدرته سبحانه وتعالى على الإعادة وجرّ لمنكر ذلك إلى الحق من حيث لا يشعر . قال الحرالي : والشكر ظهور باطن الأمر على ظاهر الخلق بما هو باطن فمن حيث إن الأمر كله لله قسراً{[11512]} فالشكر أن يبدو الخلق كله بالله شكراً ، لأن أصل الشكور الدابة التي يظهر عليها ما تأكله سمناً وصلاحاً ، فمن أودع خلق أمر لم يبد على خلقه فهو كفور . فلما{[11513]} أودعه سبحانه وتعالى في ذوات الأشياء من معرفته وعلمه وتكبيره كان من{[11514]} لم يبد ذلك على ظاهر خلقه كفوراً ، ومن بدا ما استسر فيه من ذلك شكوراً ، وليس من وصف الناس ذلك لترددهم{[11515]} بين أن يكون البادي عليهم عندهم تارة من الله سبحانه وتعالى وتارة من أنفسهم وممن دون الله ممن اتخذوه أولياء على{[11516]} حد كفر أو هوى أو بدعة أو خطيئة وعلى حد رين كسبهم على قلوبهم ، ففي اعتبار هذه الآية تحذير{[11517]} لهذه الأمة من أن يحذروا الموت . قال بعض التابعين {[11518]}رضي الله تعالى عنهم{[11519]} : لقد رأينا أقواماً يعنون{[11520]} من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت إلى أحدهم أشهى{[11521]} من الحياة عندكم اليوم ؛ وإنما ذلك لما تحققوا من{[11522]} موعود الآخرة حتى كأنهم يشاهدونه فهان عليهم الخروج من خراب الدنيا إلى عمارة{[11523]} آخرتهم{[11524]} - انتهى . وما أحسن الرجوع إلى قصص الأقدمين والالتفات إلى قوله :{ كتب عليكم القتال وهو كره لكم }[ البقرة : 216 ] على هذا الوجه وهؤلاء الذين أماتهم الله ثم أحياهم ؛ قال أهل التفسير : إن إحياءهم كان على يد حزقيل{[11525]} أحد أنبياء بني إسرائيل عليهم {[11526]}الصلاة والسلام{[11527]} ؛ وقال البغوي : إنه ثالث خلفائهم ، والذي رأيته في سفر الأنبياء المبعوثين{[11528]} منهم بعد موسى عليه{[11529]} الصلاة والسلام لتجديد أمر التوراة وإقامة ما درس من أحكامها وهم ستة عشر نبياً أولهم يوشع بن نون وآخرهم دانيال على جميعهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام أن حزقيل{[11530]} خامس عشرهم عليه الصلاة والسلام .
قال في الإصحاح{[11531]} الحادي والعشرين من نبوته : وكانت على يد الرب وأخرجني روح الرب إلى صحراء{[11532]} مملوءة عظام موتى وأمرني أجوز عليها وأدور حولها ، فرأيتها كثيرة في الصحراء يابسة وقال لي{[11533]} : يا ابن الإنسان ! هل تعيش هذه العظام ؟ فقلت : أنت تعلم{[11534]} يا رب الأرباب ! قال لي{[11535]} : تنبأ{[11536]} على هذه العظام وقل لها : أيتها العظام البالية ! اسمعوا كلام الله أن هكذا يقول{[11537]} رب الأرباب لهذه العظام : إني أرد فيكم الروح فتحيون وتعلمون أني أنا الرب ، آتي بالعصب {[11538]}والجلد واللحم{[11539]} أنبته ، وأرد فيكم الأرواح فتحيون ، فلما{[11540]} تنبأت بهذا صار صوت عظيم وزلزلة ، واقتربت{[11541]} العظام كل عظم إلى مفصله ، ورأيت قد صعد عليها العصب ونبت اللحم ورد عليها الجلد من فوق ذلك ولم يكن فيهم روح ، وقال{[11542]} الرب : {[11543]}يا ابن الإنسان ! هذه العظام كلها من بني إسرائيل ومن الأنبياء الذين كانوا يقتلون وقد بليت عظامهم وكل رجل بطل{[11544]} ، تنبأ{[11545]} أيها الإنسان وقل للروح : هكذا يقول رب الأرباب : تعالوا أيها الأرواح{[11546]} ، وأنفخ{[11547]} في هؤلاء القتلى فيعيشوا ، فتنبأت كالذي أمرني الرب ، فدخلت فيهم الروح وعاشوا وقاموا على أرجلهم جيش عظيم جداً ، وقال لي{[11548]} الرب : يا ابن الإنسان ! هذه العظام كلها من بني إسرائيل ومن الأنبياء الذين كانوا يقتلون وقد بليت عظامهم وكل رجل بطل ، فمن أجل هذا تنبأ وقل : هكذا يقول رب الأرباب : هو ذا أفتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم وآتي بكم إلى أرض إسرائيل وتعلمون أني أنا الرب أنفخ فيكم روحي فتعيشون{[11549]} وأترككم تعملون{[11550]} ؛ قد قلت هذا وأنا أفعله - انتهى .