تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞ذَٰلِكَۖ وَمَنۡ عَاقَبَ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيۡهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ} (60)

58

60 - ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ .

أي : الأمر ذلك الذي تقدم بيانه ، من حسن جزاء المهاجرين ، الذين قتلوا في سبيل الله أو ماتوا .

ثم استأنف القرآن فبين حق المسلمين في رد العدوان ، والانتصاف من الظالمين .

فقال ما معناه :

إن من قوتل ظلما ، فدافع عن نفسه ، وعاقب الظالم بمثل عقوبته ، وجازى من اعتدى عليه ، ثم بغى عليه بإلجائه إلى الهجرة ، ومفارقة الوطن ، وابتدائه بالقتال ، لينصرنه الله نصرا مؤزرا .

إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ .

لمن أخذ بحقه ، وانتقم من ظالمه ، وإن كان العفو أقرب إلى التقوى ، قال تعالى : وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ . . . . ( الشورى : 40 ) .

سبب النزول :

جاء في تفسير مقاتل بن سليمان ما يأتي :

إن مشركي مكة لقوا المسلمين ( لليلة بقيت من المحرم ) فقال بعضهم لبعض : إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم ، فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام ، فأبى المشركون إلا القتال ، فبغوا على المسلمين فقاتلوهم وحملوا عليهم ، وثبت المسلمون ، فنصر الله المسلمين عليهم ، فوقع في أنفس المسلمين شيء من القتال في الشهر الحرام ، فأنزل الله عز وجل : ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ .

إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ . يعفو عنهم لقتالهم في الشهر الحرامxli .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞ذَٰلِكَۖ وَمَنۡ عَاقَبَ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيۡهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ} (60)

ولما ختم هذه الآيات – التي فيها الإذن للمظلومين في القتال للظالمين - بصفة الحلم ، فكان ذلك مخيلة لوجوب العفو عن حقوق العباد كما في شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام ، نفى ذلك بقوله إذناً للمجهارين فيمن أخرجهم من ديارهم أن يخرجوه من دياره ويذيقوه بعض ما توعده الله به من العذاب المهين : { ذلك } أي الأمر المقرر من صفة الله تعالى ذلك { ومن عاقب } من العباد بأن أصاب خصمه ، لمصيبة يرجو فيها العاقبة { بمثل ما عوقب } أي عولج علاج من يطلب حسن العاقبة { به } من أي معاقب كان فلم يتجاوز إلى ظلم { ثم بغي } أي من أيّ باغ كان { عليه } بالعود إلى خصومته لأخذه حقه .

ولما كان ما يحصل للمبغي عليه بالكسر عوداً على بدء من الذل والهوان مبعداً لأن ينجبر ، أكد وعده فقال : { لينصرنه الله } أي الذي لا كفوء له .

ولما قيد ذلك بالمثلية ، وكان ذلك أمراً خفياً ، لا يكاد يوقف عليه ، فكان ربما وقعت المجاوزة خطأ ، فظن عدم النصرة لذلك ، أفهم تعالى أن المؤاخذة إنما هي بالعمد ، بقوله ؛ ويجوز أن يكون التقدير ندباً إلى العفو بعد ضمان النصرة : إن الله لعزيز حكيم ، ومن عفا وأصلح فقد تعرض لعفو الله عن تقصيره ، ومغفرته لذنوبه ، فهو احتباك : ذكر النصرة دليل العزة والحكمة ، وذكر العفو منه سبحانه دليل حذف العفو من العبد { إن الله } أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً { لعفو } أي عمن اقتص ممن ظلمه أول مرة { غفور* } لمن اقتص ممن بغى عليه .