اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{۞ذَٰلِكَۖ وَمَنۡ عَاقَبَ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيۡهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ} (60)

قوله تعالى : { ذلك وَمَنْ عَاقَبَ } «ذَلِكَ » خبر مبتدأ مضمر أي : الأمر ذلك وما بعده مستأنف{[31712]} . والباء في قوله : { بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ } للسببية في الموضعين قاله أبو البقاء{[31713]} والذي يظهر أن الأولى يشبه أن تكون للآلة . «وَمَنْ عَاقَبَ » مبتدأ خبره «لَيَنْصُرَنَّه اللَّهُ » {[31714]} .

فصل

المعنى : الأمر ذلك الذي قصصناه عليك { وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ } أي قاتل من كان يقاتله ، ثم كان المقاتل مبغياً عليه بأن اضطر إلى الهجرة ومفارقة الوطن وابتُدِئ بالقتال {[31715]} .

قال مقاتل : نزلت في قوم من قريش أتوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من{[31716]} المحرم ، وكره المسلمون قتالهم ، وسألوهم أن يكفوا عن القتال من أجل الشهر الحرام ، فأبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم ، وثبت المسلمون لهم فنُصِروا ، فوقع في أنفس{[31717]} المسلمين من القتال في الشهر الحرام . فأنزل الله هذه الآية ، وعفا عنهم وغفر لهم {[31718]} .

والعقاب الأول بمعنى الجزاء ، وأطلق اسم العقوبة على الأول للتعلق الذي بينه وبين الثاني كقوله تعالى : { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا }{[31719]} [ الشورى : 40 ] { يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ }{[31720]} {[31721]} [ النساء : 142 ] .

وهذه النُّصْرة تقوي تأويل من تأول الآية على مجاهدة الكفار لا على القصاص لأن ظاهر النص لا يليق إلا بذلك . وقال الضحاك : هذه الآية في القصاص والجراحات لأنها مدنية {[31722]} .

قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه : من حَرَّق حَرَّقْنَاه ، ومن غَرَّق غَرَّقْنَاه لهذا الآية ، فإن الله تعالى جوَّز للمظلوم أن يعاقب بمثل ما عوقب به ووعده النصر . وقال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى : بل يقتل بالسيف . فإن قيل : كيف تعلق الآية بما قبلها ؟

فالجواب : كأنه تعالى قال : مع إكرامي لهم في الآخرة بهذا الوعد لا أدع نصرتهم في الدنيا على من بغى عليهم {[31723]} .

ثم قال : { إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } أي إن الله ندب المعاقبين إلى العفو عن الجاني بقوله : { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله }{[31724]} [ الشورى : 40 ] { وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى }{[31725]} [ البقرة : 237 ] { وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور }{[31726]} [ الشورى : 43 ] فلما لم يأت بهذا المندوب فهو نوع إساءة فكأنه تعالى قال : إني عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها . وقيل : إنه تعالى وإن ضمن له النصر على الباغي لكنه عرض مع ذلك بما هو أولى وهو العفو والمغفرة ، فلوَّح بذكر هاتين الصفتين .

وفيه وجه آخر وهو أنه تعالى دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على العقوبة لأنه لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده {[31727]} .


[31712]:انظر التبيان 2/946.
[31713]:المرجع السابق.
[31714]:المرجع السابق.
[31715]:انظر الفخر الرازي 23/60.
[31716]:في الأصل: بقين في. وهو تحريف.
[31717]:في ب: أنفسهم. وهو تحريف.
[31718]:انظر الفخر الرازي 23/60.
[31719]:[الشورى: 40].
[31720]:[النساء: 142]. وذلك على سبيل المشاكلة، وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا انظر الإيضاح 360.
[31721]:انظر الفخر الرازي 23/60 – 61.
[31722]:انظر الفخر الرازي 23/60.
[31723]:المرجع السابق.
[31724]:[سورة الشورى: 40].
[31725]:[البقرة: 237].
[31726]:[الشورى: 43].
[31727]:انظر الفخر الرازي: 23/61.