تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (3)

3 - الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .

سبب نزول الآية :

وردت روايات عدة في سبب نزول هذه الآية ، ولا يبعد أن يكون هناك أكثر من سبب لنزول الآية ، فقد ذكر العلماء أنه إذا تعددت أسباب النزول ، وفيها الصحيح والضعيف ، أخذنا بالصحيح وتركنا الضعيف .

وإذا تعددت أسباب النزول وكلها صحيح ، وأمكن الجمع بينها لتقارب حدوثها ، حملنا ذلك على تعدد السبب والنازل واحد ، وهذه ثلاث روايات في سبب نزول الآية :

1 . روى الترمذي ، وأبو داود ، والنسائي ، عن عمر بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال :

كان رجل يقال له : مرثد بن أبي مرثد الغنوى ، وكان رجلا يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة ، قال : وكانت امرأة بغى بمكة ، يقال لها : عناق ، وكانت صديقة له في الجاهلية ، وأنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله ، قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة ، قال : فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط ، فلما انتهت إلي عرفتني ، فقالت : مرثد ؟ فقلت : ثريد . فقالت : مرحبا وأهلا ، هلم فبت عندنا الليلة ، فقلت : يا عناق حرم الله الزنا ، فقالت : يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم . قال : فتبعني ثمانية ، ودخلت الحديقة فانتهيت إلى غار ، أو كهف ، فدخلت فيه ، فجاءوا حتى أقاموا على رأسي ، فبالوا فظل بولهم على رأسي ، فأعماهم الله عني ، ثم رجعوا ، فرجعت إلى صاحبي ، فحملته وكان رجلا ثقيلا ، حتى انتهيت إلى الأذخر ، ففككت عنه أحبله ، فجعلت أحمله ويعينني ، حتى أتيت به المدينة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : يا رسول الله : أنكح عناقا ؟ أنكح عناقا ؟ مرتين ، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يرد علي شيئا : حتى نزل : الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً . . . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا مرثد ، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة فلا تنكحها )40 .

2 . وروى النسائي ، وأحمد ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال :

كانت امرأة يقال لها : أم مهزول ، وكانت تسافح – أي : تحترف البغاء – فأراد رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتزوجها ، واشترطت له أن تنفق عليه ، فأنزل الله – عز وجل – هذه الآية41 .

3 . روي أنها نزلت في جماعة من فقراء المهاجرين ، استأذنوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التزوج ببغايا من الكتابيات والإماء ، اللاتي كن بالمدينة ، فأنزل الله فيهم هذه الآية42 .

الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً . . .

وللمفسرين في معنى هذه الآية أقوال شتى :

1- قال النسفي :

الخبيث الذي من شأنه الزنا ، لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء ، وإنما يرغب في خبيثة من شكله ، أو في مشركة .

والخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال ، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة أو المشركين ، فالآية تزهيد في نكاح البغايا ، إذ الزنا عديل الشرك في القبح ، والإيمان قرين العفاف والتحصين ، وهو نظير قوله : الخبيثات للخبيثين . ( النور : 26 ) .

2 - وقيل :

إن الكلام نهي جيء به في صورة الخبر للمبالغة ، ويؤيده قراءة عمر بن عبيد : لا ينكح . بالجزم ، ويكون التحريم على ظاهره ، والإشارة إلى النكاح المفهوم من الفعل ، وكان الحكم كذلك في صدر الإسلام ثم نسخ ، قال سعيد بن المسيب : كان الحكم عاما في الزناة ألا يتزوج أحدهم إلا زانية ، ثم جاءت الرخصة ونسخ ذلك يقوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم . . . ( النور : 32 ) . والزانية من أيامى المسلمين ، وبهذا القول قال مجاهد ، والشافعي ، والجبائي ، وغيرهم43 .

قال ابن عمر : دخلت الزانية في أيامى المسلمين . وقال أبو جعفر النحاس : وهذا القول عليه أكثر العلماء44 .

3 – ذهب الإمام أحمد إلى أن زواج الزاني المعروف بالفسوق باطل غير صحيح ، ولا يجوز نكاحه حتى يتوب ، وقد رجح ابن تيمية رأى الإمام أحمد .

وقال ابن تيمية : يدل قوله تعالى : الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً . على أن الزاني لا يتزوج إلا زانية أو مشركة ، وأن ذلك حرام على المؤمنين ، وليس هذا لمجرد كونه فاجرا ، بل لخصوص كونه زانيا ، وكذلك في المرأة ليس لمجرد فجورها بل لخصوص زناها ، بدليل أنه جعل المرأة زانية إذا تزوجت زانيا ، كما جعل الرجل زانيا إذا تزوج زانية ، هذا إذا كانا مسلمين يعتقدان تحريم الزنا ، وإذا كانا مشركين فينبغي أن يعلم ذلك ، ومضمونه أن الرجل الزاني لا يجوز نكاحه حتى يتوب ، وذلك بأن يوافق اشتراطه الإحصان ، والمرأة إذا كانت زانية لا تحصن فرجها عن غير زوجها ، بل يأتيها هو وغيره ، وإذا كان الزوج زانيا هو وغيره يشتركون في وطئها كما يشترك الزناة في المرأة الواحدة ، ولهذا يجب عليه نفي الولد الذي ليس منه ، فمن نكح زانية فهو زان ، أي تزوجها ، ومن نكحت زانيا فهي زانية ، أي تزوجته ، فإن كثيرا من الزناة قصروا أنفسهم على الزواني ، فتكون المرأة خدنا وخليلا له لا يأتي غيرها ، فالرجل إذا كان زانيا لا يعف امرأته ، وإذا لم يعفها تشوقت هي إلى غيره فزنت به ، كما هو الغالب على نساء الزواني ، أو من يلوط بالصبيان ، فإن نساءه يزنين ليقضين أربهن ووطرهن ، ويراغمن أزواجهن بذلك ، حيث لم يعفوا أنفسهم عن غير أزواجهم ، فهن أيضا لم يعففن أنفسهن عن غير أزواجهن ، ولهذا يقال : ( عفوا تعف نساؤكم وأبناؤكم ، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم ) وكما تدين تدان .

ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها ، فإن الرجل إذا رضى أن ينكح زانية ، رضى أن تزني امرأته ، والله تعالى قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة ، فأحدهما يحب لنفسه ما يحب للآخر ، فإذا رضيت المرأة أن تنكح زانيا ؛ فقد رضيت عمله ، وكذلك إن رضى الرجل أن ينكح زانية ؛ فقد رضى عملها ، ومن رضى الزنا كان بمنزلة الزاني ، فإن أصل الفعل هو الإرادة ، ولهذا جاء في الأثر : ( من غاب عن معصية فرضيها ؛ كان كمن شهدها أو فعلها ) .

وفي الحديث : ( المرء على دين خليله )45 وأعظم الخلة خلة الزوجين46 .

وفي الغالب أن الرجل لا يزني بغير امرأته إلا إذا أعجبه ذلك الغير ، فلا يزال يزني بمن يعجبه ، وتبقى امرأته بمنزلة المعلقة ، التي لا هي أيم ولا ذات زوج ، فيدعوها بذلك إلى الزنا ، ويكون الباعث لها على ذلك مقابلة زوجها على وجه القصاص ، مكايدة له ومغايظة ، فإنه لم يحفظ غيبتها لم تحفظ غيبته ، ولها في بضعه حق ، كما له في بضعها حق ، فإن كان من العادين ، لخروجه عما أباح الله لم يكن أحصن نفسه ، وأيضا فإن داعية الزنا تشتغل بمن يختاره من البغايا ، فلا تبقى داعيته إلى الحلال تامة ، ولا غيرته كافية في إحصانه المرأة ، فتكون عنده كالزانية المتخذة خدنا ، وهذه معان شريفة لا ينبغي إهمالها47 .

4 – جاء في تفسير القرطبي ما يأتي :

روى أن رجلا زنى بامرأة في زمن أبي كر – رضي الله عنه – فجلدهما مائة جلدة ، ثم زوج أحدهما من الآخر ، ونفاهما سنة ، وروى مثل ذلك عن عمر ، وابن مسعود ، وجابر – رضي الله عنهم – وقال ابن عباس : أوله سفاح وآخره نكاح . ومثل ذلك مثل رجل سرق من حائط ثمرة ، ثم أتى صاحب البستان فاشترى منه ثمرة ، فما سرق حرام وما اشترى حلال ، وبهذا أخذ الشافعي وأبو حنيفة ورأوا أن الماء لا حرمة له48 .

وروي عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال : إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك ؛ فهما زانيان أبدا ، وبهذا أخذ مالك – رضي الله عنه – فرأى أنه لا ينكحها حتى يستبرئها من مائه الفاسد ، لأن النكاح له حرمة ، ومن حرمته ألا يصب على ماء السفاح ، فيختلط الحرام بالحلال ، ويمتزج ماء المهانة بماء العزة49 .

5 – بدأت الآية هنا بالحديث عن الزاني ، وفي الآية السابقة بدأت بالحديث عن الزانية .

لأن الآية الثانية من سورة النور تتكلم عن حد الزناة ، والزنا من المرأة أشنع ، لما يترتب عليه من اختلاط الأنساب وغيره ، فقال : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مائَةَ جَلْدَةٍ . . .

أما الآية الثالثة فتتحدث عن الزواج ، والرجل فيه هو الأصل ، لأن إبداء الرغبة والتماس النكاح بالخطبة ، إنما يكون من الرجل لا من المرأة في مجرى العرف والعادة ، فبدأت الآية بالزاني لا بالزانية ، حيث قالت : الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .

6 – قال أبو الأعلى المودودي :

ومقصود الآية أن الفجار الذين يظهرون فجورهم ويعلنون خلاعتهم في المجتمع ، ليس الميل إليهم والاتصال بهم بصلة النكاح ، إلا ذنبا يجب أن يجتنبه أهل الإيمان ، لأن ذلك مما يشجع الفجار ، إذ إن الشريعة تريد أن تجعلهم في المجتمع عنصرا قبيحا يعافه الناس ، وكذلك ليس معنى الآية أن نكاح الزاني المسلم لامرأة مشركة ، أو نكاح الزانية المسلمة لرجل مشرك ، صحيح ، وإنما معنى الآية : أن الزنا فعل شنيع ، إذا ارتكبه أحد مع كونه مسلما ، لا يجدر بأن يرتبط بالصالحين الأعفاء ، من أفراد المجتمع ، بل عليه أن يرتبط إما بأمثاله من الزناة والفجار ، أو بالمشركين الذين لا يعتقدون أصلا بالأحكام الإلهية50 .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (3)

ولما كان في ذلك من الغلظة على الزاني لما ارتكب من الحرام المتصف بالعار ما يفهم مجانبته ، صرح به ، مانعاً من نكاح المتصف بالزنا من ذكر وأنثى ، إعلاماً بأن وطء من اتصف به من رجل أو امرأة لا يكون إلا زنا وإن كان بعقد ، فقال واصلاً له بما قبله : { الزاني لا ينكح } أي لا يتزوج { إلا زانية أو مشركة } أي المعلوم اتصافه بالزنا مقصور نكاحه على زانية أو مشركة ، وذلك محرم ، فهذا تنفير للمسلمة عن نكاح المتصف بالزنا حيث سويت بالمشركة إن عاشرته ، وذلك يرجع إلى أن من نكحت زانياً فهي زانية أو مشركة ، أي فهي مثله أو شر منه ، ولو اقتصر على ذلك لم يكن منع من أن ينكح العفيف الزانية ، فقال تعالى مانعاً من ذلك : { والزانية لا ينكحها } أي لا يتزوجها { إلا زان أو مشرك } أي والمعلوم اتصافها بالزنا مقصور نكاحها على زان أو مشرك ، وذلك محرم فهو تنفير للمسلم أن يتزوج من اتصفت بالزنا حيث سوى في ذلك بالمشرك ، وهو يرجع إلى أن من نكح زانية فهو زان أو مشرك ، أي فهو مثلها أو شر منها ، وأسند النكاح في الموضعين إلى الرجل تنبيهاً إلى أن النساء لا حق لهن في مباشرة العقد ؛ ثم صرح بما أفهمه صدر الاية بقوله مبنياً للمفعول لأن ذلك يكفي المؤمن الذي الخطاب معه : { وحرم ذلك } أي نكاح الزاني والزانية تحريماً لا مثنوية فيه { على المؤمنين* } وعلم من هذا أن ذكر المشرك والمشركة لزيادة التنفير ، ثم إن هذا الحكم فسخ كما قال إمامنا الشافعي رحمه الله موافقة لابن المسيب بقوله تعالى{ وأنكحوا الأيامى منكم }[ النور : 32 ] وهو جمع أيم وهو من لا زوج له من الذكور والإناث ، فأحل للزاني أن ينكح من شاء ، وللزانية أن تنكح من شاءت ، وقراءة من قرأ { لا ينكح } بالنهي راجعة إلى هذا ، لأن الطلب قد يجيء للخبر كما يجيء الخبر للطلب - والله أعلم ؛ قال الشافعي رحمه الله تعالى ورضي الله عنه في الأم في جزء مترجم بأحكام القرآن وفي جزء بعد كتاب الحج الكبير والصغير والضحايا : ما جاء في نكاح المحدثين ، فذكر الآية وقال : اختلف أهل التفسير في هذه الاية اختلافاً متبايناً ، أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن مجاهد أن هذه الآية نزلت في بغايا من بغايا الجاهلية كانت على منازلهن رايات ، قال في الجزء الآخر : وكن غير محصنات ، فأراد بعض المسلمين نكاحهن فنزلت الآية بتحريم أن ينكحن إلا من أعلن بمثل ما أعلن به أو مشركاً ، وقيل كن زواني مشركات فنزلت لا ينكحهن إلا زان مثلهن مشرك ، أو مشرك وإن لم يكن زانياً ، وحرم ذلك على المؤمنين ، وقيل : هي عامة ولكنها نسخت ، أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال : هي منسوخة نسختها وانكحوا الأيامى منكم }[ النور : 32 ] فهي من أيامي المسلمين ، فهذا كما قال ابن المسيب إن شاء الله تعالى ، وعليه دلائل من الكتاب والسنة ، ثم استدل على فساد غير هذا القول بأن الزانية إن كانت مشركة فهي محرمة على زناة المسلمين وغير زناتهم بقوله تعالى{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن }[ البقرة : 221 ] ولا خلاف في ذلك ، وإن كانت مسلمة فهي بالإسلام محرمة على جميع المشركين بكل نكاح بقوله تعالى{ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن }[ الممتحنة : 10 ] ولا خلاف في ذلك أيضاً ، وبأنه لا اختلاف بين أحد من أهل العلم أيضاً في تحريم الوثنيات عفائف كن أو زواني على من آمن زانياً كان أو عفيفاً ، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد بكراً في الزنا وجلد امرأة ولم نعلمه قال للزاني : هل لك زوجة فتحرم عليك إذا زنيت ، ولا يتزوج هذا الزاني ولا الزانية إلا زانية أو زانياً ، بل قد يروى أن رجلاً شكا من امرأته فجوراً فقال : طلقها ، قال : إني أحبها ، قال : استمتع بها - يشير إلى ما رواه ابو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إن امرأتي لا تمنع يد لامس ، قال : طلقها ، قال : إني لا أصبر عنها ، قال : فأمسكها " ورواه البيهقي والطبراني من حديث جابر رضي الله عنه ، وقال شيخنا ابن حجر : إنه حديث حسن صحيح - انتهى . قال الشافعي : وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لرجل اراد أن ينكح امرأة أحدثت : أنكحها نكاح العفيفة المسلمة - انتهى بالمعنى . وقال في الجزء الذي بعد الحج : فوجدنا الدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في زانية وزان من المسلمين لم نعلمه حرم على واحد منهما أن ينكح غير زانية ولا زان ، ولا حرم واحداً منهما على زوجه ؛ ثم قال : فالاختيار للرجل أن لا ينكح زانية وللمرأة أن لا تنكح زانياً ، فإن فعلا فليس ذلك بحرام على واحد منهما ، ليست معصية واحد منهما في نفسه تحرم عليه الحلال إذا أتاه ، ثم قال : وسواء حد الزاني منهما أو لم يحد ، أو قامت عليه بينة أو اعترف ، لا يحرم زنا واحد منهما ولا زناهما ولا معصية من المعاصي الحلال إلا أن يختلف ديناهما بشرك وإيمان - انتهى . وقد علم أنه لم يرد أن هذا الحكم نسخ بآية الأيامى فقط ، بل بما انضم إليها من الإجماع وغيره من الآيات والأحاديث بحيث صير ذلك دلالتها على ما تناولته متيقناً كدلالة الخاص على ما تناوله ، فلا يقال : إن الشافعي رحمه الله خالف أصله في أن الخاص لا ينسخ بالعام ، لأن ما تناوله الخاص متيقن ، وما تناوله العام ظاهر مظنون ، وكان هذا الحكم - وهو الحرمة في أول الإسلام بعد الهجرة - لئلا يغلب حال المفسد على المصلح فيختل بعض الأمر كما أشير إليه في البقرة ولا تنكحوا المشركات }[ البقرة : 221 ] وفي المائدة عند{ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله }[ المائدة : 5 ] وهو من وادي قوله :عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل خليل بالمخالل يقتدي

والجنسية علة الضم ، والمشاكلة سبب المواصلة ، والمخالفة توجب المباعدة وتحرم المؤالفة ، وقد روى أبو داود في الأدب والترمذي في الزهد - وقال : حسن غريب - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " وروى الإمام أبو يعلى الموصلي في مسنده قال : حدثنا يحيى بن معين حدثنا سعيد بن الحكم حدثنا يحيى بن أيوب حدثني يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت : كانت امرأة بمكة مزاحة ، يعني فهاجرت إلى المدينة الشريفة ، فنزلت على امرأة شبه لها ، فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت صدق حبي ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " قال : ولا أعلم إلا قال في الحديث : ولا نعرف تلك المرأة ، وسيأتي عند { والطيبات للطيبين } تخريج " الأرواح جنود مجندة " وقال الإمام أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري في كتاب المجالسة : حدثنا أحمد بن علي الخزاز حدثنا مصعب بن عبدالله عن أبي غزية الأنصاري قال : قال الشعبي : يقال : إن لله ملكاً موكلاً بجمع الأشكال بعضها إلى بعض - انتهى . وعزاه شيخنا الحافظ أبو الفضل ابن حجر في تخريج أحاديث مسند الفردوس إلى أنس رضي الله عنه وقال : بتأليف الأشكال . ويروى أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه خطب أهل الكوفة بعد ثلاثة أيام من مقدمه عليهم فقال : يا أهل الكوفة ، قد علمنا شراركم من خياركم ، فقالوا : كيف وما لك إلا ثلاثة أيام ؟ فقال : كان معنا شرار وخيار ، فانضم خيارنا إلى خياركم ، وشرارنا إلى شراركم ، فلما تقررت الأحكام ، وأذعن الخاص والعام ، وضرب الدين بجرانه ، ولم يخش وهي شيء من بنيانه ، نسخت الحرمة ، وبقيت الكراهة أو خلاف الأولى - والله الموفق . وهذا كله توطئة لبراءة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كما يأتي إيضاحه عنه { والطيبات للطيبين } لأنها قرينة خير العالمين وأتقاهم وأعفهم ، ولأن كلاًّ منها ومن صفوان رضي الله عنهما بعيد عما رمى به شهير بضده ، وإليه الإشارة

" بقول النبي صلى الله عليه وسلم : من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي ، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً ، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً " وفي رواية " ما علمت عليه من سوء قط ، ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر " وبقول عائشة رضي الله عنها عن صفوان رضي الله عنه : إنه قتل شهيداً في سبيل الله . وهذا سوى الآيات المصرحة والأعلام المفصحة ، فهو { والطيبون } تلويح قبل بيان ، وتصريح وإشارة بعد عبارة وتوضيح ، ليجتمع في براءة الصديقة رضي الله عنها دليلان عقليان شهوديان اكتنفا الدليل النقلي فكانا سوراً عليه ، وحفظاً من تصويب طعن إليه ، وفي ذلك من فخامة أمرها وعظيم قدرها ما لا يقدره حق قدره إلا الذي خصها به .