تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّـٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (61)

الأكل من بيوت الأقارب

{ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون ( 61 ) } .

أسباب النزول :

قال الحسن : أنزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم ، وضع الله عنه الجهاد ، وكان أعمى .

وقال ابن عباس :

نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو ، خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غازيا وخلف مالك بن زيد مع أهله ، فلما رجع وجده مجهودا ، فسأل عن حاله فقال : تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

وهناك روايات أخرى في أسباب النزول تجدها في كتب التفسير ، وهي ما يعبر عنه بالسبب المباشر ، بيد أن ذلك لا يمنع أن تكون هناك أسباب عامة نزلت من أجلها الآية .

ومن هذه الأسباب ما يأتي :

الأول : هذا الانقلاب الهائل الذي حدث في عقلية العرب بتعاليم القرآن الخلقية ، وجعل حسهم مرهفا في التمييز بين الحلال والحرام ، والجائز وغير الجائز ، حتى أنه لما نزل قوله تعالى : وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ . . . ( البقرة : 188 ) . قال المسلمون : إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ، والطعام من أفضل الأموال ، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد ؛ فكف الناس عن ذلك ؛ فأنزل الله عز وجل : ليس على الأعمى حرج . . . إلى : أو ما ملكتم مفاتحه248 .

الثاني : اشتملت الآية على جزءين .

( أ‌ ) رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض ، وغيرهم من المعذورين في التخلف عن الجهاد ، أو في الأكل من بيوت غيرهم .

( ب‌ ) رفع الحرج عن سائر الناس في أكلهم من بيوت أقربائهم المذكورين في الآية .

التفسير :

61 - لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ . . . الآية .

الحرج : الضيق ، ومنه : الحرجة ، للشجر الملتف بعضه ببعض لضيق المسالك فيه ، والمراد بالحرج هنا : الإثم .

ما ملكتم مفاتحه : المفاتح : جمع مفتح أو مفتاح ، وملك المفتاح كناية عن كون الشيء تحت يد الشخص وتصرفه ، كأن يكون وكيلا عن رب المال ، أو أمينا وحافظا .

الصديق : من يصدق في مودتك وتصدق في مودته ، يطلق على الواحد والجمع ، كالخليط والعدو ، والمراد بالصديق هنا : الجمع .

جميعا : مجتمعين .

أشتاتا : متفرقين ، واحدهم شتيت .

على أنفسكم : أي : على أهل البيوت .

تحية : أصل معنى التحية : طلب الحياة ، كأن يقول : حياك الله ، ثم توسع فيه فاستعمل في كل دعاء ، وتحية الإسلام : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

مباركة : بورك فيها بالأجر .

طيبة : تطيب بها نفس السامع .

أي : ليس على هؤلاء الثلاثة إثم في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم . ونحو الآية قوله تعالى : لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ . . . ( التوبة : 91 ) .

وقوله عز شأنه : لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ . . . ( النساء : 95 ) .

وعن ابن عباس : أن المراد من الحرج المنفي في الآية : الحرج في الأكل ، ذلك أنه لما نزل قوله تعالى : وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ . . . ( البقرة : 188 ) ، تحرج المسلمون من مؤاكلة الأعمى لأنه لا يبصر موضع الطعام الطيب ، والأعرج لأنه لا يستطيع المزاحمة على الطعام ، والمريض لأنه لا يستطيع استيفاء الطعام ؛ فأنزل الله هذه الآية ، والمعنى على هذه الرواية : ليس في مؤاكلة الأعمى ولا ما بعده حرج .

وقيل : كانوا يخرجون إلى الغزو ، ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ، ويدفعون إليهم المفاتيح ، ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم فكانوا يتحرجون ، فقيل : ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تحرجوا عنه ، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت .

هذا بعض ما ذكر المفسرون ، ولا يخفى صدق الآية على جميع ذلك ونفي الحرج عنه كله .

وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ . . .

إنما ذكر هذا وهو معلوم ليعطف عليه غيره في اللفظ ، وليساوى به ما بعده في الحكم ، وتضمن هذا بيوت الأبناء لأنه لم ينص عليهم ، وقد استدل بهذا من ذهب إلى أن مال الولد بمنزلة مال أبيه ، وقد جاء في المسند والسنن من غير وجه ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( أنت ومالك لأبيك )249 .

وقال الترمذي الحكيم : ووجه قوله تعالى : وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ . . . كأنه يقول : مساكنكم التي فيها أهاليكم وأولادكم ، فيكون للأهل والولد هناك شيء قد أفادهم هذا الرجل الذي له المسكن ، فليس عليه حرج أن يأكل معهم من ذلك القوت ، أو يكون للزوجة والولد هناك شيء من ملكهم فليس عليه ي ذلك حرج250 .

أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ . . .

لما علم بالعادة أن هؤلاء تطيب نفوسهم بأكل من يدخل عليهم من الأقارب . وقد يستدل به من يوجب نفقة الأقارب بعضهم على بعض ، كما هو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل في المشهور عنهما .

وجاء في ظلال القرآن :

ولأن الآية آية تشريع ، فإنا نلحظ فيها دقة الأداء اللفظي ، والترتيب الموضوعي ، والصياغة التي لا تدع مجالا للشك والغموض ، كما نلمح فيها ترتيب القرابات ، فهي تبدأ ببيوت الأبناء والأزواج ولا تذكرهم ، بل تقول الآية : من بيوتكم ، فيدخل فيها بيت الابن وبيت الزوج ، فبيت الابن بيت لأبيه ، وبيت الزوج بيت لزوجته ، وتليها بيوت الآباء ، فبيوت الأمهات ، فبيوت الإخوة ، فبيوت الأخوات ، فبيوت الأعمام ، فبيوت العمات ، فبيوت الأخوال ، فبيوت الخالات251 .

أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ . . .

عنى بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته ، فلا حرج عليه أن يأكل من ثمر الضيعة ، ويشرب من لبن الماشية ، ولكن لا يحمل ولا يدخر ، قال سعيد بن جبير ، والسدي : هو خادم الرجل من عبد وقهرمان ، فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف .

وقال الزهري : عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : كان المسلمون يذهبون مع النفير مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم ، ويقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما احتجتم إليه ، فكانوا يقولون : إنه لا يحل لنا أن نأكل ، إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم ، وإنما نحن أمناء : فأنزل الله : أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ . . .

أَوْ صَدِيقِكُمْ . . .

أي : بيوت أصدقائكم وأصحابكم ، فلا جناح عليكم في الأكل منها إذا علمتم أن ذلك لا يشق عليهم ولا يكرهونه .

قال قتادة : إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه .

وقال جماعة من المفسرين : إنما كان ذلك في صدر الإسلام ، ثم نسخ ، واستقرت الشريعة على أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا برضاه .

قال ابن زيد :

هذا شيء قد انقطع ، إنما كان في أوله ولم يكن لهم ستور أبواب ، أو كانت الستور مرخاة . فربما دخل الرجل البيت وليس فيه أحد ، وربما وجد الطعام وهو جائع ، فسوغ له أن يأكل منه ، ثم قال : ذهب ذلك اليوم . البيوت فيها أهلها ، فإذا خرجوا أغلقوها252 .

والصحيح الذي عليه المعول في دفع التعارض بين النصوص : أن إباحة الأكل من هذه البيوت مقيدة ومشروطة بما إذا علم الآكل رضا صاحب المال ، بإذن صريح أو قرينة ، فإذا دل ظاهر الحال على رضا المالك ؛ قام ذلك مقام الإذن الصريح253 .

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا . . .

أي : لا حرج عليكم أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين ، فقد كان من عادات بعضهم في الجاهلية ألا يأكل طعاما على انفراد ، فإن لم يجد من يؤاكله عاف الطعام .

قال القرطبي :

قيل : إنها نزلت في بني ليث بن بكر ، وهم حي من كنانة ، كان الرجل منهم لا يأكل وحده ، ويمكث أياما جائعا حتى يجد من يؤاكله ، ومنه قول بعض الشعراء :

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له *** أكيلا فإني لست آكله وحدي

قال ابن عطية : وكانت هذه السيرة موروثة عندهم عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم فإنه كان لا يأكل وحده254 .

وروى أن قوما من الأنصار كانوا إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم255 ولو ترتب على ذلك لحوق الضرر بهم وتعطيل مصالحهم ، فنزلت الآية الكريمة لنفي الجناح عن الناس في أكلهم مجتمعين أو متفرقين ، وتوسيع الأمر عليهم في ذلك ، وبيان أن أمر الطعام ليس من العظم بحيث يحتاط فيه إلى هذا الحد ، وتراعى فيه الاعتبارات الدقيقة المعنتة256 .

فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ . . .

أي : فإذا دخلتم بيتا من هذه البيوت فليسلم بعضكم على بعض . وفي الآية تعبير لطيف عن قوة الرابطة بين المذكورين ، فالذي يسلم منهم على قريبه أو صديقه يسلم على نفسه .

تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً . . .

أي : حيوا تحية ثابتة بأمره تعالى ، مشروعة من لدنه ، يرجى بها زيادة الخير والثواب ، ويطيب بها قلب المستمع .

أخرج البخاري وغيره ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم ، تحية من عند الله مباركة طيبة )257 .

وأخرج الحافظ البزار ، عن أنس بن مالك قال : أوصاني النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخمس خصال قال : ( يا أنس ، أسبغ الوضوء يزد في عمرك ، وسلم على من لقيت من أمتي تكثر حسناتك ، وإذا دخلت – يعني : بيتك – فسلم على أهلك يكثر خير بيتك ، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك ، يا أنس ، ارحم الصغير ، ووقر الكبير تكن من رفقائي يوم القيامة )258 .

كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون .

بين الله لكم معالم دينكم ، كما فصل لكم في هذه السورة الكريمة من الأحكام المحكمة ، والشرائع المتقنة المبرمة ؛ لكي تفقهوا أمره ونهيه وأدبه ، وتأخذوا بأسباب السيادة ، وتدركوا ما في المنهج الإلهي من حكمة وتقدير .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّـٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} (61)

ولما أتم سبحانه ما ذكر من حرمات البيوت المستلزمة لصيانة الأبضاع على وجه يلزم منه إحراز الأموال ، أتبعه ما يباح من ذلك للأكل الذي هو من أجلّ مقاصد الأموال اجتماعاً وانفراداً ، فقال في جواب من كأنه سأل : هل هذا التحجير في البيوت سارٍ في الأقارب وغيرهم في جميع الأحوال ؟ : { ليس على الأعمى حرج } أي في مؤاكلة غيره وما يأتي من الأحكام ، وإن كره غيره أكله لمد يده كيفما اتفق فإنه مرحوم ، والاستئذان من أجل البصر { ولا على الأعرج } الذي لايرجى { حرج } وإن تقذر منه بعض المترفين فإنه يجامعه في أنه يرحم لنقصه { ولا على المريض } أي مرضاً يرجى بعرج أو غيره { حرج } كذلك لمرضه ، وأخره لرجاء برئه { ولا على أنفسكم } أي ولا على غير من ذكر ، وعبر بذلك تذكيراً بأن الكل من نفس واحدة { أن تأكلوا من بيوتكم } أي التي فيها عيالكم ، وذكرها سبحانه لئلا يحصل من تركها لو تركها ريبة ، وليدخل فيها بيوت الأولاد لأنهم من كسب الأب " أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه " " أنت ومالك لأبيك " { أو بيوت آبائكم } وإن بعدت أنسابكم - ولعله جمع لذلك - فإنها مرباكم وحرمتها حرمتكم { أو بيوت أمهاتكم } كذلك ، وقدم الأب لأنه أجل وهو حاكم بيته دائماً والمال له { أو بيوت إخوانكم } من الأبوين أو الأب أو الأم بالنسب أو الرضاع ، فإنهم من أولى من رضي بذلك بعد الوالدين ، لأنهم أشقاؤكم ، وهم أولياء بيوتهم { أو بيوت أخواتكم } فإنهن بعدهم ، من أجل أن ولي البيت - إذا كن مزوجات - الزوج { أو بيوت أعمامكم } فإنهم شقائق آبائكم سواء كانوا أشقاء أو لأب أو أم ، ولو أفرد العم لتوهم أنه الشقيق فقط فإنه أحق بالاسم { أو بيوت عماتكم } فهن بعد الأعمام لضعفهن ، ولأنه ربما كان أولياء بيوتهن الأزواج { أو بيوت أخوالكم } لأنهم شقائق أمهاتكم { أو بيوت خالاتكم } أخرهن لما ذكر { أو ما ملكتم مفاتحه } أي التصرف فيه بوجه من الوجوه كالوكالة { أو صديقكم } الذي تعرفون رضاه بذلك ولو بقرينة كما هو الغالب ، ولذلك أطلقه ، وإن لم يكن أمكنكم من مفتاحه بل كان عياله فيه ، كل ذلك من غير إفساد ولا حمل ولا ادخار ، وقد عدل الصديق هنا بالقريب ، تنبيهاً على شريف رتبة الصداقة ولطيف سرها ، وخفيف أمرها ، وأفرده لعزته ؛ وعن جعفر بن محمد : من عظم حرمة الصديق أن جعله كالنفس والأب ومن معه . قال الأصبهاني : وقالوا : إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح ، وبما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل .

ولما ذكر معدن الأكل ، ذكر حاله فقال : { ليس عليكم جناح } أي شيء من الإثم الذي من شأنه أن يميل بصاحبه عن السواء في { أن تأكلوا جميعاً } أي مجتمعين وإن كان بينكم ناقص الخلقة ، لأن من كان معرضاً للآفات جدير بأن يرحم المبتلى ، فلا يستقذره حذراً من انعكاس الحال .

ولما رغب في أول الإسلام - لما كان فيه أكثر الناس من الضيق - في المؤاساة ، والاجتماع مع الضيوف ، ترغيباً ظن به الوجوب ، مع ما كانوا عليه من الكرم الباعث على الجود والاجتماع للأنس بالمحتاج ، خفف عنهم بقوله : { أو أشتاتاً } أي متفرقين لغير قصد الاستقذار ، والترفع والإضرار ، وإن كان الأكل في جماعة أفضل وأبرك - كما يفهمه تقديمه ، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده " أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا نأكل ولا نشبع ، قال : " فلعلكم تأكلون متفرقين ؟ اجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه " " ولابن ماجه عن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كلوا جميعاً ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة " .

ولما ذكر موطن الأكل وكيفيته ، ذكرالحال التي يكون عليها الداخل إلى تلك المواطن أو غيرها ، فقال مسبباً عما مضى من الإذن ، معبراً بأداة التحقيق ، بشارة بأنهم يطيعون بعد أن كانوا تحرجوا من ذلك حين أنزل تعالى

{ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل }[ النساء : 29 ] : { فإذا دخلتم } أي بسبب ذلك أو غيره { بيوتاً } أي مأذوناً فيها ، أيّ بيوت كانت مملوكة أو لا ، مساجد أو غيرها { فسلموا } عقب الدخول { على أنفسكم } أي أهلها الذين هم منكم ديناً وقرباً ، وعبر بذلك ترغيباً في السلام ، والإحسان في الإكرام ، ولتصلح العبارة لما إذا لم يكن فيها أحد فيقال حينئذ " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز { تحية } مصدر من المعنى دون اللفظ ، أو أوقعوا الدعاء للمحيي بسلامة وحياة وملك بقاء { من عند الله } أي هي جديرة لتمام حسنها أن تضاف إلى من له الكمال كله سبحانه { مباركة } أي ثابتة أعظم ثبات بكونها موافقة لما شرع الله من خالص قلوبكم { طيبة } تلذذ السمع ؛ ثم وصف البيان ، تنبيهاً على ما في هذه الآيات من الحسن والإحسان ، فقال مستأنفاً كما مر غير مرة : { كذلك } أي مثل هذا البيان ، العظيم الشأن { يبين الله } أي المحيط بكل شيء { لكم الآيات } التي لا أكمل منها .

ولما كان الله تعالى ، بعلمه وحكمته ، وعزه وقدرته ، ولطفه وخبرته ، قد خلق عقلاً نيراً يهدي إلى الحق ، وإلى طريق مستقيم ، وقسمه بين عباده ، وخلق فيهم أنواعاً من العوائق لذلك العقل عن النفوذ على سمت الاستقامة ، من الهوى والكسل ، الفتور والملل ، جعلها حجباً تحجبه عن النفوذ ، وتستر عنه المدارك ، و تمنعه من البلوغ ، إلا برياضات ومجاهدات تكل عنها القوى ، وتضعف عندها العزائم ، فلا يكاد الماهر منهم يرتب قياساً صحيحاً ، لغلطه في المقدمات ، فتكون النتيجة حينئذ فاسدة القاعدة ، واهية الأساس ، فكانوا لا يزالون لذلك مختلفين ، حتى يوصلهم الاختلاف إلى الإحن ، والمشاجرة والفتن ، فيجرهم إلى السيف وذهاب النفوس وتلف الأرواح ، فأنزل سبحانه لهم في كل وقت شرعاً يليق بذلك الزمان على لسان رسول من رسله عليهم الصلاة والسلام ، جعل ذلك الشرع يطابق العقل السوي ، والنور الضوي ، والمنهل الروي ، والسبب القوي ، من تمسك به هدي ولم يزغ ، حد فيه سبحانه حدوداً ، وأقام فيه زواجر ، لتظهر حكمته ، ويتضح علمه وقدرته ، فصارت شرائع متفقة الأصول ، مختلفة الفروع ، بحسب الأزمنة ، إشارة إلى أن الفاعل في تغيير الأحكام بحسب الأزمان واحد مختار ، وامتحاناً للعباد ، تمييزاً لأهل الصلاح منهم من أهل الفساد ، وكانت الإغارة على شيء من الأعراض والأموال على غير ما أذن فيه تُذهب العقول ، وتعمي البصائر ، ختم الآية بقوله : { لعلكم تعقلون* } أي لتكونوا على رجاء عند من يصح منه الرجاء من ثبات هذا الوصف لكم ، وهو ضبط النفوس وردها عن الأهوية ، باتباع آيات الشرع التي أنزلها الذي كرر وصفه هنا بأنه عليم حكيم ، فلا تتولوا بعد قولكم ( سمعنا وأطعنا }[ المائدة : 7 ] عن الإذعان للأحكام وأنتم معرضون .