تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ} (83)

{ أفغير دين الله يبغون وله أسلم من السموات والأرض طوعا وكرها وإليه ترجعون قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين }

المفردات :

أسلم : دان بالإسلام او انقاد وخضع .

التفسير :

83- { أفغير دين الله يبغون وله اسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه ترجعون } .

سبب النزول :

ذكر الواحدي في سبب النزول عن ابن عباس رضي الله عنهما : ان اهل الكتاب اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام كل فرقة زعمت انها أولى بدينه . فقال صلى الله عليه وسلم : " كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم " فغضبوا وقالوا : والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فانزل الله هذه الآية ( 199 ) .

وعلى أي حال كان سبب النزول فالكلام في هذه الآية مع اهل الكتاب الذين استمسكوا بدينهم ونازعوا في الإسلام وأعرضوا عنه .

فبعد ان اخبرهم الله تعالى أنه أوصى الانبياء بتأييده ونصرته وأنذر من تولى عنه ووبخهم على إعراضهم وأنكر عليهم قال ما معناه :

أيتولى هؤلاء عن الإسلام إلى أديانهم المحرفة المنسوخة فيبغون بذلك دينا غير دين الله كيف يطلبون في دينه سبحانه وتعالى وقد استسلم وخضع له من في السموات والأرض طائعين وكارهين فمشيئة الله نافذة فيهم وقدره جار عليهم أحبوا ذلك ام كرهوا فالصحيح مستسلم لقدر الله محب لما وهبه الله من صحة والعليل منقاد لقدر الله بمرضه طوعا وكرها . . .

وهكذا كل أقدار الله تجري في خلقه فيخضعون لها وإن جرت على غير ما يحبون ويشتهرون فما شاءه الله كان وما لم يشأ لم يكن فكيف يتمرد اهل الكتاب على دين هذا الإله القوي الفعال ويكفرون به مع انهم إليه يرجعون مقهورين فيحاسبهم على طغيانهم وكفرهم .

وتحتمل ان يكون المراد به : ما يشتمل العقلاء وغيرهم ويكون المعنى ولمشيئته تعالى خضع وإنقاذ جميع الكائنات في السموات والأرض : طائعة او مسخرة كما في قوله تعالى { ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ( الحج 18 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ} (83)

ولما كان المدرك لكل نبي إنما هم أمة النبي الذي قبله ، وكانوا يكذبونه ويخالفونه قال - خاتماً لهذه القصص بعد الشهادة بنفسه المقدسة بما بدأها

به في قوله { شهد الله } الآية إلى { إن الدين عند الله الإسلام } على وجه الإنكار والتهديد عاطفاً على ما دل عليه السياق - : { أفغير } أي أتولوا{[18151]} ففسقوا ، فتسبب عن ذلك أنهم غير{[18152]} دين الله{[18153]} ، وأورد{[18154]} بأن{[18155]} تقديم " غير " يفهم أن الإنكار منحط{[18156]} على طلبهم اختصاصاً{[18157]} لغير دين الله ، وليس ذلك هو المراد كما لا يخفى ، وأجيب بأن تقديمه{[18158]} الاهتمام بشأنه في الإنكار ، والاختصاص متأخر مراعاته عن نكبة{[18159]} غيره - كما تقرر في محله { {[18160]}دين الله{[18161]} } الذي اختص بصفات الكمال { يبغون } أي يطلبون بفسقهم ، {[18162]}أو أتوليتم{[18163]} - على قراءة الخطاب

{ وله{[18164]} } أي والحال أنه له خاصة { أسلم } أي خضع بالانقياد{[18165]} لأحكامه والجري تحت {[18166]}مراده وقضائه{[18167]} ، لا يقدرون على مغالبة قدره بوجه { من في السموات والأرض } وهم من لهم{[18168]} قوة الدفاع بالبدن والعقل فكيف بغيرهم { طوعاً } بالإيمان أو بما وافق أغراضهم { وكرهاً } بالتسليم لقهره في إسلام أحدهم وإن كثرت أعوانه وعز سلطانه إلى أكره{[18169]} ما يكره وهو صاغر داخر ، لا يستطيع أمراً ولا يجد نصراً{[18170]} { وإليه يرجعون{[18171]} * } بالحشر ، لا تعالجون مقراً ولا تلقون ملجأ ولا مفراً{[18172]} ، فإذا{[18173]} كانوا كذلك لا يقدرون على التفصي{[18174]} من قبضته بنوع قوة ولا حيلة في سكون ولا حركة فكيف يخالفون ما أتاهم من أمره على ألسنة رسله وقد ثبت أنهم رسله بما أتى به كل منهم من المعجزة ! ومن المعلوم أن المعاند للرسول صلى الله عليه وسلم معاند للمرسل .


[18151]:في ظ: أتو،
[18152]:في ظ: عين.
[18153]:زيد من ظ.
[18154]:من ظ، وفي الأصل: وارد، والعبارة من هنا إلى "في محله" ساقطة من مد.
[18155]:في ظ: أن.
[18156]:في ظ: محط.
[18157]:في الأصول: اختصاص.
[18158]:من ظ، وفي الأصل: تقديم.
[18159]:كذا في الأصل، وفي ظ: ثلاثة.
[18160]:سقط من ظ.
[18161]:سقط من ظ.
[18162]:في ظ: توليتم، وفي مد: أولتتم ـ كذا.
[18163]:في ظ: توليتم، وفي مد: أولتتم ـ كذا..
[18164]:زيد من ظ ومد.
[18165]:زيد بعده في الاصل: له، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها. .
[18166]:في ظ: قضائه ومراده.
[18167]:في ظ: قضائه ومراده.
[18168]:من ظ ومد، وفي الأصل: له.
[18169]:من ظ ومد، وفي الأصل: كره.
[18170]:من ظ ومد، وفي الأصل: نصيرا.
[18171]:قرأ عاصم بياء الغيبة وقراءته شائعة في بلادنا، وقرأ الباقون بالخطاب وهي القراءة التي اختارها المفسر رحمه الله ـ راجع روح المعاني 1/622.
[18172]:من ظ، وفي الأصل ومد: مقرا.
[18173]:في ظ: فإن.
[18174]:من ظ ومد ـ بمعنى التخلص، وفي الأصل: المقتضى ـ كذا.