تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ} (79)

{ ما كان لبشر ان يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباد لي من دون الله ولكن كونوا ربانين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ انتم مسلمون }

المفردات :

والحكم : أي الحكمة وهي إصابة الحق .

ربانيين : منسوبين إلى الرب سبحانه والألف والنون يزدان للمبالغة كثيرا كلحياني العظيم اللحية ورقباني الغليظ الرقبة والمراد من الرباني : العالم الفقيه الراسخ في علوم الدين وقيل الحكيم التقي .

التفسير :

79- { ما كان لبشر ان يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون }

لا يزال الكلام متصلا مع وفد نجران فإنه روى ان السورة كلها إلى قوله { وإذ غدوت من أهلك . . . } نزلت بسببهم . . . ذكره القرطبي .

وروى ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام : أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مر يم ؟ فقال رجل من اهل نجران نصراني يقال له : الرئيس : أو ذاك تريد منا يا محمد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " معاذ الله أن نعبد غير الله او نأمر بعبادة غيره ما بذلك أمرني " فانزل الله تعالى الآية ( 195 ) .

واخرج ابن أبي حاتم فقال : كان ناس من يهود يتعبدون الناس من دون ربهم بتحريفهم كتاب الله عن موضعه فقال : { ما كان لبشر . } الآية .

وأيا كان سبب النزول فمعنى الآية ما صح وما استقام لبشر اصطفاه ربه لتبليغ الرسالة إلى خلقه وأعطاه الكتاب الذي يرشد الناس إلى عبادة ربهم وأعطاه الحكمة أي حسن التصرف في الأمور وأعطاه النبوة العاصمة من الخطأ ثم يتنكر لربه الذي اختاره لهداية خلقه فيقول للناس كونوا عبادا لي إشراكا مع الله أو إفرادا : متجاوزين توحيد الله إلى ما طلبته منكم ولكن يقول لهم : كونوا علماء عاملين كاملين في العلم والعمل لأنكم تعلمون الناس والكتاب فأولى بكم ان تتبعوه ولا تحيدوا عنه .

والتعبير بلفظ ( ثم ) لاستعباد حصول ذلك القول من الرسول .

وإذا كان لا يصح لبشر آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة ان يدعو الناس إلى عبادة نفسه فلا يصح له أن يدعوهم إلى عبادة غيره من باب أولي .

وبهذه الآية حصل الرد البليغ من الله تعالى على النصارى الذين ألهوا المسيح وعبدوه وعلى اليهود الذين ألهوا عزيرا وقدسوه وعلى من زعم ان محمدا صلى الله عليه وسلم يقصد بنبوته ان يدعو الناس إلى عبادته وإلى الأحبار الذين يتعبدون الناس من دون ربهم بتحريفهم كتاب الله عن موضعه لمصلحتهم .

وخلاصة الرد : أن رسل الله براء مما يصنعه أتباعهم فإنهم لا يعقل ان يأمرهم بهذا الكفر وذلك هو ما يقوله عيسى عليه السلام لربه لما يسأله : { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } ثم قال : { سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ( المائدة 116- 117 ) .

والآية توجب على اهل العلم ان يقرونه بالعمل حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ} (79)

ولما فرغ من بيان ما أراد من كتمانهم للحق مع الإشارة إلى بعض توابعه إلى أن ختم بأنهم لا يتحاشون من الكذب على الله المقتضي للكذب على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، لأنهم لا علم{[18082]} لهم بقول الله سبحانه وتعالى إلا بواسطة الأنبياء عليهم السلام ، ومهما كان القول كذباً على الله سبحانه وتعالى اقتضى أن يكون{[18083]} تعبداً للمنسوب{[18084]} إليه من دون الله سبحانه وتعالى لأنه هو الذي شرعه ، وذلك{[18085]} موجب لأن يدعي أن النبي دعا إلى عبادته من دون الله سبحانه وتعالى ، وذلك بعد أن أوضح سبحانه وتعالى من صفات عيسى عليه الصلاة والسلام المقتضية{[18086]} لنفي الإلهية عنه ما لا يخفى على ذي لب شرع يبين أنهم كاذبون فيما يدعونه في عيسى عليه الصلاة والسلام ، فنفى أن يكون قال لهم ذلك أو شيئاً منه على وجه شامل له{[18087]} ولكل من اتصف بصفته وبسياق{[18088]} هو بمجرده كاف في إبطال قولهم{[18089]} فقال{[18090]} : { ما كان } أي صح ولا تصور بوجه من الوجوه { لبشر } أي من البشر كائناً من كان من عيسى وعزير عليهما الصلاة والسلام وغيرهما { أن يؤتيه الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً { الكتاب والحكم } أي الحكمة المهيئة{[18091]} للحكم ، وهي العلم المؤيد بالعمل والعمل المتقن بالعلم ، لأن أصلها الإحكام ، وهو وضع الشيء في محله بحيث يمتنع فساده{[18092]} { والنبوة } وهي{[18093]} الخبر من الله سبحانه وتعالى المقتضي لأتم الرفعة ، يفعل{[18094]} الله به{[18095]} ذلك الأمر الجليل وينصبه للدعاء إلى اختصاصه{[18096]} الله بالعبادة وترك الأنداد { ثم } يكذب على الله سبحانه وتعالى بأن { يقول للناس كونوا عباداً لي }{[18097]} .

ولما كان ذلك{[18098]} قد يكون{[18099]} تجوزاً عن{[18100]} قبول قوله والمبادرة لامتثال أمره عن الله سبحانه وتعالى احترز عنه بقوله : { من دون الله } أي المختص بجميع صفات الكمال{[18101]} {[18102]}إذ لا يشك عاقل أن{[18103]} من أوتي نبوة وحكمة - وهو{[18104]} بشر - في غاية البعد عن ادعاء مثل ذلك ، لأن كل صفة من صفاته - لا سيما تغير بشرته الدالة على انفعالاته - مستقلة {[18105]}بالإبعاد عن{[18106]} هذه الدعوى ، فلم يبق لهم مستند ، لا من جهة عقل ولا من طريق نقل ، فصار قول مثل ذلك منافياً للحكمة التي هو متلبس بها ، فصح قطعاً انتفاؤه عنه .

ولما ذكر ما لا يكون له أتبعه ما له{[18107]} فقال : { ولكن } أي يقول { كونوا ربانيين } أي تابعين طريق الرب منسوبين إليه بكمال العلم المزين بالعمل ، والألف والنون زيدتا{[18108]} للإيذان بمبالغتهم في المتابعة ورسوخهم في العلم اللدني ، فإن{[18109]} الرباني هو الشديد التمسك بدين الله سبحانه وتعالى وطاعته ، قال محمد بن الحنفية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما مات : مات رباني هذه الأمة : { بما كنتم تعلمون الكتاب } أي بسبب كونكم عالمين به معلمين له { وبما كنتم تدرسون * } فإن فائدة الدرس العلم ، وفائدة العلم العمل ، ومنه الحث على الخير والمراقبة للخالق{[18110]} .


[18082]:في ظ: أعلم.
[18083]:من مد، وفي الأصل: تعبدا للمنشوب، وفي ظ: العبد النسوب.
[18084]:من مد، وفي الأصل: تعبدا للمنشوب، وفي ظ: العبد النسوب.
[18085]:زيد بعده في الأصل "مع الإشارة إلى بعض توابعه إلى أن ختم بأنهم لا يتحاشون من الكذب على" ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها، وقد مرت بعد "كتمانهم للحق".
[18086]:من ظ ومد، وفي الأصل: المقتضى.
[18087]:زيد من مد.
[18088]:في ظ: يساق.
[18089]:في ظ: قوله.
[18090]:من ظ ومد، وفي الأصل: قال.
[18091]:من ظ ومد، وفي الأصل: المهبة.
[18092]:من ظ ومد، وفي الأصل: إفساده.
[18093]:في ظ: هو.
[18094]:من مد، وفي الأصل: بفعل.؟
[18095]:زيد من ما بين ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[18096]:في ظ: اختصاص.
[18097]:زيد بعده في الأصل: إلى، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[18098]:في ظ: ذاك.
[18099]:من مد، وفي الأصل: تجور عن، وفي ظ: تجوزا عني.
[18100]:من مد، وفي الأصل: تجور عن، وفي ظ: تجوزا عني.
[18101]:في ظ: أي فلا.
[18102]:في ظ: أي فلا.
[18103]:في ظ: أي فلا.
[18104]:زيد من ظ ومد.
[18105]:سقطت الواو من مد.
[18106]:في ظ: للابعاد من، وفي مد: بالابعاد من.
[18107]:في ظ: قاله.
[18108]:من ظ ومد، وفي الأصل: زيدتان.
[18109]:من ظ ومد، وفي الأصل: قال.
[18110]:من مد، وفي الأصل وظ: للخالف.