بروح القدس : هو ملك الوحي ، جبريل عليه السلام .
الكتاب : الكتب السماوية ، أو الكتابة .
والحكمة : العلم الصحيح الذي يبعث الإنسان على إصابة الحق ؛ في الرأي والقول والعمل .
والتوراة : الكتاب الذي أنزله الله على موسى ، أساسا لشريعته . وينطبق عليه ما انطبق على التوراة في التسمية .
والأبرص : المريض ببياض الجلد . والبرص : مرض جلدي يغير لون البشرة إلى البياض .
سحر مبين : السحر ؛ تمويه وتخييل . به يرى الإنسان الشيء على غير حقيقته .
110- إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك إذ أيدتك بروح القدس . . . الآية .
يستمر هذا الدرس في بيان حقيقة الألوهية ، ويستعرض ذلك في مشهد من مشاهد القيامة ويذكر عيسى هنا حيث أن الناس قد أسرفوا في القول حوله .
يلتفت الخطاب إلى عيسى ابن مريم على الملإ ممن ألهوه وعبدوه وصاغوا حوله وحول أمه مريم التهاويل يلتفت إليه يذكره نعمة الله عليه ، وعلى والدته ، ويستعرض المعجزات التي آتاه الله إياها ، ليصدق الناس برسالته ( 38 ) .
وقال ابن كثير قوله : اذكر نعمتي عليك . أي في خلقي إياك من أم بلا ذكر ، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي . وعلى والدتك . حيث جعلتك لها برهانا على براءتها مما نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة . إذ أيدتك بروح القدس . وهو جبريل ، وجعلتك نبيا داعيا إلى الله في صغرك ، وكبرك ، فأنطقتك في المهد صغيرا فشهدت ببراءة أمك من كل عيب واعترفت لي بالعبودية .
تكلم الناس في المهد و كهلا . أي تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك ، وضمن تكلم معنى تدعو ، لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب ( 39 ) .
وروح القدس جبريل عليه السلام يؤيده في المهد بالنطق السليم ويؤيده في الكهولة بالتثبيت .
وقيل المراد بروح القدس روح عيسى حيث أيده سبحانه بطبيعة روحانية مطهرة في وقت سادت فيه المادية وسيطرت .
وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل .
يبين الحق سبحانه عددا من النعم على عيسى فقد جاء إلى الأرض لا يعلم شيئا فعلمه الكتابة ، أي أن عيسى لم يكن أميا ، بل كان قارئا وكاتبا ، وقيل المراد به ما سبقه من كتب النبيين كزبور داود وصحف إبراهيم ، أي جنس الكتاب فيشمل الكتب السابقة لأنها جميعا متفقة في أصول الشريعة .
وعلمتك . الحكمة . أي سداد الرأي ، وإصابة الحق ، وفهم أسرار العلوم .
والتوراة . التي أنزلتها على موسى .
والإنجيل . الذي أنزلته عليك لتكتمل بهما رسالتك .
وخصصهما بالذكر ، لأنهما أهم الكتب التي أنزلها الله على أنبياء بني إسرائيل ، ومنهما تؤخذ شريعة عيسى . وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني .
وهذه معجزة خارقة للعادة لا يقدر عليها بشر إلا بإذن الله فكان عيسى عليه السلام يصور من الطين مثل صورة الطير بأمر الله وتيسيره ، ثم ينفخ في هذه الصورة فتكون طيرا حقيقيا بتيسير الله . ليكون ذلك آية تدل على صدقه .
وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني .
وتذكر يا عيسى نعمتي عليك ، حين تبرئ الأكمه – وهو من ولد أعمى – فتمنحه الإبصار بإذن الله وتيسيره .
وتبرئ ( الأبرص ) وهو المريض بهذا المرض العضال . بإذني . وإذ تخرج الموتى بإذني .
واذكر وقت أن جعلت من معجزاتك أن تخرج الموتى من القبور أحياء ينطقون ويتحركون . . وكل ذلك بإذني ومشيئتي وإرادتي وقد ذكر المفسرون أن إبراء عيسى للأكمه والأبرص وإحياء الموتى كان عن طريق الدعاء ، وكان دعاؤه : يا حي يا قيوم ، وذكروا من بين من أحياهم سام بن نوح ( 40 ) .
وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين .
من الله على عيسى بالعديد من النعم ، وهنا ذكره بنعمته وقت أن صرف عنه أذى اليهود حين جاءهم بالمعجزات الواضحات سواء ما ذكر منها هنا ، أم في موضع آخر ، كإخبارهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ، فقال الكافرون منهم ، ما هذا الذي جئت به إلا سحر بين واضح .
ولما كان سؤاله سبحانه للرسل{[28051]} عن الإجابة متضمناً لتبكيت المبطلين وتوبيخهم ، وكان أشد الأمم افتقاراً{[28052]} إلى التوبيخ أهل الكتاب ، لأن تمردهم تعدى{[28053]} إلى رتبة الجلال بما وصفوه سبحانه به{[28054]} من اتخاذ الصاحبة والولد ، ومن ادعاء{[28055]} الإلهية لعيسى عليه السلام لما أظهر من الخوارق التي دعا{[28056]} بها إلى الله مع اقترانها بما يدل على عبوديته ورسالته لئلا يهتضم حقه أو يُغلى{[28057]} فيه ، مع مشاركتهم لغيرهم في أذى الرسل عليهم السلام بالتكذيب وغيره ، وكان في الآية السالفة ذكر الآباء وما آثروا للأبناء{[28058]} ، ذكر أمر عيسى عليه السلام بقوله مبدلاً من قوله : { يوم يجمع الله{[28059]} } معبراً بالماضي تذكيراً بما{[28060]} لذلك اليوم من تحتم{[28061]} الوقوع ، وتصويراً لعظيم تحققه ، وتنبيهاً على أنه لقوة قربه كأنه قد وقع ومضى : { إذ قال الله } أي المستجمع لصفات الكمال { يا عيسى } ثم بينه بما هو الحق من نسبه{[28062]} فقال : { ابن مريم } .
ولما كان ذلك يوم الجمع الأكبر والإحاطة بجميع الخلائق وأحوالهم في{[28063]} حركاتهم وسكناتهم ، وكان الحمد هو الإحاطة بأوصاف الكمال ، أمره بذكر حمده سبحانه على نعمته عنده فقال : { اذكر نعمتي عليك } أي في خاصة نفسك ، وذكر ما يدل للعاقل على أنه عبد مربوب فقال : { وعلى والدتك } إلى آخره مشيراً إلى أنه أوجده من غير أب فأراحه مما يجب للآباء من الحقوق وما{[28064]} يورثون أبناءهم من اقتداء أو اهتداء وإقامة بحقوق أمه ، فأقدره - وهو في المهد - على الشهادة لها بالبراءة والحصانة والعفاف{[28065]} ، وكل نعمة أنعمها سبحانه عليه صلى الله عليه وسلم فهي نعمة أمه ديناً ودنيا .
ولما ذكر سبحانه هذه الأمة المدعوة من العرب وأهل الكتاب وغيرهم بنعمه عليهم في أول السورة بقوله :{ اذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه{[28066]} }[ المائدة : 7 ] ، { واذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم{[28067]} }[ المائدة : 11 ] ، وكانت هذه الآيات من عند{ لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم }[ المائدة : 87 ] كلها في النعم ، أخبرهم أنه يذكّر عيسى عليه السلام بنعمه في يوم الجمع إشارة إلى أنهم إن لم يذكروا نعمه في هذه الدار دار العمل بالشكر ، ذكروها حين يذكّرهم بها في ذلك اليوم قسراً{[28068]} بالكفر ، و{[28069]} يا لها{[28070]} فضيحةً في ذلك الجمع الأكبر والموقف الأهول ! وليتبصّر أهل الكتاب فيرجعوا عن كفرهم{[28071]} بعيسى عليه السلام : اليهودُ بالتقصير في أمره ، والنصارى بالغلو في شأنه وقدره .
ولما كان أعظم الأمور التنزيه ، بدأ به كما فعل بنفسه الشريفة في كلمة الدخول إلى الإسلام ، ولما كان أعظم ذلك تنزيهه أمه عليها السلام وتصحيح ما خرق لها من العادة في ولادته ، وكان أحكم ما يكون ذلك بتقوية روحه حتى يكون كلامه طفلاً ككلامه كهلاً ، قدمه فقال معلقاً قارناً بكل نعمة ما يدل على عبوديته ورسالته ، ليخزي من غلا في أمره{[28072]} أو قصّر في وصفه وقدره{[28073]} : { إذ أيدتك } أي قويتك تقوية عظيمة { بروح القدس } أي الطهر الذي يحيي القلوب ويطهرها من أوضار الآثام ، ومنه جبرئيل عليه السلام ، فكان{[28074]} له منه{[28075]} في الصغر حظ لم يكن لغيره ؛ قال الحرالي : وهو يد بسط لروح الله في القلوب بما يحييها الله به من روح أمره إرجاعاً إليه في هذه الدار قبل إرجاع روح الحياة بيد القبض من عزرائيل عليه السلام ثم{[28076]} استأنف تفسير{[28077]} هذا التأييد فقال : { تكلم الناس } أي من أردت من عاليهم وسافلهم { في المهد } أي{[28078]} بما{[28079]} برأ الله به أمك{[28080]} وأظهر به كرامتك وفضلك .
ولما ذكر هذا الفضل العظيم ، أتبعه خارقاً آخر ، وهو إحياؤه نفسه وحفظُه جسدَه أكثر من ألف سنة لم يدركه الهرم ؛ فإنه رفع شاباً وينزل على ما رفع عليه ويبقى حتى يصير كهلاً ، وتسويةُ كلامه في المهد بكلامه في حال{[28081]} بلوغ الأشدّ وكمال العقل خرقاً لما جرت به العوائد فقال : { وكهلاً } ولما ذكر هذه الخارقة ، أتبعها روح العلم الرباني فقال : { وإذ علمتك الكتاب } أي الخط الذي هو مبدأ العلم وتلقيح لروح الفهم { والحكمة } أي الفهم لحقائق{[28082]} الأشياء والعمل بما يدعو إليه العلم { والتوراة } أي المنزلة على موسى{[28083]} عليه السلام { والإنجيل } أي المنزل عليك .
ولما ذكر تأييده بروح الروح ، أتبعه تأييده بإفاضة الروح على جسد{[28084]} لا أصل له فيها فقال : { وإذ تخلق من الطين } أي هذا الجنس { كهيئة الطير بإذني } ثم سبب عن ذلك قوله{[28085]} : { فتنفخ فيها } أي في الصورة المهيأة { فتكون } أي تلك الصورة التي هيأتها{[28086]} { طيراً بإذني } ثم بإفاضة روح ما على بعض جسد ، إما ابتداء في الأكمه{[28087]} كما في الذي قبله ، وإما إعادة{[28088]} كما في الحادث العمى والبرص بقوله : { وتبرئ الأكمة والأبرص } .
ولما كان من أعظم ما يراد بالسياق توبيخ من كفر به{[28089]} كرر قوله : { بإذني } ثم برد روح كامل إلى جسدها بقوله : { وإذ تخرج الموتى } أي{[28090]} من القبور فعلاً أو قوة حتى يكونوا كما كانوا من سكان البيوت { بإذني } ثم بعصمة روحه{[28091]} ممن أراد قتله بقوله : { وإذ كففت بني إسرائيل عنك } أي اليهود لما هموا بقتلك ؛ ولما كان ذلك ربما أوهم نقصاً استحلوا قصده به ، بين أنه{[28092]} قصد{[28093]} ذلك كعادة الناس مع الرسل والأكابر من أتباعهم تسلية لهذا النبي الكريم والتابعين له بإحسان فقال : { إذ جئتهم بالبينات } أي كلها ، بعضها بالفعل والباقي بالقوة لدلالة ما وجد عليه من الآيات الدالة على رسالتك الموجبة لتعظيمك { فقال الذين كفروا } أي غطوا تلك البينات عناداً { منهم إن } أي ما{[28094]} { هذا إلا سحر مبين * }