تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ} (31)

المفردات :

خذوا زينتكم : البسوا ثيابكم ؛ لستر عوراتكم .

التفسير :

يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين .

خلق الله الإنسان في هذه الحياة ، وخلق له وسائل الحياة ووسائل الزينة المباحة الحلال ، وأمره أن يأخذ نصيبه من الزينة ، وأن تكون الزينة في وجوه الخير والعبادة ، فالأعمال بالنيات ، وشتان بين من يتزين لإثارة الفتنة ، وإغواء الناس ، ومن يتزين متجها إلى بيوت العبادة والطاعة .

والآية دعوة إلهية إلى أن نهتم بالصلاة وأماكن العبادة ، وأن الزينة الحسنة ، والسمت الجميل ، عند الاتجاه إلى المساجد ، وبذلك يألف الناس المساجد والمجامع والمحافل ، ويتم التعارف والتآلف والتودد .

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن إهمال حسن المظهر وإهمال الشعر والثوب ، ونهى عن أكل البصل والثوم قبيل الاجتماعات ، وكل ما يجعل الإنسان مزعجا للآخرين .

كان أحد الصحابة مهملا في لباسه وشعره ؛ فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ألك زوجة تهتم بك ؟ قال : نعم . قال : اذهب إلى زوجتك ؛ لتأخذ لك من شعرك ، ولتنظف لك ثوبك ؛ فإنك سيد في قومك ، وما أراه لا يليق بك .

وهكذا علم النبي أصحابه النظافة والسمت الحسن ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( تزينوا وتنظفوا واستاكوا فإن بني إسرائيل ما كانوا يفعلون ذلك فزنت نساؤهم ) ( 40 ) .

كما حث الإسلام على العناية بالمسجد ونظافته وحسن رعايته ، حتى يؤدي دوره الروحي التثقيفي القيادي ، قال تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة . . .

( النور : 36 ، 37 ) .

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( من أكل ثوما أو بصلا ؛ فليعتزلنا ) ( 41 ) .

والمعنى : فليعتزل مساجدنا .

لقد بني الدين على النظافة ، ولذلك شرع الله الوضوء والاغتسال وطهارة الثوب والبدن والمكان ، وقال سبحانه : فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ( التوبة : 108 ) .

وهذه الآية دعوة لبني آدم أن يتزينوا بزينة الله عند التوجه إلى المساجد .

وهذه الآية دعوة لبني آدم . هو خطاب لجميع العالم ، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا ، فإنه عام في كل مسجد للصلاة ؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

وقال ابن عباس : كان بعض العرب يطوفون بالبيت عراة ، الرجال بالنهار ، والنساء بالليل ، يقولون : لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها ، فأنزل الله تعالى :

يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ( 42 ) .

وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين .

وفي هذه الفقرة أساس سلامة الجسم والنفس ، ودعوة إلى أن يأخذ الناس حظهم من طيبات الحياة ، وأن يذوقوا نعم الله التي وضعها بين أيديهم ، ولكن في غير إسراف بل في قصد واعتدال .

روى أن بني عامر كانوا أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتا ، ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم ، فهم المسلمون بمثله فنزلت ( 43 )

ولا تسرفوا . بتحريم الحلال ، أو بالتعدي إلى الحرام ، أو بالإفراط في الطعام والشره عليه .

قال البخاري : قال ابن عباس : ( كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان : سرف ومخيلة ( 44 ) .

وجاء في تفسير فتح القدير للشوكاني :

( نهاهم عن الإسراف ، فلا زهد في ترك مطعم ولا مشرب ، وتاركه بالمرة قاتل لنفسه وهو من أهل النار ) .

والمقلل منه على وجه يضعف به بدنه ، ويعجز عن القيام بما يجب عليه القيام به من طاعة ، أو سعى على نفسه ، وعلى من يعول ، مخالف لما أمر الله به وأرشد إليه ، والمسرف في إنفاقه على وجه لا يفعله إلا أهل السفه والتبذير ، مخالف لما شرعه الله لعباده ، واقع في النهي القرآني . . . ) اه .

إنه لا يحب المسرفين . أي : لا يرتضي فعلهم .

قال ابن كثير : قال بعض السلف : جمع الله الطب في نصف آية في قوله تعالى : وكلوا واشربوا ولا تسرفوا .

وكان الإمام الحسن بن علي إذا قام إلى الصلاة لبس أحسن ثيابه ، فقيل له : يا ابن بنت رسول الله ؛ لم تلبس أجمل ثيابك ؟ فقال : إن الله جميل يحب الجمال ، فأنا أتجمل لربي ؛ لأنه هو القائل : خذوا زينتكم عند كل مسجد ( 45 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ} (31)

ولما أمر سبحانه بالقسط وبإقامة الوجه عند كل مسجد ، أمرهم بما ينبغي عند تلك الإقامة من ستر العورة الذي تقدم الحث عليه وبيان فحش الهتك وسوء أثره معبراً عنه بلفظ الزينة ترغيباً فيه وإذناً في الزينة وبياناً لأنها ليس مما يتورع عنه لقوله صلى الله عليه وسلم " إن الله يحب إذا بسط على عبد رزقه أن يرى أثر نعمته عليه " رواه أحمد والترمذي وابن منيع عن أبي هريرة رضى الله عنه ، وأتبع ذلك أعظم ما ينبغي لابن آدم أن يعتبر فيه القسط من المأكل والمشرب فقال مكرراً النداء استعطافاً وإظهاراً لعظيم الإشفاق وتذكيراً بقصة أبيهم آدم عليه السلام التي أخرجته من الجنة مع كونه صفي الله ليشتد الحذر : { يا بني آدم } أي الذي زيناه فغره الشيطان ثم وقيناه شره بما أنعمنا عليه به من حسن التوبة وعظيم الرغبة { خذوا زينتكم } أي التي تقدم التعبير عنها بالريش لستر العورة والتجمل عند الاجتماع للعبادة { عند كل مسجد } وأكد ذلك{[32151]} كونُهم كانوا قد شرعوا أن غير الحمس يطوفون عراة .

ولما أمر{[32152]} بكسوة الظاهر بالثياب لأن صحة الصلاة متوقفة عليها ، أمر بكسوة{[32153]} الباطن بالطعام والشراب لتوقف القدرة عادة عليها فقال : { وكلوا واشربوا } وحسَّن ذلك أن بعضهم كان يتدين في الحج بالتضييق في ذلك .

ولما أمر بالملبس والمطعم ، نهى عن الاعتداء فيهما فقال : { ولا تسرفوا } بوضع شيء من ذلك فيما لا يكون أحق مواضعه ولو بالزيادة على المعاء ، ومن ذلك أن يتبع السنة في الشرب فيسبر لأن العكر يرسب في الإناء فربما أذى من شربه ، ولذلك نهى عن النفس في الإناء لأنه ربما أنتن فعافته النفس ، وأما الطعام فليحسن إناءه والأصابع لنيل البركة وهو أنظف{[32154]} ، ثم علل ذلك بقوله : { إنه لا يحب المسرفين* } أي لا يكرمهم ، ولا شك أن من لا يحبه لا يحصل له شيء من الخير فيحيط به كل شر ، ومن جملة السرف الأكل في جميع البطن ، والاقتصاد الاقتصار على الثلث كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبة فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس " و " وما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن " {[32155]} و " الكافر يأكل في سبعة أمعاء{[32156]} والمؤمن يأكل في معى واحد " أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال الأطباء ، الأمعاء سبعة ، فالمعنى حينئذ أن الكافر{[32157]} يأكل شبعاً فيملأ الأمعاء السبعة ، والمؤمن يأكل تقوتاً{[32158]} فيأكل في معى واحد ، وذلك سبع بطنه ، وإليه الإشارة بلقيمات ، فإن لم يكن ففي معاءين وشيء وهوالثلث - والله أعلم - وسبب الآية أنهم كانوا يطرحون ثيابهم إذا أرادوا الطواف ، يقولون : لا نطوف في ثياب إذ بتنا فيها ، ونتعرى منها لنتعرى{[32159]} من الذنوب إلا{[32160]} الحمس وهم قريش ومن ولده ، وكانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً ، فقال المسلمون : يارسول الله{[32161]} ! فنحن أحق أن نفعل ذلك - فأنزلت .


[32151]:- من ظ، وفي الأصل: كذلك.
[32152]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32153]:- سقط ما بين الرقمين من ظ.
[32154]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32155]:- في ظ: بطنه.
[32156]:- في ظ: معي واحد.
[32157]:- من ظ، وفي الأصل: كافر.
[32158]:- من ظ، وفي الأصل: موقتا.
[32159]:- في ظ: لنقوي.
[32160]:- زيد بعده في الأصل: غير، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[32161]:- من ظ، وفي الأصل: ير- كذا.