تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (33)

المفردات :

الفواحش : كبائر المعاصي لمزيد قبحها .

الإثم : ما يوجبه من سائر المعاصي .

البغي : الظلم والاستطالة على الناس .

سلطانا : حجة وبرهانا .

التفسير :

قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن . . . الآية .

أي : قل يا محمد لهؤلاء الذين ضيقوا على أنفسهم ، ما وسعه الله عليهم ، إن الذي حرمه الله عليكم هو هذه الأنواع الخمس :

الفواحش ما ظهر منها وما بطن . وهي كل كبيرة وقبيحة من الأقوال والأفعال ، وقيل : إن الفواحش تطلق على الزنا وما اتصل به من شهوة الفرج ، والزنا محرم سواء كان في السر أم في العلن .

قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن .

أي : حرم الله المعاصي التي اشتدت شناعتها ، ومنها : الزنا ، واللواط ، والفجور ، والشذوذ ، وسائر الانحراف ، سواء ما أعلن من الفواحش ، وما أسر منها .

2 ، 3 – والإثم والبغي بغير الحق .

الإثم : هو الشيء الذي يوجب الإثم ، ويعتبر فعله معصية .

والبغي : هو الظلم والتطاول على الناس ، وتجاوز الحد أو الكبر .

وقيل : الإثم : هو الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه .

والبغي : هو التعدي على الناس .

فحرم الله هذا وهذا .

بغير الحق . قيد البغي بكونه بغير الحق ؛ تأكيدا له في المعنى ، وتذكيرا بأنه عمل مجاف للحق خارج عليه .

4- وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا .

أي : وأن تجعلوا لله شريكا لم ينزل عليكم به حجة ، وكل شرك لا حجة له ولا دليل ، وإنما وصف الشرك بأنه لم ينزل به سلطانا من باب التهكم بالمشركين ، وتنبيه على تحريم اتباع ما لا يدل عليه برهان .

جاء في التفسير القرآني للقرآن للأستاذ عبد الكريم الخطيب ما خلاصته :

إن الشرك بالله لا حجة له ولا سلطان ، لا من العقل ولا من النقل ، والمراد من الجملة : تحريك دواعي التفكير والحذر عند المؤمن ؛ حتى يحذر الشرك الخفي والاستظلال بظل كبير أو خطير ؛ لأن المؤمن يرى أن كل شيء لله ، وأنه ليس لأي مخلوق مهما بلغ من جاه أو سلطان ، سبيل إلى شيء من ملك الله .

5- و أن تقولوا على الله ما لا تعلمون .

أي : أن تقولوا : إن الله حرم هذا ، وأحل هذا ، بدون معرفة أو علم بحقيقة أن الله قال ذلك ، مثل ما كانوا ينسبون إلى الله سبحانه من التحليلات والتحريمات التي لم يأذن بها .

جاء في تفسير المنار :

( ومن تأمل هذه الآية حق التأمل ؛ فإنه يجتنب أن يحرم على عباد الله شيئا ، أو يوجب عليهم شيئا في دينهم ، بغير نص صريح عن الله ورسوله ، بل يجتنب أيضا أن يقول : هذا مندوب أو مكروه في الدين بغير دليل واضح من النصوص ، وما أكثر الغافلين عن هذا ، المتجرئين على التشريع . . ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} (33)

ولما بين أن ما حرموه ليس بحرام فتقرر{[32172]} ذلك تقرراً نزع من النفوس ما كانت ألفته من خلافه{[32173]} ، ومحا من القلوب ما كانت أشربته من ضده ؛ كان كأنه قيل : فماذا حرم الله الذي ليس التحريم إلا إليه ؟ فأمره تعالى بأن يجيبهم عن ذلك ويزيدهم بأنه لم يحرم غيره فقال : { قل إنما حرم ربي } أي المحسن إليّ بجعل ديني أحسن الأديان { الفواحش } أي كل فرد منها وهي ما زاد قبحه ؛ ولما كانت الفاحشة ما يتزايد قبحه فكان ربما ظن أن الإسرار بها غير{[32174]} مراد بالنهي قال : { ما ظهر منها } بين الناس { وما بطن } .

ولما كان هذا خاصاً{[32175]} بما عظمت شناعته قال : { والإثم } أي مطلق الذنب{[32176]} الذي يوجب الجزاء ، فإن الإثم الذنب والجزاء ؛ ولما كان البغي زائد القبح مخصوصاً بأنه من أسرع الذنوب عقوبة ، خصه بالذكر فقال : { والبغي } وهو الاستعلاء على الغير ظلماً ، و{[32177]}لكنه لما كان قد يطلق{[32178]} على مطلق الطلب ، حقق معناه العرفي الشرعي فقال : { بغير الحق } أي الكامل الذي ليس فيه شائبة باطل ، فمتى كان فيه شائة باطل كان بغياً ، ولعله يخرج العلو بالحق بالانتصار من الباغي فإنه حق كامل الحقية ، وتكون{[32179]} تسميته بغياً على طريق المشاكلة تنفيراً - بإدخاله تحت اسم البغي - من تعاطيه وندباً إلى العفو كما تقدم مثله في

{ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم }{[32180]} ويمكن أن يكون تقييده تأكيداً لمنعه بأنه لا يتصور إلا موصوفاً بأنه بغير الحق كما قال تخصيصاً وتنصيصاً{[32181]} تنبيهاً على شدة الشناعة : { وأن تشركوا بالله } أي الذي اختص بصفات الكمال { ما لم ينزل به سلطاناً } فإنه لا يوجد ما يسميه أحد شريكاً إلا وهو مما لم ينزل به الله سلطاناً بل ولا حجة به في الواقع ولا برهان ، ولعله إنما قيده بذلك إرشاداً إلى أن أصول الدين لا يجوز اعتمادها إلا بقاطع فكيف بأعظمها وهو التوحيد ! ولذلك عقبه بقوله : { وأن } أي وحرم أن { تقولوا على الله } أي الذي لا أعظم منه ولا كفوء له و { ما لا تعلمون* } أي ما ليس لكم به علم بخصوصه ولا هو مستند إلى علم أعم من أن يكون من الأصول أو لا .


[32172]:- من ظ، وفي الأصل: تقرر.
[32173]:- من ظ، وفي الأصل: اخلافه.
[32174]:- من ظ، وفي الأصل: ثم.
[32175]:- من ظ، وفي الأصل: فرضا.
[32176]:- في ظ: الكذب.
[32177]:- سقط من ظ.
[32178]:- من ظ، وفي الأصل: نطق.
[32179]:- من ظ، وفي الأصل: يكون.
[32180]:- سورة 4 آية 148.
[32181]:- من ظ، وفي الأصل: مخصصا.