تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ} (16)

15

المفردات

المنحرف لقتال وغيره : هو المنحرف على جانب إلى آخر ، ومن الحرف وهو الطرف .

الفئة : الطائفة من الناس .

المأوى : الملجأ الذي يأوي إليه الإنسان .

16 – { وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .

أي : ومن يولهم حين تلقونهم ظهره إلا متحرفا لمكان رآه أحوج إلى القتال فيه أو لضرب من ضروبه رآه أنكى بالعدو ، كان يوهم خصمه أنه منهزم منه ليغريه باتباعه حتى إذا انفرد عن أنصاره كر عليه فقتله ؛ أو متنقلا إلى فئة من المؤمنين في جهة غير التي كان فيها ليشد أزرهم وينصرهم على عدو تكاثر جمعه عليهم ، فصاروا أحوج إليه ممن كان معهم – من فعل ذلك ؛ فقد رجع متلبسا بغضب عظيم من الله ومأواه الذي يلجأ إليه في الآخرة جهنم دار العقاب وبئس المصير .

ذلك أن المنهزم أراد أن يأوي إلى مكان يأمن فيه الهلاك ، فعوقب بجعل عاقبة دار الهلاك والعذاب الدائم وجوزى بضد غرضه .

وفي الآية دلالة على أن الفرار من الزحف من كبائر المعاصي ، وجاء التصريح بذلك في صحيح الأحاديث ؛ فقد روى الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا : " اجتنبوا السبع الموبقات( المهلكات ) قالوا : يا رسول الله وما هن ؟ قال : الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات " .

وقد خصص بعض العلماء هذا بما إذا كان الكفار لا يزيدون على ضعف المؤمنين .

قال الشافعي : إذا غزا المسلمون فلقوا ضعفهم من العدو حرم عليهم أن يولوا إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة ، وإن كان المشركون أكثر من ضعفهم لم أحب لهم أن يولوا ، ولا يستوجبون السخط عندي من الله لو ولوا عنهم على غير التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة . وروى عن ابن عباس قال : من فر من ثلاثة فلم يفر ، ومن فر من اثنين فقد فر .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ} (16)

{ ومن يولهم } ولما كان الأغلب في وقوع القتال النهار ، وكانت التولية مما لا يكون الظرف {[34692]}معياراً له{[34693]} لأنها مما لا يمتد زمنه ، فالعصيان يقع بمجرد الالتفات بقصد الفرار ، والتمادي تكرير أمثال ، لا شرط في صحة إطلاق الاسم ، عبر باليوم{[34694]} ، وجرده عن " في " ندباً إلى الكر بعد الفر مع عدم الالتباس{[34695]} ، فإن الظرف لا يكون معياراً للفعل إلا إذا كان ممتد الزمان كالصوم فقال{[34696]} { يومئذ } أي إذ{[34697]} لقيتم على هذه الحالة في أيّ وقت {[34698]}كان من{[34699]} أوقات القتال من ليل كان{[34700]} أو نهار { دبره } أي يجعل ظهره إليهم لشيء من الأشياء تولية لا يريد الإقبال إلى القتال منها { إلا } أي{[34701]} حال كونه { متحرفاً } أو{[34702]} الحال التحرف ، وهو الزوال عن جهة الاستواء { لقتال } أي لا يتسهل{[34703]} له إلا بذلك أو يخيل إلى عدوه أنه منهزم خداعاً له ثم يكر عليه { أو متحيزاً } أي متنقلاً من حيز إلى آخر{[34704]} ومتنحياً { إلى فئة } أي جماعة أخرى من أهل حزبه هم أهل لآن يرجع إليهم ليستعين بهم{[34705]} أو يعينهم .

ولما كان هذا محل توقع السامع للجواب وتفريغ ذهنه له ، أجاب رابطاً بالفاء{[34706]} إعلاماً بأن الفعل

المحدث{[34707]} عنه سبب لهذا الجزاء فقال : { فقد باء } أي رجع { بغضب من الله } اي الحائز لجميع صفات الكمال { ومأواه جهنم } أي تتجهمه{[34708]} كما أنه هاب تجهم الكفار ولقاء الوجوه العابسة بوجه كالح عابس { وبئس المصير* } هذا إذا لم يزد الكفار عن الضعف - كما سيأتي النص به .


[34692]:سقط من ظ.
[34693]:في ظ: لهم.
[34694]:من ظ، وفي الأصل: القوم.
[34695]:من ظ، وفي الأصل: الإلباس.
[34696]:زيد من ظ.
[34697]:في ظ: إذا.
[34698]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[34699]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[34700]:زيد من ظ.
[34701]:سقط من ظ.
[34702]:زيد بعده في ظ: إلا.
[34703]:في ظ: لا يسهل.
[34704]:في ظ: حيز.
[34705]:من ظ: وفي الأصل: لكم.
[34706]:من ظ، وفي الأصل: لفا.
[34707]:في ظ: المحذر.
[34708]:من ظ، وفي الأصل: تتجهم.