تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} (78)

76

المفردات :

أوتيته : أعطيته .

القرون : جمع قرن ، وأصح ما قيل فيه : إنه مائة سنة ، ويطلق على أمة هلكت فلم يبق منها أحد ، ويطلق على أهل زمان واحد ، ومنه قول الشاعر :

إذا ذهب القرن الذي أنت فيهم *** وخلفت في قرن فأنت غريب

المجرمون : المذنبون .

التفسير :

78-{ قال إنما أوتيته على علم عندي أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } .

أي : قال قارون لمن وجه إليه النصيحة : إنما أوتيت هذا المال لمعرفتي بطرق كسب المال واستثماره ، ومهارتي في ذلك واجتهادي ، أو لأني أثير عند الله حبيب إليه ، فقد كان قارون أكثر الناس نصيبا من التوراة ، وأحسنهم صوتا ، وكان يلقب بالمنور ، وهنا يبين القرآن أن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب ، فقد أهلك الله أمما وأفرادا وقرونا كانوا أكثر مالا وجاها من قارون ، وأكثر خبرة بجمع المال وطرق تحصيله ، لكنهم أذنبوا وأجرموا وأسرفوا على أنفسهم في الملذات والشهوات ، أو منعوا حق الله في المال ، فأهلكهم الله ، كما أهلك فرعون مع ملكه وغناه ، وأهلك عادا وثمود وأصحاب مدين وقوم لوط ، فالمذنبون يهلكهم الله عقوبة عادلة ، كما عاقب سبأ جزاء إعراضهم عن شكر النعمة ، فتهدم سدّ مأرب ، وتلفت الزراعة وعم الجفاف ، وهلك الكافرون .

من كلام المفسرين

قال الإمام عبد الرحمان بن زيد بن أسلم في تفسير الآية :

{ إنما أوتيته على علم عندي . . } .

إنما أوتيته على علم من الله باستحقاقي إياه ، فلولا رضاه عني ، وعلمه بفضلي ما أعطانيه .

وقيل : إنه علم التوراة ، فإنه كان أعلم بني إسرائيل بها ، وقال أبو سليمان الداراني : علم التجارة ووجوه المكاسب ، وقيل : علم استخراج الكنوز والدفائن .

وقيل : علم الكيمياء ، فكان يحوّل الرصاص والنحاس ذهبا ، وردّه العلماء بأن فيه دعوى قلب الحقائق ، وذلك لا يكون إلا لله تعالى ، ولم يثبت حدوثه منه بطريق صحيح ، وما يشاع بين العامة من إمكان ذلك إنما هو من باب الأراجيف التي لم تثبت في الواقع ، بل هي من الصبغ والتزييفxxix .

وقريب من الآية قوله تعالى : { فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم . . } [ الزمر : 49 ] .

وقال تعالى : { ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي . . } [ فصلت : 50 ] أي : هذا أستحقه .

ويقول شوقي أمير الشعراء :

عجبت لمعشر صلّوا وصاموا ظواهر خشية وتقى كذابا

وتلقاهم حيال المال صمّا إذا داعى الزكاة بهم أهابا

لقد منعوا نصيب الله منه كأنّ الله لم يحص النصابا

فخذ لبنيك والأيام ذخرا وأعط الله حصته احتسابا

فلو صادفت أحداث الليالي *** وجدت الفقر أقربها انتسابا

وأن البر خير في حياة وأبقى بعد صاحبه ثوابا

وأن الشر يصدع فاعليه ولم أر خيرا بالشر آبا

وجاء في التفسير المنير للأستاذ د . وهبة الزحيلي ما يأتي :

إن أصول الحضارة الإسلامية أربعة :

1- العمل الصالح ثواب الآخرة .

2- عمارة الدنيا بإتقان دون أن تستولي على مشاعر الإنسان .

3- الإحسان إلى الناس ، إحسانا ماديا أو معنويا أو خلقيا .

4- قمع الفساد والعصيان والخراب .

 
تفسير الجلالين للمحلي والسيوطي - تفسير الجلالين [إخفاء]  
{قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} (78)

{ قال إنما أوتيته على علم عندي أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون }

{ قال إنما أوتيته } أي المال { على علم عندي } أي في مقابلته وكان أعلم بني إسرائيل بالتوراة بعد موسى وهارون قال تعالى { أوَلم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون } الأمم { من هو أشد منه قوةً وأكثر جمعاً } للمال : أي هو عالم بذلك ويهلكهم الله { ولا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون } لعلمه تعالى بها فيدخلون النار بلا حساب .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} (78)

قوله تعالى : { قال } يعني قارون ، { إنما أوتيته على علم عندي } أي : على فضل وخير وعلمه الله عندي فرآني أهلاً لذلك ، ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره . قيل : هو علم الكيمياء ، قال سعيد بن المسيب : كان موسى يعلم الكيمياء فعلم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن يوقنا ثلثه وعلم قارون ثلثه ، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه وكان ذلك سبب أمواله . وقيل : على علم عندي بالتصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب . قوله تعالى : { أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون } الكافرة ، { من هو أشد منه قوةً وأكثر جمعاً } للأموال ، { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } قال قتادة : يدخلون النار بغير حساب ولا سؤال ، وقال مجاهد : يعني لا يسأل الملائكة عنهم ، لأنهم يعرفونهم بسيماهم . وقال الحسن : لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} (78)

قوله تعالى : { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِ الْمُجْرِمُونَ } ذلك إخبار من الله عن مقالة قارون لقومه حين نصحوه ووعظوه كيلا يكون من البطرين ، وأن يلتمس الدار الآخرة بنا أوتيه من المال والخير فقال لهم : { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي } أي أوتيت هذا المال على استحقاق لما عندي من العلم الذي فضلت به على الناس ، إذ كان أعلم بني إسرائيل بالتوراة ؛ أي أوتيته على علم بالتوراة ؛ فقد روي أنه كان من أعلم الناس بالتوراة ومن أقرئهم لها ، وكان أحد العلماء السبعين الذين اختارهم موسى للميقات . وقيل : أوتيت هذا المال لعلم الله بأني أستحقه ولمحبته لي ، ولأن الله يعلم أنني أهل لهذا المال .

قوله : { أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا } وذلك رد من الله لاحتجاج قارون ، إذ يزعم فيه أنه أوتي هذا المال بفضل علمه ، ولأنه يستحقه ، فبين الله سبحانه أنه أهلك من قبله من الأمم من هو أشد منه بطشا وأكثر أموالا ، ولو أن المال يدل على فضل صاحبه وأنه مرضيّ عند ربه لما أهلك الله السابقين من أولي الأموال .

قوله : { وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِ الْمُجْرِمُونَ } المراد بالسؤال هنا : ما كان للتقريع والتبكيت وليس للاستعتاب ؛ أي لا يُسأل المجرمون سؤال استعتاب ، كما قال سبحانه : { ولا هم يستعتبون } فهم يعذبونه بغتة دون معاتبة ، ولا يُسألون سؤال استفهام فإن الله مطلع على قلوبهم وأعمالهم{[3529]} .


[3529]:تفسير الرازي ج 25 ص 16-17، وتفسير القرطبي ج 13 ص 316، وتفسير البيضاوي ص 522.