تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ} (19)

المفردات :

أمة واحدة : جماعة متفقة على الحق في أصل الفطرة .

ولولا كلمة سبقت : أي : ولولا قضاء الله بتأخير الفصل بين المحق والمبطل إلى يوم القيامة .

التفسير :

19 { وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } .

إن الإنسان بفطرته ينزع إلى توحيد الله الخالق .

أي : وما كان الناس كافة من لدن آدم عليه السلام ؛ إلا متفقين على الحق والتوحيد ، وظلوا كذلك حتى أغوى الشيطان فريقا منهم فكفر ، وثبت الآخرون على التوحيد ، الذي فطروا عليه ؛ فخالف كل من الفريقين الآخر .

{ وَلَوْ لاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } .

شاء الله ألا يهلك المبطلون في هذه الدنيا ؛ بل يمهلهم بعض الوقت ؛ علهم أن يتبينوا الحق والهدى وهذه منة من الله ورحمة .

فقد خلق الإنسان بيده ، وأسجد له الملائكة ، وميزه بالعقل وحرية الاختيار ، وأخر عنه العذاب والأخذ بغتة ، وأرسل له الرسل ، وأنزل له الكتب ، وأخبره بما أصاب المكذبين من الهلاك ، كل ذلك ليكون لدى الإنسان فرصة مناسبة ؛ للتأمل والتفكر والتدبر ، واختيار الحق والبعد عن الباطل .

جاء في تفسير التحرير والتنوير :

وجملة : { ولولا كلمة سبقت من ربك } .

إخبار بأن الحق واحد ، وأن ذلك الاختلاف مذموم ، وأنه لولا أن الله أراد إمهال البشر إلى يوم الجزاء ؛ لأراهم وجه الفصل في اختلافهم ؛ باستئصال المبطل ، وإبقاء المحق ، وهذه الكلمة أجملت هنا ، وأشير إليها في سورة الشورى بقوله : { ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم } . ( الشورى : 14 ) .

والأجل : هو أجل بقاء الأمم ، فالقضاء بينهم إذن مؤخر إلى يوم الحساب ، وأصرح من ذلك في بيان معنى ( الكلمة ) قوله في سورة هود : { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } . xii ( هود : 118 ، 119 ) .

{ لقضي الأمر فيما فيه يختلفون } .

أي : لحكم بينهم عاجلا في الدنيا بإهلاك المبطلين .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ} (19)

شرح الكلمات :

{ أمة واحدة } : أي على دين واحد هو الإِسلام .

{ فاختلفوا } : أي تفرقوا بأن بُقى بعض على التوحيد وبعض على الشرك .

{ كلمة سبقت } : بإبقائهم إلى آجالهم ومجازاتهم يوم القيامة .

المعنى :

يخبر تعالى رسوله بحقيقة علمية تاريخية من شأن العلم بها المساعدة على الصبر والتحمل فيقول { وما كان الناس إلا أمة واحدة } أي في زمن سابق أمة واحدة على دين التوحيد دين الفطرة ثم حدث أن أحدثت لهم شياطين الجن والإِنس البدع والأهواء والشرك فاختلفوا من ثبت على الإِيمان والتوحيد ومنهم من كفر بالشرك والضلال . وقوله تعالى { ولولا كلمة سبقت من ربك } وهي أنه لا يعجل العذاب للأمم والأفراد بكفرهم وإنما يؤخرهم إلى آجالهم ليجزيهم في دار الجزاء بعذاب النار يوم القيامة لولا كلمته والتي هي { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } لعجل لهم العذاب فحكم بينهم بأن أهلك الكافر وأنجى المؤمن . هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 19 ) .

الهداية

من الهداية :

- الأصل هو التوحيد والشرك طارئ .

- الشر والشرك هما اللذان يحدثان الخلاف في الأمة والتفرق فيها أما التوحيد والخير فلا يترتب عليهما خلاف ولا حرب ولا فرقة .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ} (19)

ثم بين - سبحانه - أن عبادة الناس لغيره - تعالى - إنما حدثت بعد أن اختلفوا واتبعوا الهوى . فقال :

{ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا . . . }

المراد بالناس : الجنس البشرى كله في جملته ، فإنهم كانوا أمة واحدة . ثم كثروا وتفرقوا وصاروا شعوبا وقبائل .

ويرى بعض المفسرين أن المراد بالناس هنا : العرب خاصة ، فإنهم كانوا حنفاء على ملة إبراهيم ، إلى أن ظهر فيهم عمرو بن لحى الذي ابتدع لهم عبادة الأصنام .

قال الآلوسى : " قوله { وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا } أى : وما كان الناس كافة من أول الأمر إلا متفقين على الحق والتوحيد من غير اختلاف ، وروى هذا عن ابن عباس والسدى ومجاهد . . وذلك من عهد آدم - عليه السلام - إلأى أن قتل قابيل هابيل . وقيل إلى زمن إدريس - عليه السلام - وقيل إلى زمن نوح . وقيل كانا كذلك في زمنه - عليه السلام - بعد أن لم يبق على الأرض من الكافرين ديار إلى أن ظهر بينهم الكفر .

وقيل : من لدن إبراهيم - عليه السلام - إلى أن أظهر عمرو بن لحي عبادة الأصنام ، وهو المروى عن عطاء . وعليه فالمراد من الناس العرب خاصة ، وهو الأنسب بإبراد الآية الكريمة إثر حكاية ما حكى عنهم من رذائل ، وتنزيه ساحة الكبرياء عن ذلك .

وقوله : { فاختلفوا } أى ما بين ضال ومهتد ، فبعث الله إليهم رسله ، ليبشروا المهتدين بجزيل الثواب ، ولينذروا الضالين بسوء العقاب .

والفاء للتعقيب ، وهى لا تنافي امتداد زمان اتفاقهم على الحق ، لأن المراد بيان أن ووقع الاختلاف بينهم إنما حدث عقيب انتهاء مدة الاتفاق ، لا عقيب حدوثه .

والمراد بالكلمة في قوله : { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ . . . } ما قضاه الله - تعالى - وأراده من تأخير الحكم بين المؤمنين وغيرهم إلى يوم القيامة .

أى : ولولا كلمة سبقت من ربك بتأخير القضاء بين الطائعين والعاصين إلى يوم القيامة ، لقضي بينهم - سبحانه - في هذه الدنيا . فيما كانوا يختلفون فيه وذلك بأن يعجل للكافرين والعصاة العقوبة في الدنيا قبل الآخرة ، ولكنه - سبحانه - اقتضت حكمته عدم تعجيل العقوبة في الدنيا ، وأن يجعل الدار الآخرة هي دار الجزاء والثواب والعقاب .

وقد تضمنت هذه الآية الكريمة الوعيد الشديد على الاختلاف المؤدي إلى التفرقة في الدين ، وإلى الشقاق والنزاع ، كما تضمنت تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من قومه : فكأنه - سبحانه - يقول إن الاختلاف من طبيعة البشر ، فلا تنتظر من الناس جميعا أن يكونوا مؤمنين .