تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ} (144)

القبلة

{ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون( 144 ) }

المفردات :

تقلب وجهك في السماء : تردد وجهك ، وتطلعك إلى السماء .

شطر : جهة وناحية .

وحيثما كنتم : في أي مكان وجدتم .

فلنولينك قبلة ترضاها : أي فلنمكننك من استقبالها ، ومن قوله وليته كذا إذا صيرته واليا لنا ، أو لنحولنك إليها .

فول وجهك شطر المسجد الحرام : أي فاصرفه نحوه .

المعنى الإجمالي :

ولقد رأينا كيف كنت تتطلع إلى السماء عسى أن ينزل الوحي بتغيير قبلة بيت المقدس إلى الكعبة لأنها قبلة إبراهيم أبى الأنبياء ، فها نحن أولاء نؤتيكم سؤلك ، فاستقبل في صلاتك المسجد الحرام ، واستقبلوه كذلك أيها المؤمنون في أي مكان تكونون ، وإن أهل الكتاب الذين ينكرون عليكم التحول عن قبلة بيت المقدس قد عرفوا في كتبهم أنكم أهل الكعبة ، وعلموا أن أمر الله جار على تخصيص كل شريعة بقبلة ، وأن هذا هو الحق من ربهم ، ولكنهم يريدون فتنتكم وتشكيككم في دينكم ، والله ليس غافلا عنهم وهو يجزيهم بما يعملون .

التفسير :

{ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام . . . }

قد رأيناك تتجه بوجهك إلى السماء دائما ، تصرفه في أرجائها ، مرددا بصرك في ضراعة ورجاء تطلعا للوحي بتحويل القبلة إلى الكعبة . وها نحن قد أجبناك إلى ما طلبت وأعطيناك ما سألت ، ووجهناك إلى قبلة تحبها ، وتميل إليها : فول وجهك شطر المسجد الحرام . أي فاصرف وجهك نحو المسجد الحرام لوجود الكعبة فيه ، واجعله قبلتك في الصلاة .

{ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره . . . }

أي وأينما وجدتم في بر أو بحر فولوا وجوهكم تلقاء المسجد الحرام ونحوه ، وقد جاءت هذه الجملة موجهة على الأمة قاطبة لدفع توهم أن يكون الخطاب في الأول خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولأنه لما كان تحويل القبلة أمرا له خطره ، خصهم بخطاب مفرد ليكون ذلك آكد وأبلغ .

فالآية الكريمة فيها أمر لكل مسلم أن يجعل الكعبة قبلة له فيتوجه بصدره إلى ناحيتها وجهتها حال تأدية الصلاة لربه ، سواء أكان المصلي بالمدينة أم بمكة أم بغيرهما .

وفي ذكر المسجد الحرام دون الكعبة ما يؤذن بكفاية مراعاة جهتها ، ولذلك لم يقع خلاف بين العلماء في أن الكعبة قبلة كل أفق ، وأن من عاينها فرض عليه استقبالها ومن غاب عنها فعليه أن يستقبل جهتها ، فإن خفيت عليه تحرى جهتها ما استطاع .

وفي الآية إشعار بانتشار الإسلام في بقاع الأرض ، وأن المسلمين ستفتح لهم البلاد ، وأن عليهم حيثما كانوا أن يتجهوا في صلاتهم نحو المساجد الحرام .

وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم :

أي وإن اليهود الذين أنكروا استقبالكم ، وانصرافكم عن بيت المقدس ، وأثاروا الفتنة في شأن تحويل القبلة ليعلمون أن استقبالكم الكعبة حق ، لأن الذي أخبر به قد قامت الآيات البينات عندهم على أنه رسول من عند الله ، أو أنه يصلي إلى القبلتين ، وما وقفوا من تحويل القبلة هذا الموقف إلا لعنادهم ، وكما يعلم اليهود ذلك من كتابهم ، يعلمه النصارى من كتابهم أيضا .

والآية مؤكدة بعدة مؤكدات ، هي إن واللام وذكر الحق ونسبته إلى الرب سبحانه لتقرير أنه وحي من الله .

{ وما الله بغافل بما يعلمون }

أي أن الله لا يخفى عليه ما يدبره أهل الكتاب من الكيد للإسلام وسيحاسبهم عليه حسابا عسيرا ، لأنهم يعلمون الحق ، ويكتمون ما يعلمون .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ} (144)

شرح الكلمات :

{ تقلب وجهك في السماء } : تردده بالنظر إليها مرة بعد أخرى انتظاراً لنزول الوحي .

{ فلنولينك قبلة ترضاها } : فلنحولنك إلى القبلة التي تحبها وهي الكعبة .

{ فول وجهك شطر المسجد } : حوّل وجهك جهة المسجد الحرام بمكة .

{ الحرام } : بمعنى المحرم لا يسفك فيه دم ولا يقتل فيه أحد .

{ الشطر } : هنا الجهة واستقبال الجهة يحصل به استقبال بعض البيت في المسجد الحرام ، لأن الشطر لغة : النصف أو الجزاء مطلقاً .

{ أنه الحق من ربهم } : أي تحول القِبلة جاء منصوصاً عليه في الكتب السابقة .

المعنى :

يعلم الله تعالى رسوله أنه كان يراه وهو يقلَّب وجهه في السماء انتظاراً لوحي يؤمر فيه باستقبال الكعبة بدل بيت المقدس لرغبته في مخالفة اليهود ولحبه لقبلة أبيه إبراهيم إذ هي أول قبلة وأفضلها فبناء على ذلك { فولِ وجهك شطر المسجد الحرام } ، وبهذا الأمر الإِلهي تحولت القبلة وروي أنه كان يصلي الظهر في مسجد بني سلمة المعروف الآن بمسجد القبلتين فصلى الرسول والمؤمنون وراءه ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة ، وكيلا تكونَ القبلةُ خاصة بمن كان بالمدينة قال تعالى : { وحيث ما كنتم } أي في نواحي البلاد وأقطار الأرض { فولوا وجوهكم شطره } أي شطر المسجد الحرام كما أخبر تعالى وما أحدثوه من التشويش والتشويه إزاء تحول القبلة فقد علمه وسيجزيهم به إذ لم يكن تعالى بغافل عما يعملونه .

/ذ144