تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ} (89)

حسد وبغى

( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين( 89 ) بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين( 90 ) وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين( 91 )(

المفردات :

يستفتحون : يستنصرون من الاستفتاح وهو طلب الفتح والنصرة .

فلعنة الله : اللعنة : الإبعاد والطرد من مواقع الرحمة .

اشتروا به : شرى واشترى يستعملان حينا بمعنى باع ، وآخر بمعنى أخذ والمراد هنا الأول .

بغيا : البغي في الأصل الفساد من قولهم بغى الجرح إذا فسد ثم أطلق على مجاوزة الحد في كل شيء .

باءوا : رجعوا .

مهين : فيه مهانة وإذلال .

وراءه : سواه كما يقول الرجل لمن يتكلم بجيد الكلام ما وراء هذا الكلام شيء .

89

التفسير :

89- ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدقا لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين .

ولما جاءهم رسولنا بالقرآن وهو كتاب من عند الله مصدق لما أنزل عليهم من التوراة وموافق له في التوحيد وأصول الدين ومقاصده . وكانوا يستنصرون بهذا النبي على مشركي العرب وكفارة مكة ويقولون إن كتابه سينصر التوحيد الذي جاء به موسى ، ويخذل الوثنية التي تنتحلونها .

فلما جاءهم الكتاب الذي عرفوا أنه من عند الله كفروا به ، وسبب هذا أنهم حسدوا العرب على أن بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم من بينهم فحملهم ذلك على الكفر به جحودا وعنادا فسجل الله عليهم الطرد والإبعاد من رحمته لجحودهم بالحق بعد أن تبين لهم .

وقيل إن المراد بلفظ . ما عرفوا . هو النبي صلى الله عليه وسلم واستعمال . ما . فيمن يعلم كثير كقوله تعالى : والسماء وما بناها . ( الشمس : 5 ) يعني ومن بناها وعلى هذا تكون جملة كفروا به . جوابا عن فلما جاءهم ما عرفوا .

أما جواب : ولما جاءهم كتاب . فمقدر تقديره كذبوه ، وقد دل عليه جواب الثانية . والمعنى عليه : فلما جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي عرفوا صفاته ونبوته من التوراة معرفة لا يخالجها ريب حسدوه لأنه من العرب أولاد إسماعيل وملأ الحسد قلوبهم غيظا ، ألا لعنة الله على أمثالهم من المعاندين الجاحدين .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ} (89)

{ كتاب من عند الله } هو القرآن .

{ مصدق } تقدم أن له ثلاثة معان .

{ يستفتحون } أي : ينتصرون على المشركين ، إذا قاتلوهم قالوا : اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان ، ويقولون لأعدائهم المشركين : قد أظل زمان نبي يخرج فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، وقيل : يستفتحون : أي يعرفون الناس النبي صلى الله عليه وسلم ، والسين على هذا للمبالغة كما في استعجب واستسخر ، وعلى الأول للطلب .

{ فلما جاءهم ما عرفوا } القرآن والإسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم ، قال المبرد :{ كفروا } جوابا ل { ما } الأولى والثانية ، وأعيدت الثانية لطول الكلام ، ولقصد التأكيد ، وقال الزجاج :{ كفروا } : جوابا : ل { ما } الثانية ، وحذف جواب الأولى للاستغناء عنه لذلك ، وقال الفراء : جواب ل { ما } الأولى : { فلما } ، وجواب الثانية :{ كفروا } .

{ على الكافرين } أي : عليهم يعني اليهود ، ووضع الظاهر موضع المضمر ليدل أن اللعنة بسبب كفرهم ، واللام للعهد أو للجنس ، فيدخلون فيها مع غيرهم من الكفار .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ} (89)

وقوله : { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } .

المقصود بالكتاب هو القرآن ، فلما جاءهم وفيه التصديق لما معهم من كتاب وهو التوراة وقد كانوا أيضا يستفتحون على الذين كفروا ، أي يستنصرون عليهم بمجيء النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . وفي ذلك يقول عبد الله ابن عباس- رضي الله عنهما- : كانت يهود خبير تقاتل غطفان ، فلما التقوا هزمت يهود ، فعادت يهود بهذا الدعاء وقالوا : إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه آخر الزمان إلا تنصرنا عليهم . فكانوا إذا التقوا بهذا الدعاء هزموا غطفان ، فلما بعث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كفروا فأنزل الله تعالى هذه الآية . وذلك هو شأن يهود في نقضهم للعهود وكذبهم على الله وعلى أنفسهم . فقد كانوا يعلمون في قرارة أنفسهم أن محمدا عليه الصلاة والسلام نبي قد أوحي إليه ، وأن القرآن كلام الله المعجز المنزل على هذا النبي الأمي ، ومع ذلك كله فإن ديدنهم النقض والزيغ والتكذيب لا لسبب إلا محض الزيغ والهوى والمريض .

من أجل ذلك فقد استوجب هؤلاء الجاحدون الطرد والإبعاد من كل خير ، وذلك من خلال اللعن يَصِمُ هذا الصنف من البشر الخائر الفاجر المتردد .