تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (2)

{ الحمد لله }

الحمد هو الثناء بالجميل على واهب الجميل ، ولله : علم على الذات الأقدس ، واجب الوجود ، ذي الجلال والإكرام ، وهي جملة خبرية معناها الشكر لله ، وفيها عرفان لله بالفضل والمنة كما ورد في الأثر : «يا ربي لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك » .

وفي الفتوحات الإلهية( 5 ) : الحمد لله المعبود للخواص والعوام ، المفزوع إليه في الأمور العظام ، المرتفع عن الأوهام ، المحتجب عن الأفهام ، الظاهر بصفاته وآلائه للأنام .

{ رب العالمين } الرب هو المالك المتصرف ، ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح والتربية .

والمتصرف للإصلاح والتربية يشمل بربوبيته العالمين أي جميع الخلائق قال في تفسير الجلالين : «أي مالك جميع الخلق من الإنس والجن والملائكة والدواب وغيرهم ، وكل منها يطلق عليه عالم ؛ يقال عالم الإنس وعالم الجن إلى غير ذلك » .

والله سبحانه لم يخلق الكون ثم يتركه هملا ، إنما هو يتصرف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربيه ، وكل العوالم تحفظ وتتعهد برعاية رب العالمين .

والصلة بين الخالق والخلائق دائمة ممتدة في كل وقت وفي كل حالة .

لقد حكي القرآن عقائد المشركين وصور التخبط الذي كان يحيط بالبشرية في الجاهلية فمنهم من اتخذ أصناما يعبدها من دون الله ، ومنهم من جعل الآلهة المتعددة رموزا للذات الإلهية وقالوا : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى }( الزمر : 3 ) . وقال القرآن عن جماعة من أهل الكتاب : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله }( التوبة : 31 ) .

وكانت عقائد الجاهليات السائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام ، تعج بالأرباب المختلفة ، بوصفها أربابا صغارا تقوم إلى جانب كبير الآلهة كما يزعمون .

جاء الإسلام وفي العالم ركام من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار . . يختلط فيها الحق بالباطل ، والصحيح بالزائف والدين بالخرافة ، والفلسفة بالأسطورة . . والضمير الإنساني تحت هذا الركام الهائل يتخبط في ظلمات وظنون ولا يستقر منها على يقين .

ومن ثم كانت عناية الإسلام الأولى موجهة إلى تحرير أمر العقيدة ، وتحديد التصور الذي يستقر عليه الضمير في أمر الله وصفاته ، وعلاقته بالخلائق وعلاقة الخلائق به على وجه القطع واليقين .

وكان من رحمة الله بالعباد إنقاذهم من الحيرة وإخراجهم من الضلال إلى الهدى بهذا الدين الحنيف بما فيه من جمال وبساطة ، ووضوح وتناسق وسهولة ويسر ، وتجاوب مع الفطرة .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (2)

الفائدة الثانية : اختلف هل أول الفاتحة على إضمار القول تعليما للعباد : أي قولوا الحمد لله ، أو هو ابتداء كلام الله ، ولا بد من إضمار القول في { إياك نعبد } وما بعده .

الفائدة الثالثة : الحمد أعم من الشكر ؛ لأن الشكر لا يكون إلا جزاء على نعمة والحمد يكون جزاء كالشكر ، ويكون ثناء ابتداء كما أن الشكر قد يكون أعم من الحمد ، لأن الحمد باللسان ؛ والشكر باللسان والقلب ، والجوارح .

فإذا فهمت عموم الحمد ، علمت أن قولك { الحمد لله } يقتضي الثناء عليه لما هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات ويتضمن معاني أسمائه الحسنى التسعة والتسعين ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميع خلقه في الآخرة والأولى .

فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات ، واتفق دون عدة عقول الخلائق ، ويكفيك أن الله جعلها أول كتابه وآخر دعوى أهل الجنة .

الفائدة الرابعة : الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدث بالنعم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " التحدث بالنعم شكر " ، والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه ، والشكر بالقلب هو معرفة مقدار النعمة .

والعلم بأنها من الله وحده ، والعلم بأنها تفضل لا باستحقاق العبد ، واعلم أن النعم التي يجب الشكر عليها لا تحصى ، ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام :

نعم دنيوية : كالعافية والمال .

ونعم دينية : كالعلم ، والتقوى .

ونعم أخروية : وهي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في العمر القصير .

والناس في الشكر على مقامين :

منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه خاصة .

ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم .

والشكر على ثلاث درجات : فدرجات العوام الشكر على النعم ، ودرجة الخواص الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال .

ودرجة خواص الخواص : أن يغيب عن النعمة بمشاهدة المنعم ، قال : رجل لإبراهيم بن أدهم : الفقراء إذا منعوا شكروا ، وإذا أعطوا آثروا .

ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الحق ، ومن صفات الخلق فإن من أسماء الله : الشاكر ، والشكور ، وقد فسرتهما في اللغة .

الفائدة الخامسة : قولنا : { الحمد لله رب العالمين } أفضل عند المحققين من لا إله إلا الله لوجهين :

أحدهما : ما خرجه النسائي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قال لا إله إلا الله كتب له عشرون حسنة ، ومن قال الحمد لله رب العالمين كتب له ثلاثون حسنة " .

والثاني : أن التوحيد الذي يقتضيه لا إله إلا الله حاصل في قولك :{ رب العالمين } وزادت بقولك : { الحمد لله } ، وفيه من المعاني ما قدمنا .

وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله " ، فإنما ذلك للتوحيد الذي يقتضيه ، وقد شاركتها الحمد لله رب العالمين في ذلك وزادت عليها ، وهذا المؤمن يقولها لطلب الثواب ، وأما لمن دخل في الإسلام فيتعين عليه لا إله إلا الله .

الفائدة السادسة : الرب وزنه فعل بكسر العين ثم أدغم ، ومعانيه أربعة : الإله ، والسيد ، والمالك ، والمصلح ، وكلها في رب العالمين ، إلا أن الأرجح معنى الإله : لاختصاصه لله تعالى ، كما أن الأرجح في العالمين أن يراد به كل موجود سوى الله تعالى ، فيعم جميع المخلوقات .