75- مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ . . . الآية
ناقشت آيات سابقة اليهود ثم أتبعت ذلك بمناقشة النصارى في تأليه المسيح . وهنا تفيد الآيات أن عيسى عليه السلام رسول من البشر كسائر الرسل الذين سبقوه ، مثل : نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من الرسل الذين مضوا دون أن يدعي أحد منهم الألوهية ، وأما أم عيسى فما هي إلا أمة من إماء الله كسائر النساء ديدنها الصدق مع خالقها عز وجل ، أو التصديق له في سائر أمورها .
ونسبة عيسى إلى مريم للدلالة على انه ولد من غير أب ، فإن الوالد ينسب إلى أبيه لا إلى أمه وللدلالة على بشريته وبشريتها فإن التوالد من صفات البشر .
والأناجيل التي بين أيدينا تؤيد ما ذكره القرآن الكريم .
فقد جاء في إنجيل يوحنا 17-3- أن المسيح قال مخاطبا ربه : " أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته " .
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ . الصديق : هو الذي يلتزم الصدق والحق .
ومريم من سلالة طاهرة . ونشأت في بيئة طيبة .
وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ . ( التحريم : 12 ) .
كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ . وأكل الطعام : يستدعي الحاجة إليه للانتفاع به ويستدعي شرب الماء والإخراج وغير ذلك من صفات البشر .
قال الزمخشري : لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة . . . وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام وحاشا للإله أن يكون كذلك {[302]} .
انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . أي : انظر يا محمد : كيف نبين لهم الأدلة المنوعة على حقيقة عيسى وأمه بيانا واضحا ظاهرا .
ثم انظر بعد ذلك كيف ينصرفون عن الإصاخة إليها والتأمل فيها لسوء تفكيرهم ، واستيلاء الجهل والوهم والعناد على عقولهم .
قال ابن الجوزي في زاد المسير يؤفكون : يصرفون عن الحق ويعدلون يقال : أفك الرجل عن كذا : إذا عدل عنه ، وأرض مأفوكة : محرومة المطر والنبات . كأن ذلك صرف عنها وعدل .
{ ما المسيح ابن مريم إلا رسول }فهو بشر مخلوق الله تعالى ، وعبد من أصفياء عباده ، اختاره للرسالة ، كسائر الرسل الذين مضوا قبله ، وسيمضي كما مضوا ، فكيف يكون إلاها أو جزء إله ؟
إن ذلك باطل من القول . و{ أمه صديقة }أي وما أمه إلا أمة من إماء الله كسائر النساء ديدنها الصدق مع الله ، أو التصديق له في سائر أمورها ، فمن أين لكم وصفها بما وصفتموها به ؟ { كانا يأكلان الطعام }أي كانا محتاجين إلى القوت ، وإلى القوى التي لا بد منها في هضمه ، وإحالته إلى ما به قوام الجسم والحياة ، وفي نفض ما لا بد من نفضه من المواد ، وليس شيء من ذلك في قدرتهما ، وإنما هو بقدرة الله تعالى وتدبيره ، فهما في ذلك كسائر البشر ، فكيف تنسبون إليهما ما نسبتم من الباطل المحال ؟
وقيل- كما قال الآلوسي-إنه كناية عن قضاء الحاجة ، لأن من أكل الطعام احتاج إلى النفض . وهذا أمر مذاقا في أفواه مدعى ألوهيتهما ، لما في ذلك- مع الدلالة على الاحتياج المنافي للألوهية- من البشاعة ما لا يخفى . { أنى يؤفكون }كيف يصرفون عن استماع الحق وتبينه مع ما بينا من دلائله . إن ذلك لشيء يتعجب منه غاية التعجب . يقال : أفكه عن الشيء يأفكه أفكا ، صرفه عنه وقلبه ، فأنا آفكه وهو مأفود وقد أفكت الأرض أفكا : صرف عنها المطر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.