تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (179)

{ ولكم في الحياة قصاص يا أولي الألباب لعلكم تتقون } .

قال المفسرون : القصاص إزالة الحياة ، وإزالة الشيء لا تكون نفس ذلك الشيء ، فالمراد : لكم في شرع القصاص حياة ، وأي حياة ، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة ، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفنى بكر بن وائل ، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله( 45 ) ويحتمل أن يقال إن نفس القصاص سبب لنوع من الحياة وهي حاصلة بالارتداع عن القتل لأن القاتل إذا قيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل ولم يقتل فكان القصاص سبب حياة نفسين( 46 ) .

وقرأ أبو الجوزاء : { ولكم في القصاص حياة } . أي فيما قص عليكم كم حكم القتل والقصاص ، وقيل القصص : القرآن أي لكم في القرآن حياة للقلوب .

والمتأمل في بلاغة الآية ومكانها مما قبلها يرى أن وقع لآية وجميل بيانها يتحقق بكلمة القصاص دون كلمة القصص ، ويرى أن الحياة تنبثق من كف الجناة عن الاعتداء ساعة الابتداء .

فالذي يوقن أنه سيدفع حياته ثمنا لحياة من يقتل جدير به أن يتروى ويفكر ويتردد . كما تنبثق من شفاء صدور أولياء الدم عند وقوع القتل بالفعل . شفاؤها من الحقد والرغبة في الثأر . الذي لم يكن يقف عند حد في القبائل العربية ، حتى لتدوم المعارك المتقطعة أربعين عاما كما في حرب البسوس المعروفة عندهم . وكما نرى نحن في واقع حياتنا اليوم ، حيث تسيل الحياة على مذابح الأحقاد العائلية جيلا بعد جيل ، ولا تكف عن المسيل .

وفي القصاص حياة على معناها الأشمل الأعم . فالاعتداء على حياة فرد اعتداء على الحياة كلها ، واعتداء على كل إنسان حي ، يشترك مع القتيل في سمة الحياة ، فإذا كف القصاص الجاني عن إزهاق حياة واحدة فقد كفه عن الاعتداء على الحياة كلها . وكان في هذا الكف حياة ، حياة مطلقة لا حياة فرد ولا حياة أسرة ولا حياة جماعة . بل حياة .

{ لعلكم تتقون } . أي تحذرون القتل لخوف القصاص .

وقال النيسابوري : لعلكم تتقون . يتعلق بمحذوف ، أي أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس لتكونوا على بصيرة في إقامته راجين أن تعملوا عمل أهل التقوى في الحكم به ، وهو خطاب له فضل اختصاص بالحكام وولاة الأمور( 47 ) .

وقال ألإمام محمد عبده معناه : " ثبتت لكم الحياة في القصاص لتعدكم وتهيئكم للتقوى والاحتراس من سفك الدماء وسائر ضروب الاعتداء ، إذ العاقل حريص على الحياة ، ولوع بالأخذ بوسائلها ، والاحتراس من غوائلها " .

حكمة التشريع الإسلامي في القصاص( 49 ) :

جعلت الشريعة القصاص عقوبة للقتل العمد والجرح العمد ، ومعنى القصاص أن يعاقب المجرم بمثل فعله فيقتل كما قتل ويجرح كما جرح .

ومصدر عقوبة القصاص هو القرآن والسنة ، فالله عز وجل يقول : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى . . . إلى آخر الآيتين178-179 من سورة البقرة .

ويقول جل شأنه : { وكتبنا عليكم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } . ( المائدة : 45 ) .

وفي السنة " من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن أحبوا فالقود وإن أحبوا فالقتل " أي الدية .

وفي السنة " من اعتبط مؤمنا بقتل فهو قود به إلا أن يرضى ولي المقتول " .

وليس في العلم كله قديمه وحديثه عقوبة تفضل عقوبة القصاص فهو أعدل العقوبات ، إذ لا يجازى المجرم إلا بمثل فعله ، وهي أفضل العقوبات للأمن والنظام ، لآن المجرم حين يعلم أنه سيجازى بمثل فعله لا يرتكب الجريمة غالبا .

والذي يدفع المجرم بصفة عامة للقتل والجرح هو تنازع البقاء وحب التغلب والاستعلاء ، فإذا علم المجرم أنه لن يبقى بعد فريسته أبقي على نفسه بإبقائه على فريسته ، وإذا علم أنه تغلب على المجني عليه اليوم فهو متغلب عليه غدا ، لم يتطلع إلى التغلب عليه عن طريق الجريمة ، وأمامنا على ذلك الجريمة العملية نراها كل يوم ، فالرجل العصبي المزاج السريع إلى الشر وطلب الشجار إذا رأى خصمه أقوى منه أو قدر أنه سيرد على الاعتداء بمثله .

والرجل المسلح قد لا يثنيه شيء من الاعتداء ولكنه يتراجع ويتردد إذا رأى خصمه مسلحا مثله ويستطيع أن يرد على الاعتداء ، والمصارع والملاكم لا يتحدى شخصا يعلم أنه أكثر منه قوة أو مرانا أو جلدا ولكنه يتحدى بسهولة من يظنه أقل منه قوة وأضعف جلدا .

تلك هي طبيعة البشر ، وضعت الشريعة على أساسها عقوبة القصاص ، فكل دافع نفسي يدعو إلى الجريمة يواجه من عقوبة القصاص دافعا نفسيا مضادا يصرف عن الجريمة ، وذلك ما يتفق تمام الاتفاق مع علم النفس الحديث .

وللمجني عليه ولوليه حق العفو والعقوبة ، والعفو قد يكون مجانا وقد يكون مقبل الدية ، ولكن سقوط عقوبة القصاص بالعفو لا يمنع ولي الأمر من أن يعاقب المجرم بعقوبة تعزيرية مناسبة .

ولقد كانت الشريعة عملية ومنطقية في منح حق العفو للمجنى عليه أو وليه لأن العقوبة فرضت أصلا لمحاربة الجريمة ، ولكنها ل تمنع وقوع الجريمة في أغلب الأحوال .

أما العفو فيؤدي إلى منع الجريمة في أغلب الأحوال ، لأنه لا يكون إلا بعد الصلح والتراضي وصفاء النفوس وخلوها من كل ما يدعو إلى الجريمة والإجرام .

فالعفو هنا يؤدي وظيفة العقوبة وينتهي إلى نهاية تعجز العقوبة عن الوصول إليها . جاء في تفسير المنار :

وقد تقع في كل بلاد العلم صور من جرائم القتل يكون فيها الحكم بقتل القاتل ضارا وتركه لا مفسدة فيه ، كأن يقتل الإنسان أخاه أو أحد أقاربه لعارض دفعه إلى ذلك ، ويكون هذا القاتل هو العائل لذلك البيت وإذا قتل يفقدون بقتله المعين والظهير ، بل قد تكون في قتل القاتل أحيانا مفاسد ومضار وإن كان أجنبيا من المقتول ويكون الخير لأولياء المقتول عدم قتله لدفع المفسدة أو لأن الدية أنفع لهم ، فأمثال هذه الصور توجب ألا يكون الحكم بقتل القاتل حتما لازما في كل حال بل يكون هو الأصل ويكون تركه جائزا برضاء أولياء المقتول وعفوهم ، فإذا ارتقت عاطفة الرحمة في شعب أو قبيلة أو بلد إلى أن صار أولياء القاتل منهم يستنكرون القتل ويرون العفو أفضل وأنفع فذلك إليهم .

والشريعة لا تمنعهم منه بل ترغبهم فيه ، وهذا الإصلاح الكامل في القصاص هو ما جاء به القرآن .

وما كان ليرتقي إليه بنفسه علم( 50 ) .

* * *

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (179)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ولكم في القصاص حياة}: بقاء يحجز بعضكم عن بعض.

{يا أولي الألباب}: من كان له لب أو عقل، فذكر القصاص، فيحجزه الخوف عن القتل. {لعلكم}: لكي {تتقون}: الدماء مخافة القصاص...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَياةٌ يا أُولي الألْباب": ولكم يا أولي العقول فيما فرضت عليكم وأوجبت لبعضكم على بعض من القصاص في النفوس والجراح والشجاج ما منع به بعضكم من قتل بعض وقَدَع بعضكم عن بعض فحييتم بذلك فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة.

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم في ذلك نحو الذي قلنا فيه... عن مجاهد في قوله: "وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَياةٌ يا أُولي الألْباب "قال: نكالٌ، تناهٍ...

وعظة لأهل السفه والجهل من الناس. وكم من رجل قد همّ بداهية لولا مخافة القصاص لوقع بها، ولكن الله حجز بالقصاص بعضهم عن بعض. وما أمر الله بأمر قط إلا وهو أمر صلاح في الدنيا والاَخرة ولا نهى الله عن أمر قط إلا وهو أمر فساد في الدنيا والدين، والله أعلم بالذي يصلح خلقه.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولكم في القصاص من القاتل بقاء لغيره لأنه لا يقتل بالمقتول غير قاتله في حكم الله. وكانوا في الجاهلية يقتلون بالأنثى الذكر، وبالعبد الحر.

"يا أُولي الألْبابِ": يا أولي العقول. والألباب جمع اللبّ، واللبّ العقل. وخص الله تعالى ذكره بالخطاب أهل العقول، لأنهم هم الذين يعقلون عن الله أمره ونهيه ويتدبرون آياته وحججه دون غيرهم.

"لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ": أي تتقون القصاص فتنتهون عن القتل.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قيل فيه بوجهين، وإلا فظاهر القصاص لا يكون حياة

أحدهما: من تفكر في نفسه قتلها إذا قتل آخر، ارتدع عن قتله، فتحيا النفسان جميعا.

والثاني: من نظر، فرأى يقتل بغيره، امتنع عن قتل كل، ففيه الحياة للأنفس جميعا.

ولهذا نقول بوجوب القصاص في الأنفس كلها، وإن اختلفت أحوالها؛ إذ لو لم يجعل بين الأنفس على اختلاف الأحوال قصاص لم تكن في القصاص حياة.

فأحق من يجعل فيه القصاص عند مختلف الأحوال بما يغضب الشريف على الوضيع، فيحمل غضبه على قتله، فجعل القصاص له أو لما يستخف به.

وأما الوارث لما يطمع وصوله إلى مورثه، فيحمله على قتله. فسبب القتل ليس ما يذكر، لكنه شدة الغضب. وفي المواريث زيادة، وهو ما يصل إلى ماله،

وفي الكافر من استخفافه بدينه من المقتول. فطلب فيه المعنى الذي فيه الإحياء، وهو حرمان الميراث. فعلى ذلك التقدير: يقتل المسلم بالكافر لأن المسلم قد يستخف بالكافر في دار سلمه، فيحمله استخفافه إياه على قتله؛ ففيه معنى يدعو إلى الفناء، فيجب أن يقتص من المسلم بالكافر لتحقيق معنى الحياة. وعلى هذا التقدير يقتل الحر بالعبد لأن الحر يستخف بالعبد، فيدعوه استخفافه به على قتله، فهو يقتل. أو نقول: يقتل الولد بالوالد لما يستعجل الوصول إلى ملكه، فيحمله على قتله، فلزم حفظ ما لأجله الحياة. ثم في الوالد شفقة ومحبة تمنع الوالد عن قتل ولده لذلك انتهى عن القصاص، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يقاد والد عن ولده" [الترمذي 1400]، وبالله التوفيق...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَلَكُمْ فِي القصاص حياة} كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أنّ القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكاناً وظرفاً للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة؛ لأن المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، فلما جاء الاسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أي حياة، أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، لأنّه إذا همّ بالقتل فعلم أنه يقتصّ فارتدع منه سلم صاحبه من القتل، وسلم هو من القود، فكان القصاص سبب حياة نفسين.

{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به. وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة.

أحكام القرآن لابن الفرس 595 هـ :

وقد اختلف في القصاص هل يكون كفارة للقاتل أم لا؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى ذلك، لقوله –عليه الصلاة السلام-:"الحدود كفارة لأهلها". ومنهم من ذهب إلى أن ذلك لا يكون كفارة، لأن المقتول المظلوم لا منفعة له في القصاص، وإنما هي منفعة للأحياء ليتناهى الناس عن القتل، وهو معنى قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة}...

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

نبه بالنداء -نداء ذوي العقول والبصائر- على المصلحة العامة، وهي مشروعية القصاص، إذ لا يعرف كنه محصولها إلاَّ أولو الألباب القائلون لامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وهم الذين خصهم الله بالخطاب، {إنما يتذكر أولوا الألباب} {لآيات لقوم يعقلون} {لآيات لأولي الألباب} {لآيات لأولي النهى} {لذكرى لمن كان له قلب} وذوو الالباب هم الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف، إذ من لا عقل له لا يحصل له الخوف، فلهذا خص به ذوي الألباب...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

قال الحرالي: فالحياة لمن سوى الجاني من عشيرته ممن كان يعتدى عليه بجناية غيره في الدنيا، والحياة للجاني بما اقتص منه في الأخرى، لأن من يكفّر ذنبه حيي في الآخرة، ومن بقي عليه جناية فأخذ بها فهو في حال ذلك ممن لا يموت فيها ولا يحيى، لأن المعاقب في حال عقوبته لا يجد طعم الحياة لغلبة ألمه ولا هو في الموت لإحساسه بعقوبته – انتهى...

{يا أولي الألباب} أي العقول التي تنفع أصحابها بخلوصها مما هو كالقشر لأنه جمع لب. قال الحرالي: وهو باطن العقل الذي شأنه أن يلحظ أمر الله في المشهودات كما شأن ظاهر العقل أن يلحظ الحقائق من المخلوقات، فهم الناظرون إلى ربّهم في آياته...

ثم علل ذلك بقوله: {لعلكم تتقون} أي الله بالانقياد لما شرع فتتحامون القتل. قال الحرالي: وفي إبهام لعل التي هي من الخلق كما تقدم تردد إعلام بتصنيفهم صنفين بين من يثمر ذلك له تقوى وبين من يحمله ذلك ويزيده في الاعتداء – انتهى...

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

في أول الآية: {ولكم} وفيها لطيفة: وهي بيان العناية بالمؤمنين على الخصوص، وأنهم المراد حياتهم لا غيرهم، لتخصيصهم بالمعنى مع وجوده فيمن سواهم!...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

قال تعالى بعد هذا البيان، المتضمن للحكمة والبرهان {يا أولى الألباب} فخص بالنداء أصحاب العقول الكاملة، مع أن الخطاب عام للتنبيه على أن ذا اللب هو الذي يعرف قيمة الحياة والمحافظة عليها، ويعرف ما تقوم به المصلحة العامة وما يتوسل به إليها، وهو مرتبتان: القصاص وهو العدل، والعفو وهو الفضل. كأنه يقول: إن ذا اللب هو الذي يفقه سر هذا الحكم وما اشتمل عليه من الحكمة والمصلحة، فعلى كل مكلف أن يستعمل عقله في فهم دقائق الأحكام، وما فيها من المنفعة للأنام، وهو يفيد أن من ينكر منفعة القصاص بعد هذا البيان، فهو بلا لب ولا جنان، ولا رحمة ولا حنان...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

ولما كان هذا الحكم، لا يعرف حقيقته، إلا أهل العقول الكاملة والألباب الثقيلة، خصهم بالخطاب دون غيرهم، وهذا يدل على أن الله تعالى، يحب من عباده، أن يعملوا أفكارهم وعقولهم، في تدبر ما في أحكامه من الحكم والمصالح الدالة على كماله وكمال حكمته وحمده وعدله ورحمته الواسعة، وأن من كان بهذه المثابة فقد استحق المدح بأنه من ذوي الألباب الذين وجه إليهم الخطاب، وناداهم رب الأرباب، وكفى بذلك فضلا وشرفا لقوم يعقلون...

{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وذلك أن من عرف ربه وعرف ما في دينه وشرعه من الأسرار العظيمة والحكم البديعة والآيات الرفيعة، أوجب له ذلك أن ينقاد لأمر الله، ويعظم معاصيه فيتركها، فيستحق بذلك أن يكون من المتقين...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(لعلكم تتقون).. هذا هو الرباط الذي يعقل النفوس عن الاعتداء. الاعتداء بالقتل ابتداء، والاعتداء في الثأر أخيرا.. التقوى.. حساسية القلب وشعوره بالخوف من الله؛ وتحرجه من غضبه وتطلبه لرضاه. إنه بغير هذا الرباط لا تقوم شريعة، ولا يفلح قانون، ولا يتحرج متحرج، ولا تكفي التنظيمات الخاوية من الروح والحساسية والخوف والطمع في قوة أكبر من قوة الإنسان! وهذا ما يفسر لنا ندرة عدد الجرائم التي أقيمت فيها الحدود على عهد النبي [ص] وعهد الخلفاء، ومعظمها كان مصحوبا باعتراف الجاني نفسه طائعا مختارا..

لقد كانت هنالك التقوى.. كانت هي الحارس اليقظ في داخل الضمائر، وفي حنايا القلوب، تكفها عن مواضع الحدود.. إلى جانب الشريعة النيرة البصيرة بخفايا الفطر ومكنونات القلوب.. وكان هناك ذلك التكامل بين التنظيمات والشرائع من ناحية والتوجيهات والعبادات من ناحية أخرى، تتعاون جميعها على إنشاء مجتمع سليم التصور سليم الشعور. نظيف الحركة نظيف السلوك. لأنها تقيم محكمتها الأولى في داخل الضمير! "حتى إذا جمحت السورة البهيمية في حين من الأحيان، وسقط الإنسان سقطة، وكان ذلك حيث لا تراقبه عين ولا تتناوله يد القانون، تحول هذا الإيمان نفسا لوامة عنيفة، ووخزا لاذعا للضمير، وخيالا مروعا، لا يرتاح معه صاحبه حتى يعترف بذنبه أمام القانون، ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة، ويتحملها مطمئنا مرتاحا، تفاديا من سخط الله، وعقوبة الآخرة. إنها التقوى.. إنها التقوى...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

والقصاص كلمة عامة يشمل القصاص في الأنفس الذي اختصت به آية القصاص، إذ قال تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى}

أما في هذه الآية {ولكم في القصاص حياة} فإن القصاص في الضرب واللطم على ما حققه فقهاء السلف...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

إن الحق يرفع العقاب والعذاب عن القاتل إذا قبل القصاص ونفذ فيه، أو إذا عفى عنه إلى الدية وأداها. ولكن الحق لا يقبل سوى استخدام الفرص التي أعطاها الحق للخلق ليرتفعوا في علاقاتهم. إن الحق لا يقبل أن يتستر أهل قتيل وراء العفو، ليقتلوا القاتل بعد أن أعلنوا العفو عنه، فذلك عبث بما أراده الحق منهجاً بين العباد ولذلك يقول الحق: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون 179} وهنا نلاحظ أن النسق القرآني يأتي مرة فيقول: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم). ويأتي هنا ليقول النسق القرآني: (ولكم في القصاص).

التشريع الدقيق المحكم يأتي بواجبات وبحقوق؛ فلا واجب بغير حق، ولا حق بغير واجب، وحتى نعرف سموّ التشريع مطلوب من كل مؤمن أن ينظر إلى ما يجب عليه من تكاليف، ويقرنه بما له من حقوق، ولسوف يكتشف المؤمن أنه في ضوء منهج الله قد نال مطلق العدالة.

إن المشرّع هو الله، وهو رب الناس جميعا، ولذلك فلا يوجد واحد من المؤمنين أولى بالله من المؤمنين الآخرين. إن التكليف الإيماني يمنع الظلم، ويعيد الحق، ويحمي ويصون للإنسان المال والعرض. ومن عادة الإنسان أن يجادل في حقوقه ويريدها كاملة، ويحاول أن يقلل من واجباته، ولكن الإنسان المؤمن هو الذي يعطي الواجب تماما فينال حقوقه تامة، لذلك يقول الحق: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون 179} (سورة البقرة).

إن القصاص مكتوب على القاتل والمقتول وولي الدم. فإذا علم القاتل أن الله قد قرر القصاص فإن هذا يفرض عليه أن يسلم نفسه، وعلى أهله ألا يخفوه بعيداً عن أعين الناس؛ لأن القاتل عليه أن يتحمل مسئولية ما فعل، وحين يجد القاتل نفسه محوطاً بمجتمع مؤمن يرفض القتل فإنه يرتدع ولا يقتل، إذن ففي القصاص حياة؛ لأن الذي يرغب في أن يقتل يمكنه أن يرتدع عندما يعرف أن هناك من سيقتص منه، وأن هناك من لا يقبل المداراة عليه.

ونأتي بعد ذلك للذين يتشدقون ويقولون: إن القصاص وحشية وإهدار لآدمية الإنسان، ونسألهم: لماذا أخذتكم الغيرة لأن إنساناً يقتص منه بحق وقد قتل غيره بالباطل؟ ما الذي يحزنك عليه؟

إن العقوبة حين شرعها الله لم يشرعها لتقع، وإنما شرعها لتمنع. ونحن حين نقتص من القاتل نحمي سائر أفراد المجتمع من أن يوجد بينهم قاتل لا يحترم حياة الآخرين، وفي الوقت نفسه نحمي هذا الفوضوي من نفسه؛ لأنه سيفكر ألف مرة قبل أن يرتكب جريمة.

إذن فالقصاص من القاتل عبرة لغيره، وحماية لسائر أفراد المجتمع، ولذلك يقول الحق سبحانه: (ولكم في القصاص حياة). إن الحق يريد أن يحذرنا أن تأخذنا الأريحية الكاذبة، والإنسانية الرعناء، والعطف الأحمق، فنقول: نمنع القصاص.

كيف نغضب لمعاقبة قاتل بحق، ولا نتحرك لمقتل بريء؟ إن الحق حين يشرع القصاص كأنه يقول: إياك أن تقتل أحداً لأنك ستقتل إن قتلته، وفي ذلك عصمة لنفوس الناس من القتل. إن في تشريع القصاص استبقاء لحياتكم؛ لأنكم حين تعرفون أنكم عندما تقتلون بريئا وستقتلون بفعلكم فسوف تمتنعون عن القتل، فكأنكم حقنتم دماءكم. وذلك هو التشريع العالي العادل.

وفي القصاص حياة؛ لأن كل واحد عليه القصاص، وكل واحد له القصاص، إنه التشريع الذي يخاطب أصحاب العقول وأولي الألباب الذين يعرفون الجوهر المراد من الأشياء والأحكام، أما غير أولي الألباب فهم الذين يجادلون في الأمور دون أن يعرفوا الجوهر منها، فلولا القصاص لما ارتدع أحد، ولولا القصاص لغرقت البشرية في الوحشية. إن الحكمة من تقنين العقوبة ألا تقع الجريمة، وبذلك يمكن أن تتوارى الجريمة مع العقوبة ويتوازن الحق مع الواجب.

إن المتدبر لأمر الكون يجد أن التوازن في هذه الدنيا؛ على سبيل المثال في السنوات الماضية يأتي من وجود قوتين عظمتين كلتاهما تخشى الأخرى وكلتاهما تختلف مع الأخرى، وفي هذا الاختلاف حياة لغيرهما من الشعوب، لأنهما لو اتفقتا على الباطل لتهدمت أركان دولتيهما، وكان في ذلك دمار العالم، واستعباد لبقية الشعوب وكان كل نظام من نظم العالم يحمل للآخر الحقد والكراهية والبغضاء ويريد أن يسيطر بنظامه، لكنه يخشى قوة النظام الآخر، لهذا نجد في ذلك الخوف المتبادل حماية لحياة الآخرين، وفرصة للمؤمنين أن يأخذوا بأسباب الرقي العلمي ليقدموا للدنيا أسلوباً لائقاً بحياة الإنسان على الأرض في ضوء منهج الله. وعندما حدث اندثار لقوة من القوتين هي الاتحاد السوفيتي، فإن الولايات المتحدة تبحث الآن عن نقيض لها، لأنها تعلم أن الحياة دون نقيض في مستوى قوتها، قد يجرئ الصغار عليها.

إن الخوف من العقوبة هو الذي يصنع التوازن بين معسكرات العالم، والخوف من العقوبة هو الذي يصنع التوازن في الأفراد أيضا.

إن عدل الرحمن هو الذي فرض علينا أن نتعامل مع الجريمة بالعقاب عليها، وأن يشاهد هذا العقاب آخرون ليرتدعوا.

فها هو ذا الحق في جريمة الزنى على سبيل المثال يؤكد ضرورة أن يشاهد العقاب طائفة من الناس ليرتدعوا. إن التشديد مطلوب في التحري الدقيق في أمر حدوث الزنى؛ لأن عدم دقة التحري يصيب الناس بالقلب ويسبب ارتباكا وشكا في الأنساب، والتشديد جاء أيضا في العقوبة في قول الحق:

{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين 2} (سورة النور).

إن الذي يجترئ على حقوق الناس يجترئ أيضا على حقوق الله، ولذلك فمقتضى إيثار الإيمان هو إرضاء الله لا إرضاء الناس. وفي إنزال العقاب بالمعتدي خضوع لمنهج الله، وفي رؤية هذا العقاب من قبل الآخرين هو نشر لفكرة أن المعتدي ينال عقاباً، ولذلك شرّع الحق العقاب والعلانية فيه ليستقر التوازن في النفس البشرية.

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (179)

وقوله : ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) .

أما قوله : ( ولكم في القصاص حياة ) فهو غاية في الإيجاز والإحكام والروعة بما يعبر عن المقصود في جلاء واضح وبيان فصيح . فقد جاء في الأمثال البليغة لفصحاء العرب ، أو الكتب المتقدمة في قول آخر : ( القتل أنفى للقتل ) وهذه العبارة رغم إيجازها وفصاحتها فإنها لا تعدل في ميزان البيان والفصاحة شيئا إذا ما قيست بقوله سبحانه : ( ولكم في القصاص حياة ) فلا ريب أن القصاص زاجر كبير للناس ؛ إذ يبعث فيهم اليقظة والخوف ؛ كيلا يعتدي بعضهم على بعض ، وقد ذكر أن العرب كانت إذا قتل الرجل الآخر استشاط قبيلاهما فاقتتلوا فيما بينهم بما يوقع بينهم عداوة وإزهاقا للنفوس حتى إذا شرع القصاص أمسكوا جميعا عن القتل .

لذلك فإن تشريع القصاص في الإسلام يحقق للناس الأمن والاستقرار وسلامة النفوس ، ويحفظ عليهم المهج والأبدان . وبذلك تصان الأرواح وتحفظ الحياة .

وثمة مسألة تعرض في هذا الصدد وهي : هل لأحد أن يقتص بمفرده من أحد غيره ؟ فإن المتفق عليه بين أهل العلم أن إقامة الحدود وتنفيذ القصاص مما أنيط بالسلطان فالحاكم أو نائبه هو المكلف شرعا أن يقيم العقاب على الجاني ، والقاتل خاصة . فليس للأفراد أن يقتص الواحد فيهم من غيره وإلا وقع التجاوز وعمت الفوضى ، فضلا عن أن ذلك افتيات على سلطة الدولة المكلفة بذلك{[207]} .

وإذا اعتدى الحاكم فقتل عمدا فهل يُقتص منه ؟

فقد أجمع العلماء على أن الحاكم عليه أن يستقيد ( يقتص ) من نفسه للمعتدى عليه وذلك إن تعدى على أحد من الناس عمدا . فإنه ليس من فضل له على الناس أصلا إلا أنه قائم على شؤون الرعية يسوسهم بالعدل ويقيم شريعة الله . والأصل في ذلك أن المسلمين تتكافأ دماؤهم{[208]} .

وقد ثبت عن الخليفة الأول أبي بكر- رضي الله عنه- أنه قال لرجل شكا إليه من عامل قطع يده : لئن كنت صادقا لأقيدنك منه .

وروى النسائي في سننه عن أبي سعيد الخدري قال : بينا رسول الله ( ص ) يقسم شيئا إذا أكبّ عليه رجل ، فطعنه رسول الله ( ص ) بعرجون كان معه فصاح الرجل ، فقال له رسول الله ( ص ) : " تعال فاستقد " قال : بل عفوت يا رسول الله .

وذكر أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال : ألا من ظلمه أميره فليرفع ذلك إلي أقيده منه . فقام عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين ! لئن أدب رجل منا رجلا من أهل رعيته لتقصنه منه ؟ قال : كيف لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله ( ص ) يقص من نفسه .

وذكر عنه –رضي الله عنه- أنه خطب الناس فقال : إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ، فمن فُعل ذلك به فليرفعه إليّ أقصه منه .

وقوله : ( لعلكم تتقون ) أي تتركون القتل العمد فتسلمون من الموت قصاصا ، وتحفظون بذلك حياتهم وأرواحكم من الهلاك . والتقوى هي اسم جامع لفعل الخيرات والطاعات وترك المعاصي والمحظورات .


[207]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 256 وتفسير البيضاوي ص 37.
[208]:- المغني جـ 7 ص 663 وتفسير القرطبي جـ 2 ص 256.