{ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم( 228 ) }
المطلقات : المراد بهن في الآية المدخول بهن من الحرائر ذوات الحيض أما غير المدخول بهن فلا عدة عليهن .
التربص : التأني والتريث والانتظار .
القروء : واحدها قرء( بضم القاف وفتحها ) يطلق تارة على حيض المرأة وأخرى على طهرها ، ومن ثم قال الحنيفة والحنابلة المراد به الحيض ، وقال المالكية والشافعية المراد به الطهر .
ما خلق الله في أرحامهن : يشمل الحمل والحيض والطهر .
البعولة : جمع البعل وهو الزوج ، والبعولة أيضا مصدر البعل والمباعلة والبعال : الجماع .
على المطلقات أن تمكث إحداهن بعد الطلاق زوجها ثلاث حيضات بدون نكاح ، ثم لها أن تتزوج بعد إن شاءت ، ولا يحل للمطلقة أن تكتم ما في رحمها أو دم الحيض ، فالإيمان بالله وباليوم الآخر يدفعها إلى قول الصدق .
وأزواجهن لهم الحق في مراجعة الزوجات المطلقات في مدة العدة إذا كان الطلاق رجعيا فلا يصح أن تمتنع الزوجات عن الرجوع إليهم ، وعلى الأزواج عند استعمال هذا الحق أن يقصدوا الإصلاح لا المضرة .
وللزوجات من الحقوق مثل ما عليهن من الواجبات بما لا ينكره الشرع الشريف ، وللرجال على النساء درجة الرعاية والنفقة والعدالة .
والله سبحانه فوق عباده يشرع لهم ما يتفق مع الحكمة .
{ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء . . . }
وضع الإسلام أسس السعادة الزوجية فأمر بحسن اختيار الزوجة ثم وضع حقوق الرجل والمرأة في نطاق الأشرة فصل نظام الطلاق عند الحاجة إليه ، وأبدع في بيان هذا النظم . ومن ذلك بيان نظام العدة والرجعة والنفقة . ومن أروع البيان ما ورد في هذه الآية قوله سبحانه : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء }
وذلك لأن المرأة المطلقة كثيرا ما تشعر بعد طلاقها بأنها في حاجة إلى أن تثبت أن إخفاقها في حياتها الزوجية السابقة ليس لنقص فيها أو لعجز عن إنشاء حياة زوجية أخرى ، وهذا الشعور قد يدفعها إلى التسرع والاندفاع من أجل إنشاء هذه الحياة ، وهنا تبرز طريقة القرآن الحكيمة في معالجة النفوس ، إنه يقول للمطلقة : إن التطلع إلى إنشاء حياة زوجية أخرى ليس عيبا ، ولكن الكرامة توجب عليها الانتظار والتريث ، إذ لا يليق بالمرأة الكريمة أن تنتقل بين الأزواج تنقلا سريعا وأيضا فإن نداء الفطرة وتعاليم الشريعة توجبان عليها الانتظار مدة ثلاثة قروء لكي تستبرئ رحمها حتى إذا كان حمل نسب إلى الأب الشرعي له .
وفي قوله { يتربصن بأنفسهن } . إشعار بأن هذا التربص يجب أن يكون من ذات أنفسهن وليس من عامل خارجي فشأن الحرة الكريمة المؤمنة أن تحجز نفسها بنفسها عن كل ما يتنافى مع الكرامة والشرف ، فقد تجوع الحرة ولكنها لا تأكل بثديها كما يقال في المثل .
وقد أشار الزمخشري إلى هذا المعنى بقوله :
" فإن قلت وما معنى ذكر الأنفس هنا ؟ قلت في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث ، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن ، وذلك أن أنفس النساء طوامح من الرجال . فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ، ويجبرونها على التربص " ( 228 ) .
وقد أوجبت الآية أن تنتظر المطلقة مدة ثلاثة قروء قبل الزواج من رجل آخر .
والقروء جمع قرء بضم القاف وفتحها ويطلق على الطهر وعلى الحيض . ولذلك اختلف الفقهاء في المراد من القروء المعتبرة . العدة فالأحناف والحنابلة ومن قبلهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وغيرهم يرون أن المراد بالقروء هنا الحيضات والمعنى عندهم : أن المطلقات عليهن أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن مدة ثلاث حيضات بدون زواج ثم بعد ذلك لهن أن يتزوجن إن شئن .
ومن أدلتهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فسر القرء بمعنى الحيض ، فقد جاء الحديث الذي رواه أبو داود عن فاطمة بنت أبي جحش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها : " دعي الصلاة أيام أقرئك " ( 229 ) .
ولا شك أن المراد بالقرء في هذا الحديث الحيض ، لأنه هو الذي لا تصح معه الصلاة .
أما المالكية والشافعية ومن قبلهم عائشة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ، والزهري وغيرهم فيرون أن المراد من بالقروء هنا الأطهار أي الأوقات التي تكون بين الحيضتين للنساء .
ومعنى الآية عندهم : أن المطلقات أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن ثلاثة أطهار( 230 ) بدون زواج ثم بعد ذلك يزوجن إن شئن ومن أدلتهم : أن الله تعالى يقول : { فطلقوهن لعدتهن }( الطلاق : 1 )
وقد بينت السنة النبوية أن الطلاق لا يكون في الحيض . فلا يتصور أن يكون الطلاق في العدة إلا إذا فسرنا القرء بالطهر لا بالحيض . وروى عن عائشة أنها قالت : هل تدرون الأقراء ؟ الأقراء الأطهار( 231 ) .
والمسألة كما ترى محتملة للمعنيين .
قال السيد رشيد رضا في تفسير المنار قال الأستاذ الإمام محمد عبده : " والخطب في الخلاف سهل لأن المقصود من هذا التربص العلم ببراءة الرحم من الزواج السابق ، وهو يحصل بثلاث حيض كما يحصل بثلاثة أطهار ، ومن النادر أن يستمر الحيض إلى آخر الحمل فكل من القولين موافق لحكمة الشرع في المسألة( 232 ) .
{ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر }
قيل : المراد بما خلق الله في أرحامهن الحيض ، وقيل الحمل وقيل هما معا . وهذا دليل على أن المرأة مؤتمنة على ما في رحمها ، يقبل قولها فيه لأنه لا يعلم إلا من قبلها وإنما حرم الله أن يكتمن ما في أرحامهن لأنه يتعلق بذلك حق الرجعة للرجل وعدم اختلاط الأنساب . وإذا لم تحافظ المرأة على ذلك فربما حرمت الرجل من حقه في المراجعة إذا ادعت انقضاء العدة .
وربما ادعت انقضاء العدة وهي مشغولة الرحم بالحمل من المطلق ثم تزوجت فأدى ذلك إلى اختلاط الأنساب .
ولذلك لمست الآية قلوب المطلقات بذكر الله الذي يخلق ما في أرحامهن . واستجاشت كذلك شعور الإيمان بالله واليوم الآخر ، فشرط هذا الإيمان ألا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ، وذكر اليوم الآخر بصفة خاصة له وزنة هنا ، فهناك الجزاء " هناك العوض عما قد يفوت بالتربص ، وهناك العقاب لو كتمن ما خلق الله في أرحامهن ، وهو يعلمه لأنه هو الذي خلقه ولا يخفى عليه شيء منه ، فلا يجوز كتمانه عليه سبحانه تحت تأثير أي رغبة أو هوى أو غرض من شتى الأغراض التي تعرض لنفوسهن " ( 233 ) .
" والآية تدل على من ائتمن على شيء فلا يحل له أن يخون وهذا هو مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر " ( 234 ) .
{ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا }
والمعنى : وأزواج المطلقات طلاقا رجعيا أحق بردهن ومراجعتهن " في ذلك " أي في وقت التربص قبل انقضاء العدة : إن أرادوا إصلاحا . أي إن أرادوا بهذه المراجعة الإصلاح لا الإضرار .
" وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت مدخولا بها تطليقة أو تطليقتين ، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة ، فإن لم يراجعها المطلق حتى انقضت عدتها أحق بنفسها وتصير أجنبية منه ولا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولي وإشهاد ليس على سنة المراجعة وهذا إجماع من العلماء .
قال المهلب : وكل من راجع في العدة فإنه لا يلومه شيء من أحام النكاح غير الإشهاد على المراجعة فقط وهذا إجماع من العلماء( 235 )لقوله تعالى : ( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ) .
ومن هذا التسريع الإلهي العدل نتبين حكمة الإسلام من وراء مشروعية العدة فهي فترة معقولة يراجع فيها الزوج نفسه ، ويتبين حقيقة عواطفه ولعله خلال هذه الفترة أن في قلبه رمقا من مودة أو بقية من عاطفة ، ولعل الحنين أن يعاود الزوجين إلى استئناف الحياة الزوجية فرارا من الطلاق وهو أبغض الحلال عند الله ( 236 ) .
{ ولهن مثل الذين عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة }
أي وللنساء من الحقوق مثل الذي عليهن من الواجبات نحو الرجال ، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه وذلك بالمعروف .
" والمراد بالماثلة في الوجوب لا في جنس الفعل ، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال " .
أي أن الحقوق والواجبات بينهما متبادلة ، وأنهما متماثلان في أن كل واحد منهما عليه أن يؤدي نحو صاحبه ما يحب عليه بالمعروف أي بما عرفته الطباع السليمة ولا تنكره ، ووافق ما أوجبه الله على كل منهما في شريعته . " كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع : فاتقوا الله في نسائكم ، فإنكم أخذتموهن بالأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربهن ضربا غير مبرح ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ( 237 ) .
وفي حديث معاوية بن حيدة القشيري أنه قال : يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا ؟ قال : " تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت " ( 238 ) .
وعن ابن عباس قال : إني لأحب أن أتزين للمرأة ، كما أحب أن تتزين لي المرأة لأن الله يقول : { ولهن مثل الذين عليهن بالمعروف } . رواه ابن جرير والطبري وابن أبى حاتم وإسناده صحيح( 239 ) .
وعن ابن عباس أيضا : أي لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن( 240 ) .
وقال الطبري : لهن على أزواجهن ترك مضارتهن كما كان ذلك عليهن لأزواجهن .
وقال ابن زيد : تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله عز وجل فيكم . والمعنى متقارب والآية تعم جميع ذلك من حقوق الزوجية( 241 ) .
{ وللرجال عليهن درجة } والدرجة في الأصل ما يرتقي عليه من سلم ونحوه ، والمراد به هنا المزية والزيادة أي : لهن عليهم مثل الذي لهم عليهن . وللرجال على النساء مزية وزيادة في الحق بسبب حمايتهم لهن ، وقيامهم بشئونهن ونفقتهن وغير ذلك من واجبات .
قال الأستاذ محمد أبو زهرة : وإذا كانت الأسرة لا تتكون إلا من ازدواج هذين العنصرين الرجل والمرأة فلا بد أن يشرف على تهذيب الأسرة ويقوم على تربية ناشئها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العنصرين . وقد نظر الإسلام إلى هذا الأمر نظرة عادلة ، فوجد أن الرجل أملك لزمام نفسه وأقدر على ضبط حسه ، ووجده هو الذي أقام البيت بماله وأن انهياره خراب عليه ، فجعل له الرياسة ولذا قال سبحانه : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم }( النساء : 134 ) .
هذه هي الدرجة التي جعلها الإيلام للرجل ، وهي درجة تجعل له حقوقا وتجعل عليه واجبات أكثر فهي موائمة كل الموائمة لصدر الآية فإذا كان للرجل فضل درجة ، فعليه فضل واجب( 242 ) .
{ والله عزيز } : أي منيع السلطان لا معترض عليه .
{ حكيم } : في أمره وشرعه وسائر ما يكلف به عباده ، فعلى الرجل والمرأة أن يطلبا عزهما فيما شرعه الله فهو الملجأ والمعاد لكل ذي حق مهضوم وعليهما كذلك أن يتمسكا بما كلفهما به لأنه ما كلفهما إلا بما تقتضيه الحكمة ويؤيده العقل السليم .
في تفسير : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف }
" قول ابن عباس : " إني لأتزين لامرأتي " قال العلماء : أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم فإنهم يعملون ذلك على اللباقة والوفاء ، فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت ، وزينة تليق بالشباب وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب ، ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حف شاربه ليق به ذلك وزانه ، والشباب إذ فعل ذلك سمج ومقت لأن اللحية لم توفر بعد ، فإذا حف شاربه في أول ما خرج وجهه سمج ، وإذا وفرت لحيته وحف شاربه زانه ذلك . روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أمرني ربي أن أعفي لحيتي وأحفي شاربي( 243 ) . وكذلك في شأن الكسوة ففي هذا كله ابتغاء الحقوق ، فإنما يعمل اللائق والموافق ليكون عند امرأته في زينة تسرها ويعفها من غيره من الرجال ، وكذلك الكحل ، من الرجال من يليق به ومنهم من لا يليق به فأما الطيب والسواك والخلال( 244 ) والرمي بالدرن( 245 ) وفضول الشعر والتطهير وقص الأظفار فهو بين موافق للجميع ، والخضاب للشيوخ والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة ، وهو حلي الرجال .
ثم عليه أن يتوخى أوقات حاجتها إلى الرجل فيعفها ويغنيها عن التطلع إلى غيره ، وإن رأي الرجل من نفسه عجزا عن إقامة حقها من مضجعها أخد من الأدوية التي تزيد في بهائه وتقوي شهوته حتى يعفها( 246 ) .
2- من تفسير المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة :
" شرعت العدة استبراء للرحم أولا ، وذلك الاستبراء للرحم من الحمل لا يكون مؤكدا إلا بعد ثلاث حيضات ، والحامل لا تحيض عادة وإن حاضت فإن ذلك يكون مرة أو اثنتين على الأكثر إذ أن الجنين يكون قد نما بعد هذه المدة إلى درجة يملأ تجويف الرحم فيمنع نزول دم الحيض ، ذلك تقدير لله في خلقه ، وما كان معلوما عند العرب ، وما كان للنبي الأمي أن يعلمه ولكن الله أنزل عليه القرآن فعلمه وعلم أمته ، وشرعت العدة ثانيا ليكون عند المطلق فرصة المراجعة لزوجته إذ قد يكون طلق امرأته التي دخل بها تحت تأثير نوبة غضب جامحة فإذا ثاب إليه رشده ندم على ما فعل فحينئذ يجد رحمة الله واسعة وشرعه حكيما ، قد أعطاه الحق في أن يقول " راجعتك " فتعود إليه زوجته ولكن تحتسب عليه الطلقة من ثلاث طلقات( 247 ) . "
القرء : الحيض أو الطهر من الحيض .
وعلى المطلقات اللاتي دخل بهنّ أزواجهن أن ينتظرن ثلاثة حيضات ، لا يجوز للمرأة منهنّ أن تتزوج قبل انقضائها ، وهي العدة . والحكمة في ذلك هي التأكد من أنها ليست ذات حمل . ولا يجوز لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الأولاد ، أو دم الحيض . . ذلك أن بعض المطلقات يدّعين أن مدة الحيض طالت ، فيطالبن بالنفقة عن تلك المدة .
وكانت المرأة في الجاهلية قد تتزوج بعد طلاقها دون أن تنتظر العدة ، ثم يظهر أنها حبلى من الأول ، فتُلحق الولد بالثاني . . وفي هذا اختلاط الأنساب وضياع لحقوق الناس . فلما جاء الإسلام حرّم هذا وشدّد في ذلك بقوله : { إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر } أي : إذا كن صادقات في الإيمان بالله واليوم الآخر .
والأزواج أحقّ من غيرهم في إرجاع مطلقاتهم إليهم قبل انقضاء العدة إذا قصدوا الإصلاح وحسن المعاشرة ، أما إذا قصدوا الإضرار بالمرأة ومنعها من التزوج حتى تبقى كالمعلّقة فلا ، ويكون الزوج آثماً عند الله .
{ وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بالمعروف . . . } إن للرجال والنساء حقوقا الواحد منهم تجاه الآخر ، وعليهم وعليهن واجبات . «وبالمعروف » تعني : أن هذه الحقوق والواجبات موكولة إلى اصطلاح ما يجري عليه العرف بينهم وما تعارفوا عليه من آداب وعادات . وقد أجمل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقوق عندما قضى بين ابنته فاطمة وزوجها عليّ ، حيث قضى عليها بخدمة البيت ، وعليه بما كان في خارجه من الأعمال .
وهذا ما تحكم به الفطرة في توزيع الأعمال بين الزوجين ، فعلى المرأة تدبير شؤون المنزل ، وعلى الرجل السعي والكسب في خارجه . ولا يمنع هذا من استعانة أي منهما بالخدم ، ولا من مساعدة كل منهما للآخر .
أما قوله تعالى : { وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } فقد فسرتها الآية الواردة في سورة النساء : { الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ } ، فهذه الدرجة هي الرياسة ومسؤولية القيام على المصالح ، والإنفاق على الأسرة .
إن الحياة الزوجية تقتضي وجود مسؤول يُرجع إليه عند اختلاف الآراء والرغبات ، حتى لا يعمل كلٌّ ضد الآخر ، فتنفَصِم عروة الوحدة الجامعة ، والرجل هو الأحق بذلك .
{ والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فمن عزّته أن أعطى المرأة مثل ما أعطى الرجل من الحقوق بعد أن كانت كالمتاع لدى جميع الأمم . إنه هو الذي رفعها عما كانت عليه في كل شريعة من الشرائع الماضية . فلقد كانت المرأة عند الرومان مثلاً أمَة في بيت زوجها عليها واجبات ، وليس لها حقوق .
ويرى الأستاذ سيد قطب أن هذه الدرحة مقيدة في هذا السياق بحق الرجل في هذا الموضع ، وليست مطلقة الدلالة ، كما يفهمها الكثيرون ، ويستشهدون بها في غير موضعها .
قوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم ) . هذه الآية متعلقة بالطلاق والعدة . وقد جاء لفظ المطلقات عاما ، لكن المقصود به الخصوص ، وذلك في المطلقات المدخول بهن وليس المطلقات جميعا . وبذلك تخرج من المراد بالآية المطلقة قبل الدخول ؛ لقوله تعالى في آية أخرى : ( فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) وكذلك تخرج المطلقة الحامل فإن عدتها بحسب مدة الحمل وتنتهي بالوضع ؛ لقوله تعالى : ( أولئك الأحمال أجلهن يضعن حملهن ) فالمعنى أن المطلقات المدخول بهن يجب عليهن أن ( يتربصن ) أي ينتظرن بعد طلاقهن مدة قروء ثلاثة ؛ وذلك لتمام عدتهن . حتى إذا تمت هذه العدة كان لهن أن يتزوجن من رجال آخرين إن أردن .
أما القروء فهي جمع قلة ومفرده قرء وهو من حيث المفهوم اللغوي يطلق على الطهر والحيض ؛ لأن القرء في اللغة يعني الجمع ، فهو إذا أطلق على الطهر كان المقصود به اجتماع الدم في الجسد لا في الرحم . وإذا أطلق على الحيض كان المقصود به اجتماع الدم في الجسد لا في الرحم . وإذا أطلق على الحيض كان المقصود به اجتماع الدم في الحيض{[307]} . واختلف الفقهاء في المراد بالقرء . فقد ذهب أبو حنيفة وابن حنبل إلى أنه الحيض ، وهو قول كثير من الصحابة منهم أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وأبو الدرداء وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وابن عباس وآخرون .
وذهب مالك والشافعي وداود الظاهري وأحمد في إحدى الروايتين عنه أنه الطهر . وهو قول السيدة عائشة وابن عباس وزيد بن ثابت وآخرين غيرهم{[308]} .
وقوله : ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) ( ما ) اسم موصول في محل نصب مفعول به للفعل ( يكتمن ) . والمقصود باسم الموصول ، وهو الذي لا ينبغي كتمانه ، موضع خلاف العلماء . فقد قيل : إنه الحيض ، وقيل : بل هو الحمل ، وثمة رأي ثالث بأنه الحيض والحمل معا . والراجح عندي أن الكتمان يقع على كل من الحيض أو الحمل ، ولا يشترط أن يكونا معا ، فربما تكتم المطلقة حيضتها زاعمة أنها لم تحض وذلك رغبة منها في تطويل العدة لحاجة في نفسها ، أو تزعم أنها حاضت وهي في الحقيقة لم تحض وذلك استعجالا منها في انقضاء العدة .
وقيل المقصود بالمكتوم الحمل لتقطع صلته بأبيه الحقيقي ، فقد ذكر أنه كانت عادة بعض النساء في الجاهلية كتمان ما في أرحامهن من حمل ؛ وذلك من أجل أن يلحقن الولد بالزوج الجديد . وفي هذا نزلت الآية{[309]} .
قوله : ( إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ) ذلك تهديد وتخويف من الله- عز وجل- للنساء المطلقات واللواتي يمضين في الاعتداد ، فإن عليهن أن يكشفن في صدق ووضوح عن حقيقة ما في أرحامهن من حيض أو حمل ، ولا يبغي أن يفهم من الشرطة المخالفة ليقال : إن كانت المطلقات يؤمن بالله واليوم الآخر فليس لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ، وبناء على هذا فإن انعدم الشرط انعدم معه الوجوب بعد الكتمان ، فإن كانت المطلقات لا يؤمن بالله واليوم الآخر فلا جناح عليهن في الكتمان ، وذلك فهم فاسد ، بل المقصود هو الإخبار أن كتمان ما في الرحم لهو عمل محرم وشنيع ، بل إنه ليس من فعل أهل الإيمان .
قوله : ( وبعولتهن أحق برجهن في ذلك ) البعولة جمع مفرده ، البعل وهو الزوج ، والفعل بعل يبعل أي تزوج يتزوج ، وباعل مباعلة إذا باشر زوجته{[310]} . والمعنى للآية أن الأزواج أحق بالزوجات المطلقات أن يراجعوهن وذلك أثناء العدة في الطلاق الرجعي ، أما إذا انتهت عدتهن فإنهن أحق بأنفسهن من الأزواج المطلقين ، ولهن في هذه الحال الخيار أن يرجهن لأزواجهن بعد عقد ومهر جديدين أو يمتنعن من ذلك . وإذا أراد الزوج إرجاع المطلقة قبل انتهاء العدة فله ذلك ، بل هو أحق بها دون حاجة لعقد أو مهر ، وليس عليه شيء إلا الإشهاد على الرجعة ؛ لقوله تعالى في آية أخرى : ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) .
أما كيفية الإرجاع أو صفته التي يكون فيها الزوج مراجعا في العدة فقد ذهب الإمام الشافعي إلى أنه لا يكون مراجعا على الوجه الصحيح المشروع إلا بالقول ، وهو أن يقول لها : راجعتك . مع الإشهاد على ذلك ، ولا تتم الرجعة عنده بطريقة أخرى غير القول . وقال الإمام مالك : إذا وطئ الرجل زوجته المطلقة أثناء العدة فقد راجعها ، وعليه أن يُشهد على الرجعة قبل الوطء ، ويكن كذلك مراجعا إذا قبّل أو باشر وهو ينوي الرجعة . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن وطئها أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة ، كان ذلك رجعة ، وعليه أن يُشهد على ذلك{[311]} .
وقوله : ( إن أرادوا إصلاحا ) الزوج أحق برد زوجته المطلقة قبل انتهاء عدتها ، على أن يكون قصده في ذلك الإصلاح ، وهو أن يصلح شأنه معها بعد ردها ، وأن يكون جادا في نشر أسباب التفاهم والود والعيش الكريم في البيت ؛ لكنه إن كان يخفي في نفسه النية بالإضرار واحتباسها في أسر النكاح المنكود فذلك حرام . وفي ذلك يقول سبحانه في آية أخرى : ( ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ) .
وقوله : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) هذه قاعدة في العدل يقوم على أساسها التعامل بين الزوجين في البيت ، فلا حيف ولا ضير ولا محاباة ، بل لكل واحد منهما من الحق ما يكافئ الواجب الذي عليه .
وعلى هذا الأساس يقوم التعامل المتعادل الموزون بين الزوجين . وذلك في ضوء الآية الكريمة ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) أي للنساء من الحقوق على الرجال مثل ما للرجال عليهن من الحقوق ، على أن يكون ذلك كله في إطار من الحسنى والخلق الودود الحاني ؛ لقوله تعالى : ( بالمعروف ) فما من تعامل بينهما أو تفاهم أو تخاطب أو أمر أو نهي إلا وينبغي أن يكون ( بالمعروف ) أي بالرفق والود والرحمة والحسنى .
وفي الكشف عن مقاصد هذه الآية يقول الصحابي العظيم ابن عباس : إني لأتزين لا مرأتي كما تتزين لي ، وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها عليّ ؛ لأن الله تعالى قال : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) .
وقال الإمام الطبري في تفسير الآية : إن لهن على أزواجهن ترك مضارتهن كما كان ذلك عليهن لأزواجهن{[312]} .
وقوله : ( وللرجال عليهن درجة ) الدرجة هي الرتبة والمنزلة ، لكن ما المقصود بهذه الدرجة المعطاة للرجال ليفوقوا بها النساء ؟ فقد قيل : هي إنها خلقت من الرجل ، وذلك أن الله جلت قدرته خلق أبا البشر آدم ثم خلق منه زوجه فهو بذلك أصلها . وقيل : الدرجة الميراث ، فنصيبه في الميراث أكبر من نصيبها . وقيل الدرجة بمعنى الطاعة ، فهي منوط بها أن تطيع زوجها ؛ لكونه مسؤولا عنها . وقيل : الدرجة هي المهر الذي يلتزم الرجل بأدائه للمرأة .
على أن نطمئن إليه في المراد بالدرجة أنها القوامة أو المسؤولية التي أعطيها الرجل ليكون قواما على المرأة ، فقد شرع الله للرجل أن يكون مسؤولا عن زوجته والأسرة ولا عكس ، وذلك تبعا لطبيعة تكوينه البدني والنفسي . فهو أقوى منها جسدا وأشد بأسا وأثبت نفسا وجأشا ، وأعظم ما يكون الرجل في سعة أفقه وتفكيره ورجحان عقله ومداركه ليكون بذلك كله مهيئا للاضطلاع بعبء القوامة ( المسؤولية ) . وهو ما نميل إليه في هذه المسألة مستدلين بقوله سبحانه وتعالى في آية أخرى ( الرجال قوامون على النساء ) ومنه القوامة أو المسؤولية .
وقوله : ( والله عزيز حكيم ) الله قوي ، وهو منتقم ممن خالف عن أمره واستنكف عما شرع . وهو سبحانه حكيم في كل ما يبسطه على عباده من شرائع تقرر لهم السعادة في الدنيا ، ثم النجاة في الآخر .