49- { ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفح فيه فيكون طيرا بإذن الله } .
الأبرص : من بجلده بقع بيضاء تخالف لون سائره .
لقد أرسل الله المسيح رسولا إلى بني إسرائيل وهذا يؤذن بخصوص بعثته إليهم روى ان الوحي آتاه وهو ابن ثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين ثم رفع إلى السماء .
{ أني قد جئتكم بأية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير } أي ويجعله الله رسولا إلى بني إسرائيل يخبرهم أني قد جئتكم ببرهان من ربكم على نبوتي هو أني أنشئ لكم من الطين تمثال كهيئة الطير وشكله فانفخ فيه فيكون بعد النفخ طيرا بأمر الله الذي جعل ذلك معجزة وبرهانا على انه أرسلني إليكم فإن مثل ذلك لا يقدر عليه البشر لانه مما اختص الله به فإذا أمكن الله بعض عباده من ذلك فذلك يعتبر تأييدا من الله له في دعوى الرسالة .
{ وأبرئ الأكمه والأبرص واحيي الموتى بإذن الله } وأشفي الأكمه الذي ولدته أمه أعمى فيصير بصيرا واشفي من بجلده برص وهو بياض يخالف لون سائر الجلد وهاتان العلتان أعجزتا الأطباء في عصر عيسى وقد كان الطب تقدما جدا في عهده فأراهم الله المعجزة من جنس ما برعوا فيه وقد جرت السنة ان تكون معجزة كل نبي من جنس ما اشتهر في زمنه .
فأعطى موسى العصا واليد البيضاء حيث كان المصريون قد برعوا في السحر وأعطى عيسى من المعجزات ما هو من جنس الطب الذي حذقه أطباء عصره وأعطى محمدا صلى الله عليه وسلم القرآن حيث كان العرب قد برعوا في البيان واشتهروا بالفصاحة والبلاغة وفنون القول .
وتنفيذ الآية ان قدرة المسيح على شفاء المرضى كانت بإذن الله وان إحياء الموتى كان بإذن الله .
وفي كل معجزة من هذه المعجزات كان المسيح يلجا إلى الله ويدعوه فيحقق الله دعاءه دون ممارسة الوسائل الطبية .
و الامر متعلق بإرادة الله وقدرته والله على كل شيء قدير .
{ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } وأخبركم بما تأكلونه في بيوتكم ولم أشاهده وما تدخرونه للمستقبل من مال وطعام لا سبيل لي إلى عمله .
والمراد : الإخبار بهذين النوعين بخصوصهما وقيل المراد أنه يخبرهم بالمغيبات .
واقتصر على ذكر هذين الأمرين لحضورهما لديهم فلا يبقى لهم شبهة ولا شك
أن صدقه فيما أخبره به شاهد على صدقه في دعواه الرسالة إليهم .
{ إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } إن في ذ لك لحجة ودلالة على صدقي في دعوى الرسالة إن كنتم مصدقين بآيات الله .
وقد ذكر في الإنجيل انه عليه السلام رد بصر أعميين في كفر ناحوم وأعمى في بيت صيدا ورجل ولد أعمى في أورشليم وشفى عشرة مصابين بالبرص في السامرة وابرأ أبرص في كفر ناحوم وأقام بن الأرملة من الموت في بلد نايين وأحيا ابنة جيروس في كفر ناحوم وألعازر في بيت عينا .
البرص : داء خبيث يُحدث بياضاً في الجلد ويجعله يتقشر ، ويسبب للمصاب به حكَاً مؤلما .
لقد خلق الله عيسى ابن مريم على حال خاصة وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل مستدلاًّ على صدق رسالته إليهم بمعجزات من الله قائلا : لقد جئتكم بهذه المعجزات من عند الله ، فأنا أصوِّر لكم من الطين مثل صورة الطير ثم أَنفخ فيها فتحيى طيوراً عادية بإرادة الله ، وأشفي الأعمى فيعود بصيرا ، والأبرص فيبرأ من دائه ، بل وأُحيي الموتى ، وكل ذلك بإذن الله وإرادته . وأُخبركم بما تدّخرون في بيوتكم من مأكول وغيره . إن كل هذه المعجزات إنما أظهرها الله على يديّ حجةً قاطعة على صحة نبوّتي وصدق رسالتي إليكم ، لعلّكم تؤمنون بي وتصدّقونني .
قرأ أهل المدينة ونافع «فيكون طائرا بإذن الله » ، وقرأ نافع «إني أخلق » بكسر همزة إن .
قوله : ( ورسولا إلى بني إسرائيل ) أي ونجعله رسولا لبني إِسرائيل . وقيل : تقدير الكلام : ويكلم الناس رسولا . أي حال كونه رسولا . وقيل غير ذلك .
والمقصود في الآية أن المسيح عيسى ابن مريم أرسل إلى بني إسرائيل جميعهم وليس إلى فريق منهم دون غيرهم . أجل . بعث الله نبيه المسيح إلى هذا الصنف من البشر كيما تستقيم طبائعهم ونفوسهم فيسيروا في حياتهم على جادة الحق من غير عوج ولا استكبار ولا تمرد . أرسله الله ليقوم في بني إسرائيل اعوجاجهم ، وليحملهم على المضي في طاعة الله وفي طريق اللاحب المستقيم ، فلا يميلوا مع الهوى ، ولا يأخذهم شطط النفس فيوغلوا في الرجس والدنس ويفسدوا في الأرض إفسادا .
قوله : ( أنّي قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ) هذه واحدة من المعجزات الحسية الظاهرة احتج بها المسيح عيسى لتكون للناس آية على صدق نبوته ورسالته للناس .
أولها : أنه يخلق من الطين طيرا ، والخلق في حق العبد معناه التصوير والتقدير وهو هنا معقول ، لكنه في حق الله يعني التكوين والإبداع ، والمقصود هنا أنه يصنع من الطين على شكل طير ثم ينفخ فيه فيطير عيانا بإذن الله .
الثانية : إبراء الأكمه . وهو الذي يولد أعمى{[472]} .
الثالثة : إبراء الأبرص ، وهو من البرص وهو واحد من أمراض الجلد .
الرابعة : إحياء الموتى . وذلك بدعاء الله يدعوه عيسى لهم فيستجيب الله له فيحييهم .
الخامسة : إخبارهم بما أكل أحدهم الآن ، وما هو مدخر لنفسه في بيته لغد . وذلك مقتضى قوله تعالى : ( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ) {[473]} هذه خمس آيات معجزات احتج بها نبي الله عيسى ليحمل الناس على تصديقه واتباعه ، لا جرم أنه دلائل حسية ومشهودة كان الناس يبصرونها ويشهدونها عيانا من غير شك في ذلك البتة ، ولذلك قال سبحانه وتعالى : ( إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ) .
وفي هذا الصدد من الكلام نقل ابن كثير رحمه الله عن كثير من العلماء قولهم : بعث الله كل نبي من الأنبياء بما يناسب أهل زمانه ، فكان الغالب على زمان موسى عليه السلام السحر وتعظيم السحرة فبعثه الله بمعجزات بهرت الأبصار وحيرت كل سحار ، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام وصاروا من عباد الله الأبرار ، وأما عيسى عليه السلام فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيدا من الذي شرع الشريعة ، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد ، أو على مداومة الأكمه والأبرص ، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد . وكذلك محمد صلى الله عليه و سلم بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاريد الشعراء فأتاهم بكتاب من الله عز وجل ، فلو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدا لو كان بعضهم لبعض ظهيرا . وما ذاك إلا أن كلام الرب عز وجل لا يشبه كلام الخلق أبدا{[474]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.