{ فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين :
فلما أحس : أصل الإحساس بإحدى الحواس ويستعار للعلم بلا شبهة وفي الأساس أحسست منه بمكر وما أحسسنا منه خيرا وهل تحس من فلان بخير .
و الأنصار : جمع نصر وهو من يؤيدك وينصرك .
الحواريون : جمع حواري وهو الصفي والناصر يقال فلان حواري فلان خاصته من أصحابه وناصريه .
52- { فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى اللهّ } فلما شعر عيسى من قومه بني إسرائيل بالإصرار على الكفر والعناد وقصد الإيذاء فقد صح انه قد لقي من اليهود شدائد كثيرة فقد كانوا يجتمعون عليه يستهزئون به ويقولون له يا عيسى ما أكل فلان البارحة ؟ وما ادخر في بيته لغد ؟ فيخبرهم فيسخرون منه حتى طال ذلك به وبهم وهموا بقتله فخافهم واختفى عنهم وخرج هو وأمه يسيحان في الأرض وفي هذا عبرة وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم .
ولما اشتد الكرب بعيسى واستيقن بالخطر المحدق اتجه إلى من خلصت نيته من قومه بقوله : { من أنصاري الل }ه .
وقد ورد هذا المعنى في قوله تعالى :
{ يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريون من أنصاري إلى الله ( الصف 14 ) .
قال المسيح للمخلصين من قومه وخاصتهم من ينصرني ويؤيدني وأنا متجه إلى الله داعيا لدينه لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يمنعه مانع ؟
{ قال الحواريون نحن أنصار الله } أي قال خاصة أصحابه وناصريه نحن أنصار دين الله والباذلون كل ما في الوسع في تأييد دعوتك وسننضم معك في نصرة الله وتبليغ دعوته .
{ آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون } أعلنوا إيمانهم واظهروا استعدادهم للبذل والتضحية واشهدوا المسيح بأنهم مسلمون منقادون لكل ما يريده الله منهم .
الحواريون : مفرده حواريّ وهو صفي الإنسان وناصره .
فلما شعر عيسى من قومه اليهود إصراراً على نكران رسالته ، وتكذيباً لمعجزاته وصُدوفاً ، رغم كل ما قدمه لهم من نصائح ومواعظ ، قال لأتباعه وتلاميذه : من الذين ينصرونني باتّباعي ، وينصرفون إلى تأييد الله ودينه ورسوله ؟ فقال خاصة أصحابه : نحن أنصار دين الله ومحبوه ، لقد آمنّا بك وبرسالتك من عنده ، فاشهد علينا أيها الرسول أنّا مؤمنون بدعوتك ، منقادون لربّك ، مخلصون في عبادتنا له .
قوله تعالى : ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) .
الإحساس هو وجدان الشيء بإحدى الحواس ، والمراد أن عيسى عليه السلام قد استشعر إصرار هؤلاء القوم على الكفر ، وأنهم عازمون على قتله فخشي منهم على نفسه واختفى عنهم ، عندئذ قال لمن حوله : ( من أنصاري إلى الله ) يعني من أعواني على المكذبين الجاحدين ، ( إلى الله ) أي مع الله .
قوله : ( قال الحواريون نحن أنصار الله ) أي أنصار نبيه ودينه ، والحواريون هم أصحاب عيسى عليه السلام وكانوا اثني عشر رجلا .
والحواريون جمع ومفرده الحواري . واختلفوا في تسميتهم بهذا الاسم ، فقيل : الحواري أصله من الحور بفتح الحاء والواو وهو شدة البياض ، والحور نقاء بياض العين ، وتحوير الثياب تبييضها ، وحورت الثياب أي بيضتها ، فسموا بذلك لبياض ثيابهم ، وقيل : لأنهم كانوا قصارين وهم الذين يبيضون الثياب . وقيل : سموا بذلك ؛ لأن قلوبهم كانت نقية طاهرة من كل نفاق وريبة ، فسموا بذلك إطراء لهم بما يشير إلى نقاء قلوبهم التي هي كالثياب البيض .
وقيل : الحواري الناصر . فقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما ندب الناس يوم الأحزاب فانتدب الزبير ، ثم ندبهم فانتدب الزبير رضي الله عنه فقال النبي صلى الله عليه و سلم : " لكل نبي حواري ، وحواري الزبير " {[476]} .
بعد أن استنصر المسيح بمن يمضي في طريق الله فيناصره ويشد أزره ضد العتاة الظالمين استجاب له الحواريون المؤمنون- وهو ما بيناه آنفا- إذ قالوا : ( نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ) ذلك إعلان واضح من هذه الفئة المؤمنة الصالحة – أي فئة الحواريين- على مناصرة دين الله ومؤازرة نبيه عيسى المسيح الذي جاءهم بعقيدة التوحيد . وذلك ما يقتضيه إعلانهم الشجاع المجلجل عن الإيمان بالله وعن الإقرار الكامل لله بالوحدانية واستشعار العبودية له دون سواه ، وذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام ، وهو دين كل الأنبياء بما يعنيه الإسلام من خضوع واستسلام لشريعة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.