تظاهرون عليهم : أصله تتظاهرون ، فحذفت إحدى التاءين ، أي تتعاونون عليهم .
الإثم : هو الفعل الذي يستحق صاحبه الذم ، واللوم .
العدوان : تجاوز الحد في الظلم .
أسارى : جمع أسير بمعنى مأسور ، وهو من يؤخذ في سبيل الله القهر والغلبة .
تفادوهم : تنقذوهم بدفع الفداء ، وهو ما يدفع في فك الأسير .
3- قوله تعالى : وإن يأتوكم أسارا تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم . بيان لتناقضهم وتزييفهم لأحكام الله تعالى .
أي أنتم يا معشر اليهود إن وجدتم الذين قاتلتموهم وأخرجتموهم من ديارهم أسرى تسعون في فكاكهم ، وتبذلون عوضا لإطلاقهم ، والشأن أن قتلهم وإخراجهم محرم عليكم كتركهم أسرى في أيدي أعدائكم ، فلماذا لم تتبعوا حكم التوراة في النهي عن قتالهم وإخراجهم كما اتبعتم في مفاداتهم ؟ .
وصدرت الجملة الكريمة : وهو محرم عليكم وإخراجهم . بضمير الشأن للاهتمام بها والعناية بشأنها ، وإظهار أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور لديهم وليس خافيا عليهم ، وقوله تعالى : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ . توبيخ وتقريع لهم على تفريقهم بين أحكام الله .
والمعنى : أفتتبعون أحكام كتابكم في فداء الأسرى ، ولا تتبعونها عن قتال إخوانكم وإخراجهم من ديارهم ؟ فالاستفهام للإنكار والتوبيخ على التفريق بين أحكامه تعالى ، بالإيمان ببعضها والكفر بالبعض الآخر .
قال الأستاذ أحمد شاكر معلقا على تفسير ابن كثير للآية الكريمة :
( ومما يملأ النفس ألما وحزنا ، أن صار أكثر الأمم التي تنسب إلى هذا الوصف المكروه ، ووقعوا في مثل هذا العمل الذي ذم الله اليهود من أجله ، وجعل جزاء من يفعله خزيا في الحياة الدنيا وعذابا شديدا في الآخرة ، فنرى أكثر الأمم المنتسبة إلى الإسلام يعتقدون صحة القرآن ويشهدون بذلك ويعرفونه ، ويزعمون القيام بأمره ثم هم يخالفونه في التشريع في شؤونهم المالية والجنائية والخلقية ، ولا يستحون أن يعلنوا أن تشريعه وتشريع رسول الله في سنته لا يوافق هذا العصر ، ويجعلون من حقهم أن يشرعوا ما شاءوا ، وافق الكتاب والسنة أم خالفه ، أو يصطنعون قوانين أوربا الوثنية الملحدة ، ويشربونها في قلوبهم ، يزعمونهم أهدى وأنفع للناس مما أنزل إليهم من ربهم ، ولا يتعظون بما أنذرهم به ربهم من المثل بالأمم قبلهم )( 213 ) .
يقول الأستاذ الشيخ محمد الخضر حسين : " وإنما سمى سبحانه عصيانهم بالقتل والإخراج من الديار كفرا ، لأن من عصى أمر الله تعالى بحكم عملي معتقدا أن الحكمة الصلاح فيما فعله ، بحيث يتعاطاه دون أن يكون في قلبه أثر من التحرج ، ودون أن يأخذه ندم وحزن من أجل ما ارتكب ، فقد خرج بهذه الحالة النفسية عن سبيل المؤمنين ، وفي الآية الكريمة دليل واضح على أن الذي يؤمن ببعض ما تقرر في الدين بالدليل القاطع ويكفر ببعضه ، يدخل في زمرة الكافرين لأن الإيمان كل لا يتجزأ " ( 214 ) .
قرأ عاصم وحمزة والكسائي «تظاهرون » بحذف إحدى التاءين ، وقرئ «تتظاهرون » بهما معاً .
وقرأ حمزة «أسرى » جمع أسير كجريح وجرحى .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وابن عامر : «تفدوهم » .
وقرأ عاصم في رواية المفضل «تردون » بالتاء .
وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية ابن بكر وخلف ويعقوب « يعلمون » بالياء .
التظاهر : التعاون . الإثم ، العدوان : تجاوز الحد في الظلم .
ذكّر الله بني إسرائيل في الآية السابقة بما أُمروا به من عبادة الله وحده والاحسان إلى الوالدين وذوي القربى ، وأن يعاشروا الناس جميعاً بالحسنى . .
ثم بيّن أنهم لم يطيعوا ما أُمروا به وتولَّوا وهم معرضون . وهنا يمضي السياق فيقص علينا عن حال اليهود ومواقفهم التي تجلى فيها العصيان ، ويذكّرهم بأهم الأمور التي نُهوا عنها وقد أخذ الله عليهم العهد باجتنابها .
والخطاب هنا لليهود في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، فقد كانوا في المدينة ثلاثة أحياء : بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء الخزرج ، وبنو قريظة حلفاء الأوس . وكان العداء بين الأوس والخزرج مستحكما ، فهم في أغلب الأحيان في حرب دائمة . إذ ذاك كان يقاتل كلُّ فريق مع حلفائه ، فيقتل اليهودي أعداءه وبينهم اليهودي من الفريق الآخر .
وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله . وكانوا يخرجونهم من ديارهم إذا غُلب فريقهم وينهبون أموالهم ويأخذون سباياهم . وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله معهم . ثم إذا انتهت الحرب يَفدون الأسارى ، ويفكّون أسر المأسورين من اليهود ، عملاً بحكم التوراة .
هذا هو التناقض الذي يواجههم به القرآن ، وهو يسألهم باستنكار شديد { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } ؟ إن الكتاب ينص على تحريم القتل والإخراج من الديار وأنتم تنقضون ذلك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.