حديث الإفك على أم المؤمنين عائشة :
{ إِنَّ الَّذِينَ جَاؤوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 11 ) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ ( 12 ) لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ( 13 ) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 14 ) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ( 15 ) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ( 16 ) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( 17 ) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 18 ) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( 19 ) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رءوف رَحِيمٌ ( 20 ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 21 ) وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 22 ) } .
11 - إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ .
الإفك : أبلغ الكذب والافتراء .
العصبة : الجماعة ، وكثر إطلاقها على العشرة فما فوقها إلى الأربعين ، وقد عدت عائشة منها المنافق عبد الله بن أبي بن سلول وقد تولى كبره ، وحمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب – رضي الله عنها – وزوج طلحة بن عبيد الله ، ومسطح بن أثاثة ، وحسان بن ثابت .
كبره : ( بكسر الكاف وضمها وسكون الباء ) أي : معظمه ، فقد كان يجمعه ويذيعه ويشيعه .
تبدأ هذه الآية الحديث عن موضوع الإفك ، وتبين أن الله خبأ فيه الخير من حيث ظن المسلمون أن فيه الشر .
لقد كان حديث الإفك محنة شديدة مرت بالنبي الكريم ، فهو القائد الموحى إليه يتهم في عرضه وفي أحب نسائه إليه ، وكان محنة للصديق الذي أخلص للإسلام ولنبي الإسلام ، ثم يتهم في كريمته ، ويجدها تبكي ذات يوم لما أصابها فيبكي لبكائها ، ويقول : ما وقع منا ذلك في الجاهلية ، فكيف نتهم به في الإسلام ؟ وكان محنة – أي محنة – لعائشة فهي الحصان الرزان المؤمنة الغافلة عن الإثم ، تعود مريضة من غزوة بني المصطلق ثم تشفى من مرضها ، فتعرف أن القوم يتحدثون عنها ، وهي بريئة ولكنها لا تملك إلا البكاء والألم .
وكان محنة لصفوان بن المعطل الصحابي الجليل الذي شهد بدرا ، وكان من ساقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمدافعين عنه ، ولا يعلم عنه إلا كل خير . وكان محنة للشرفاء والمخلصين من المسلمين ، فهذا أبو أيوب الأنصاري يقول لزوجته : يا أم أيوب ، ألا ترين ما يقال ؟ فقالت : لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سوءا ؟ قال : لا . قالت : ولو كنت أنا بدل عائشة – رضي الله عنها – ما خنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فعائشة خير مني ، وصفوان خير منك77 .
لقد كشفت حديث الإفك عن المنافقين ، وكان درسا عمليا خاض فيه الناس شهرا كاملا ، وملأ المجالس والمنتديات ، ولم يتحرج بعض المسلمين من إطلاق ألسنتهم بهذه المقالة ، وبعد شهر كامل نزل الوحي من السماء ، يكشف للجماعة المسلمة عن ضرورة تحريم القذف ، وأخذ القاذفين بالحد الذي فرضه الله .
أما الآلام التي عاناها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته ، والجماعة المسلمة كلها ، فهي ثمن التجربة وضريبة الابتلاء ، وفي الحديث الصحيح : ( أشدكم بلاء الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب دينه )78 .
لقد نجح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الامتحان ، فاجتنب أهله ، ولم تصدر منه كلمة جارحة لأحد ، ونجح الصديق وأهل بيته في الصبر والاحتساب ، وكانت هذه الآيات وساما لعائشة .
ثم هي آيات ترسم الطريق للمسلمين ، فيما يجب عليهم أن يفعلوه إزاء مثل هذه الشائعات .
أما الذين خاضوا في الإفك ، ونشروا هذه المقالة الآثمة ؛ فلكل منهم عقوبته في الدنيا .
وكان عبد الله بن أبي بن سلول كبير المنافقين ، هو الذي روج هذا الأمر وبدأ به ، وأشاعه بين أتباعه ، فادخر الله له عقابه الأليم يوم القيامة .
روى أنه لما مر صفوان بن المعطل بهودج أم المؤمنين ، وعبد الله بن أبي بن سلول في ملأ من قومه قال : من هذه ؟ فقالوا : عائشة – رضي الله عنها – فقال : والله ما نجت منه ولا نجا منها . وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ، ثم جاء يقودها .
وقد وردت في الروايات أسماء الذين كانوا يتناقلون حديث الإفك في المجتمع وهم : عبد الله بن أبي ، وزيد بن رفاعة – والغالب أنه ابن رفاعة بن زيد من اليهود المنافقين – ومسطح بن أثاثة ، وحسان بن ثابت ، وحمنة بنت جحش . فكان عبد الله بن أبي وزيد بن رفاعة من المنافقين ، ومسطح بن أثاثة ، وحسان بن ثابت ، وحمنة بنت جحش من المؤمنين ، ولكن انخدعوا لمكائد الأولين ، وخاضوا في حديث الإفك على خطأ منهم وضعف ، ولا نعلم من كتب الحديث والسيرة أسماء غير هؤلاء ممن خاضوا في حديث الإفك وإشاعة أخباره .
إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ . . .
إن الذين تقولوا بالإثم هم جماعة منكم ، تعاونوا على إعلانه وإذاعته بين الناس .
لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ . . .
أي : لا تظنوا أن فيه فتنة وشرا ، بل هو خير لكم لما حمل في طياته من الابتلاء والامتحان ، ونزول آيات القرآن .
ومعنى كونه خيرا لهم ، أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم ، لأنه كان بلاء مبينا ومحنة ظاهرة ، وأنه نزلت فيه ثماني عشر آية ، كل واحدة منها مستقلة بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتسلية له ، وتنزيه لأم المؤمنين – رضوان الله عليها – وتطهير لأهل البيت ، وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به فلم تمجه أذناه ، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة ، وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها .
لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ . . .
أي : لكل امرئ منهم جزاء ما اجترح من الإثم بقدر ما خاض فيه ، فإن بعضهم تكلم ، وبعضهم ضحك كالمسرور الراضي بما سمع ، وبعضهم أقل ، وبعضهم أكثر .
وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ . . .
أي : والذي تحمل معظم ذلك الإثم ، وهو عبد الله بن أبي له عذاب عظيم في الدنيا والآخرة . وكان عبد الله ابن أبي هو الذي ابتدأ هذا الكلام وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ، ثم جاء يقودها . فهو الذي بدأ الخوض ، وهو الذي بثه وأشاعه ، وقد أخزاه الله في الدنيا وأظهر نفاقه ، وله في الآخرة عذاب عظيم .
وقال الضحاك : الذي تولى كبره حسان ومسطح ، فجلدهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أنزل الله عذرها .
وهذا رأي ضعيف ، فحسان وقع في الفتنة التي دبرها المنافقون ، ولم يكن هو الذي تولى كبر الإشاعة وأحكم تدبيرها .
وهو – أي كون حسان مصداقا لهذه الآية بدلا من عبد الله بن أبي – قول غريب ، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على إيراد ذلك ، لما كان لإيراده كبير فائدة ، فإن حسان من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر .
الإفك : الافتراء ، والفعل أفَك يأفِك مثل ضرب يضرب ، وأفِك يأفَك : مثل علم يعلم . وأفك الناسَ : كذبهم .
نزلت هذه الآية والآيات االتسع التي بعدها في شأن عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، حين رماها أهلُ الإفك والبهتان من المنافقين ومن انضمّ إليهم من بعض المؤمنين بما قالوه من الكذب والافتراء . وكان القصدُ من ذلك إيذاءَ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أحبّ نسائه إليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبراءتها . وهذا باتفاق المفسرين والرواة من جميع الطوائف والمذاهب الإسلامية إلا من شذ .
وقد روى حديثَ الإفك عددٌ من العلماء في مقدمتهم البخاري عن السيدة عائشة وابن الزبير ؛ وأم رومان أم السيدة عائشة ؛ وابن عباس وأبي هريرة وأبي اليسر . كما رواه عدد من التابعين . والحديث طويل من أراده فليرجعْ إلى صحيح البخاري وسيرة ابن هشام وغيرهما .
وخلاصته : أن الرسول الكريم كان إذا أراد سفراً عمل قُرعةً بين زوجاته ، فالتي تخرج قرعتها أخذها معه . وفي سنة ستٍ من الهجرة ( كما حدّدها ابن هشام في السيرة ) خرج الرسول إلى غزوة بني المصطَلِق وأخذ السيدة عائشة معه . فلما انتهى من الغزوة رجع ، تقول السيدة عائشة : « حتى إذا قَفَلْنا ودنونا من المدينة ، نزلنا منزلا . ثم نوديَ بالرحيل في الليل ، فقمتُ لأقضي حاجة ، ومشيتُ حتى جاوزتُ الجيش . فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عِقدي قد انقطع . فرجعتُ ألتمسه . فحبَسَني ابتغاءه . وجاء الذين توكلوا بهَوْدَجي فاحتملوه ووضعوه على بعيري وهم يحسبون أني فيه لخفّتي في ذلك الوقت . ورحَلَ الناس . وبعد أن وجدت عقدي جئت إلى منزل الجيش فلم أجد أحدا ، فجلست في مكاني وأنا أعلم أنهم سوف يفتقدونني ويعودون في طلبي . فبينما أنا جالسة في مكاني غلبتني عيني فنمت . وكان صفوان بن المعطّل السُّلَمي قد تخلف عن الجيش ، فلما رآني عرفني ، فاستيقظت على صوته وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون فخمَرتُ وجهي بجلبابي ، و واللهِ ما تكلّمنا بكلمة ولا سمعت منه غير استرجاعه . ثم أناخ راحلته فقمتُ إليها فركبتها ، وانطلق يقود بي الراحلة حتى أدركنا الجيشَ عند الظهر وهم نزول . وكانوا قد افتقدوني وماج القوم في ذكري . فبينما الناس كذلك إذ وصلتُ عندهم . وبعد وصولهم إلى المدينة ، بدأ الناس يتهامسون : ما بالُ عائشة تأخرتْ عن الجيش ، وجاءت مع صفوان على بعيره ، وصفوان شاب وسيم الطلعة مكتمل القوة ! وقاد هذه الحركة وتولّى كِبرها رأسُ المنافقين عبدُ الله بن أبَيّ وبعض المؤمنين سيأتي ذكرهم وعددٌ من المنافقين . وبلغ النبيَّ الخبرُ ، واضطرب له . وبعد مدة بلغ السيدة عائشةَ الخبر وهاج الناس وماجوا واضطربت المدينة لهذا الخبر ، وبقيتْ كذلك مدة شهر إلى أن نزلت هذه الآيات تبرئ السيدة عائشة وتحسم الموضوع حسماً كاملا .
إن الذين اتهموا عائشةَ أمَّ المؤمنين بالزنا هم جماعة من كبار الكذّابين المفترين ، وهم من المنافقين الموجودين بينكم ، لا تظنوا هذه الحادثة شراً لكم بل هي خير لكم ، لأنها ميزت المنافقين من المؤمنين ، وأظهرت كرامة المبرئين منها ، ولكل امرئ منهم جزاؤه على مقدار اشتراكه في هذه الجريمة .
{ تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } : ورأسُ الكفر والمنافقين عبدُ الله بن أبيّ هو الذي قاد هذه الحركة وتولى معظمها ، له يوم القيامة عذابٌ عظيم . وقد انساق معه بعض المؤمنين منهم حسّان بن ثابت ومِسطَح بن أثاثة وهو من أقارب أبي بكر الصديق ، وحمنة بنتُ جحش أختُ زينب أم المؤمنين . ولما نزلت آية البراءة أمَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بجَلْدِهم .