تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ} (93)

المفدرات :

افترى : اختلق والفرية الكذبة .

غمرات : جمع غمرة ، وغمرة الشيء شدته و مزدحمه وغمرات الموت شدائده وسكراته .

عذاب الهون : أي الهوان يريد العذاب المتضمن لشدة وإهانة ، وإضافته إلى الهون لعراقته فيه .

التفسير :

93- ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا . . . الآية .

قال الإمام الشوكاني في فتح القدير :

أي كيف تقولون ما أنزل الله على بشر من شيء ، وذلك يستلزم تكذيب الأنبياء ، عليهم السلام ، ولا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا ، فزعم أنه بني ، وليس بنبي ، أو كذب على الله في شيء من الأشياء .

أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء . أو ادعى نزول الوحي عليه ، ولم ينزل عليه شيء ، وقد صان الله أنبياءه عما تزعمون عليهم ، وإنما هذا شأن الكاذبين رؤوس الضلال ، كمسيلمة الكذاب ، والأسود العنسى وسجاح .

ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله . أي ولا أحد أظلم - أيضا – ممن قال بأني قادر على أن أنزل قرآنا مثل الذي أنزله الله ، كالذين حكى القرآن عنهم : وإذ تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين . . . ( الأنفال : 31 ) .

وهيهات أن يكون لأحد قدرة على الإتيان بمثل القرآن فليس في مقدور بشر أن يأتي بمثله قال تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . ( النساء : 82 ) . وقال سبحانه : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . ( الإسراء : 88 ) .

ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت . أي ولو ترى أيها الرسول الكريم أو أيها العاقل حالة أولئك الظالمين وهم في غمرات الموت أي في شدائده وكرباته وسكراته لرأيت شيئا فظيعا هائلا ترتعد منه الأبدان ، فجواب الشرط محذوف .

والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم . أي والملائكة الموكولون بقبض أرواحهم باسطوا أيديهم إليهم بالإهانة والعذاب قائلين على سبيل التوبيخ والزجر : أخرجوا إلينا أرواحكم من أجسادكم وسلموها إلينا .

وقيل المعنى : أخرجوا أنفسكم من هذه الغمرات التي وقعتم فيها ، أو أخرجوا أنفسكم من أيدينا وخلصوها من العذاب .

وفي آية أخرى يقول الله تعالى : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم . ( الأنفال : 50 ) .

اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون . أي تقول لهم الملائكة اليوم تجزون عذاب الذل والهوان بسبب أنكم كنتم في دنياكم تفترون على الله الكذب فتنكرون إنزال الله كتبه على رسله وبسبب ادعائكم أن لله شركاء ، وبسبب إعراضكم عن التأمل في آيات الله والتصديق بها . فكان ما جوزيتم به من عذاب الهون جزاءا وفاقا .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ} (93)

الافتراء : اختلاق الكذب .

غمرات : واحدها غمرة ، الشدة .

اليوم : المراد به يوم القيامة .

عذاب الهون : الذل الهوان .

بعد أن بين سبحانه أن القرآن كتاب من عند الله ، وبذلك رد على الذين أنكروا إنزاله على محمد ، قَفَّى هنا على ذلك بوعيد من كذَب على الله أو ادعى النبوة .

ليس امرؤ أشدّ ظُلماً ممن كذب على الله ، أو قال تلقيّت وحياً من عند الله كذبا وبهتاناً ، كما فعل مسيلمة الكذّاب والأسوَد العنسي فيما بعد .

كذلك ليس أحد اشدّ ظلماً ممن قال : سآتي بكلام مثل هذا القرآن . وكان النضر بن الحارث بن كلدة ، أحد كفار قريش ، يقول : إن القرآن أساطير الأولين ، وهو شعر لو نشاء لقنا مثله . كما كان يجمع الناس بمكة ويقول لهم : تعالوا : أحدّثكم بأحسن من حديث محمد . وقد أُسر النضر يوم بدرٍ وقُتل بعد أن انتهت المعركة ، وجاءت أخته قتيلة ، ويقال إنها بنته إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقصيدة ترثي أخاها وتعاتب الرسول الكريم منها :

يا راكباً إن الأُثَيْل مظنة من صبح خامسة وأنت موفق

أمحمدٌ يا خير ضِنْءِ كريمة في قومها والفحلُ فحل مُعْرِق

ما كان ضرَّك لو مننتَ وربما منّ الفتى وهو المَغيظُ المحنّق

الأثيل : بالتصغير موضع قرب المدينة . ضنء : نسل .

قال ابن هشام في السيرة : إن النبي عليه السلام عند سماعها قال : لو بلغَني هذا الشعر قبل قتله لمننتُ عليه » .

{ وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون فِي غَمَرَاتِ الموت ، والملائكة باسطو أَيْدِيهِمْ أخرجوا أَنْفُسَكُمُ } .

الخطاب للرسول الكريم ، ثم لكل من سمعه أو قرأه ومعناه : لو تُبصر إذ يكون الظالمون في شدائد الموت ، تحيط بهم كما تحيط غمرات الماء بالغرقى ، رأيتَ ما لا قدرة للبيان على وصفه . إذنْ لرأيتَ الملائكة ينزعون أرواحهم من أجسادهم في قسوة وعنف .

ثم حكى سبحانه أمر الملائكة لهم على سبيل التهكَم والتوبيخ حين بسطوا أيديهم لقبض أرواحهم «أخرِجُوا أنفُسَكُم » .

يومئذ يقال لهم : الآن تبدأ مجازاتكم بالعذاب المذلّ المهين ، جزاء ما كنتم تقولون على الله غير الحق ( كقول بعضهم : ما أنزل الله على بشر من شيء ، وقول بعض آخر : إنه أوحي إليه ، وما أشبهَ ذلك من الكفر والعناد ) ، وجزاء استكباركم عن النظر والتدبر في آيات الله الكونية والقرآنية .