تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (8)

{ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون( 8 ) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين( 9 ) ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين( 10 ) وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين( 11 ) وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون( 12 ) وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون( 13 ) } .

المفردات :

وصينا : أمرنا .

حسنا : برّهما وعدم عقوقهما .

جاهداك : بذلا الجهد في حملك على الشرك .

مرجعكم : عودتكم بعد الموت .

أنبئكم : أخبركم .

التفسير :

8-{ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } .

أي : أمرنا الإنسان بالإحسان إلى والديه ، والبر بهما ، وعدم العقوق لهما ، والتلطف في القول معهما ، والتواضع لهما ، وإذا هفا هفوة ، أو أخطأ في حقهما ، فينبغي أن يعتذر لهما ويطلب الصفح منهما .

وطاعة الوالدين مشروطة بأن تكون مقترنة بطاعة الله ، إنما السمع والطاعة في المعروف ، فإذا بذل الأب أو الأم جهده في حمل الابن على الشرك والكفر بالله ؛ فلا طاعة لهما ، ومع ذلك يجب عليه أن يبرّ بهما ، ويتلطف في معاملتهما ، مع المحافظة على دينه وإيمانه ، واليقين بأن الجزاء الأوفى سيكون في الآخرة ، فتهون الدنيا بما فيها من صعاب ، وهناك جزاء عادل من الله تعالى في الآخرة .

من هدي السنة

روى الترمذي أن الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص ، وأمه حمنة بنت أبي سفيان ، لما أسلم وكان من السابقين الأولين وكان بارا بأمه ، قالت له : ما هذا الدين الذي أحدثت ؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه ، أو أموت فتعيّر بذلك أبد الدهر ، يقال : يا قاتل أمه ، ثم إنها مكثت يوما وليلة ، لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل ، فأصبحت وقد جهدت ، ثم مكثت يوما آخر وليلة لم تأكل ولم تشرب ، فجاء سعد إليها وقال : يا أماه ، لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ، ما تركت ديني ، فكلي إن شئت ، وإن شئت فلا تأكلي ، فلما أيست منه أكلت وشربت ، فأنزل الله هذه الآية ، آمرا بالبر بالوالدين ، والإحسان إليهما ، وعدم طاعتهما في الشرك به4 .

وجاء في الإصابة 4/ 160 رقم 3187 في ترجمة سعد بن أبي وقاص أن اسم أمه : حمنة بنت سفيان ابن أمية ، بنت عم أبي سفيان بن حرب .

وقيل : نزلت الآية في عيّاش بن أبي ربيعة ، وقد فعلت أمّه مثل هذا الفعل ، ويجوز أن الحادثة تكررت ، عند سعد بن أبي وقاص مع أمه ، وعند عيّاش بن أبي ربيعة مع أمه ، فنزلت الآية في شأن كل منهما ، والعلماء يقولون : إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فهي لجميع الأمة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (8)

قوله تعالى : " ووصينا الإنسان بوالديه حسنا " نزلت في سعد بن أبي وقاص فيما روى الترمذي قال : أنزلت فيّ أربع آيات فذكر قصةً ، فقالت أم سعد : أليس قد أمر الله بالبر ، والله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر ، قال : فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا{[12397]} فاها ، فنزلت هذه الآية : " ووصينا الإنسان بوالديه حسنا " الآية قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح وروي عن سعد أنه قال : كنت باراً بأمي فأسلمت فقالت : لتدعن دينك أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي ، ويقال : يا قاتل أمه ، وبقيت يوما ويوما فقلت : يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا ، فإن شئت فكلي ، وإن شئت فلا تأكلي ، فلما رأت ذلك أكلت ونزلت : " وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما " الآية ، وقال ابن عباس : نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخى أبي جهل لأمه وفد فعلت أمه مثل ذلك وعنه أيضا : نزلت في جميع الأمة إذ لا يصبر على بلاء الله إلا صديق " وحسنا " نصب عند البصريين على التكرير أي ووصيناه حسنا . وقيل : هو على القطع تقديره ووصيناه بالحسن كما تقول وصيته خيرا أي بالخير . وقال أهل الكوفة : تقديره ووصينا الإنسان أن يفعل حسنا فيقدر له فعل وقال الشاعر :

عجبت من دَهْمَاءَ إذْ تَشْكُونَا *** ومن أبِي دَهْمَاءَ إذْ يُوصِينَا

خيراً بها كأنما خافُونَا

أي يوصينا أن نفعل بها خيرا ، كقوله : " فطفق مسحا " [ ص : 33 ] أي يمسح مسحا وقيل : تقديره ووصيناه أمرا ذا حسن فأقيمت الصفة مقام الموصوف وحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، وقيل : معناه ألزمناه حسنا وقراءة العامة : " حسنا " بضم الحاء وإسكان السين ، وقرأ أبو رجاء وأبو العالية والضحاك : بفتح الحاء والسين وقرأ الجحدري : " إحسانا " على المصدر ، وكذلك في مصحف أُبيّ التقدير : ووصينا الإنسان أن يحسن إحسانا ولا ينتصب بوصينا ؛ لأنه قد استوفى مفعوليه .

" إلي مرجعكم " وعيد في طاعة الوالدين في معنى الكفر . " فأنبئكم بما كنتم تعملون " .


[12397]:شجروا فاها: أي أدخلوا في شجره عودا حتى يفتحوه به.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (8)