الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} (8)

ثم قال { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } أي : وصيناه أن يفعل حسنا .

وقيل : في وصينا مضمر مكرر ناصب لحسن{[54372]} .

وقيل : التقدير : ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن{[54373]} .

ومن قرأ " إحسانا " {[54374]} فمعناه أن يحسن إحسانا{[54375]} .

ثم قال تعالى : { وإن جاهداك لتشرك به ما ليس لك به علم فلا تطعهما } أي : خالفهما في ذلك .

{ إلي مرجعكم } أي : معادكم فأخبركم بأعمالكم في الدنيا من صالح وسيء ، ثم أجازيكم عليها .

روي أن هذه الآية نزلت بسبب سعد بن أبي وقاص{[54376]} لما هاجر قالت أمه{[54377]} : والله لا يظلني ظل بيت حتى يرجع ، فأمره الله بالإحسان إليها ، وأن لا يطيعها في الشرك{[54378]} .

وقيل : نزلت في عياش ابن أبي ربيعة كان قد هاجر مع عمر رضي الله عنه حتى وصل المدينة ، فخرج أبو جهل بنو هشام{[54379]} والحارث بنو هشام{[54380]} وهما أخوا عياش لأم وأمهم{[54381]}امرأة من بني تميم{[54382]} ، فلما وصلا إلى المدينة قبل الهجرة النبي صلى الله عليه وسلم قالا لعياش : ألست تزعم أن من دين محمد صلة الرحم وبر الوالدين ، وقد جئناك ونحن/ إخوتك وبنو عمك ، وأن أمنا قالت ألا تطعم طعاما ولا تأوي بيتا حتى تراك وقد كانت لك أشد حبا منا ، فاخرج معنا حتى ترضي والدتك ، ففي رضاها رضى ربك ورضا محمد ، ومع هذا تأخذ مالك . واستشار عمر فقال : هم يخدعونك ويمكرون بك . ومعي مال ، ولك الله علي عز ةجل ، إن أقمت معي ولم ترجع عن هجرتك أن أقسم مالي بيني وبينك نصفين ، فما زالوا به حتى أطاعهم وعصى عمر ، فقال له عمر : أما إذا عصيتني فخذ ناقتي ، فليس في الدنيا بعير يلحقها ، فإن رابك منهم أمر فارجع ، فمضى معهم حتى أتي البيداء فقال أبو جهل لعياش : إن ناقتي قد كلت فاحملني معك ، قال له : نعم ، قال : فأنزل حتى أوطئ{[54383]} لنفسي ولك ، فلما سار معهم في الأرض وهم ثلاثة كان معهم الحارث بن يزيد العامري{[54384]} شدوه وثاقا ، ثم جلده كل واحد منهم مائة جلدة ، ثم ذهبوا به إلى أمه ، فقالت له : والله لا تزال في العذاب حتى ترجع عن دين محمد فأنزل الله تعالى : { وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما }{[54385]} الآيات{[54386]} .


[54372]:انظر: الإملاء للعكبري 181، والجامع للقرطبي 13/ 328، (وهذا القول منسوب إلى البصريين إذ رأوا أن "حسنا" نصب على التكرير، أي: ووصينا حسنا).
[54373]:هو قول الزجاج في كتابه معاني القرآن 4/ 161، وإعراب القرآن للنحاس 3/ 249، وفتح القدير 4/ 139.
[54374]:هي قراءة أبي وكذلك الجحدري، انظر: الجامع للقرطبي 13/ 329، والبحر المحيط 7/ 142، وفتح القدير 4/ 193، وروح المعاني 20/ 138.
[54375]:انظر: إعراب القرآن للنحاس 3/ 249، ومعاني القرآن للزجاج 4/ 162، والجامع للقرطبي 13/ 329.
[54376]:هو أبو إسحاق سعد ابن أبي وقاص القرشي الزهري، فاتح العراق ومدائن كسرى، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، توفي سنة 55 هـ، انظر: حلية الأولياء 1/ 92، رقم 7، وصفة الصفوة 1/ 356، رقم 9 والإصابة 3/ 73، رقم 3194.
[54377]:أمه هي حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، انظر: طبقات ابن سعد 3/ 137.
[54378]:هذه الرواية منسوبة إلى قتادة انظر: جامع البيان 20/ 131، وأسباب النزول للواحدي 230، والدر المنثور 6/ 452.
[54379]:هو أبو جهل بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي. كان من أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم في صدر الإسلام، وأحد سادات قريش. أدرك الإسلام وكان يقال له " أيو الحكم" فدعاه المسلمون "أبا جهل" شهد وقعة بدر الكبرى مع المشركين فكان من قتلاها. انظر: جمهرة أنساب العرب 145، والكامل في التاريخ لابن الأثير 2/73.
[54380]:هو الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أبو عبد الرحمان، أخو جهل بن هشام، شهد بدرا مع المشركين، وأسلم يوم فتح مكة، وكان من المؤلفة قلوبهم, مات سنة 18 هـ انظر: جمهرة أنساب العرب 145، والاستيعاب 1/ 307، رقم 440، والإصابة 1/ 293، رقم 150.
[54381]:هي أسماء بنت مخربة بن جندل بن أبير بن نهشل. انظر: جمهرة أنساب العرب 230.
[54382]:بنو تميم: قبيلة عظيمة من العدنانية تنسب إلى تميم بن مر أد بن طابخة بن إلياس بن مضرابن نزار بن معد بن عدنان. كانت منازلهم بأرض نجد، وتمتاز هذه القبيلة بتاريخها الحربي في الجاهلية والإسلام. انظر: معجم قبائل العرب 1/126 ـ 127.
[54383]:ورد في لسان العرب مادة (وطأ) 1/ 197 ـ 198، وطأ الشيء: هيأه ووطأ الشيء: سهله. ووطأت لك الأمر إذا هيأته.. والوطيء من كل شيء: ما سهل ولان. (المدقق).
[54384]:هو الحارث بن يزيد بن أنيسة، ويقال: بن أبي أنيسة، من بني معيص بن عامر بن لؤي القرشي العامري. كان مع الذين عذبوا عياش ابن أبي ربيعة إلا أنه أسلم. وبعد إسلامه قدم إلى المدينة فلقيه عياش فقتله ظنا منه أنه لا زال على كفره. انظر: الاستيعاب 1/ 305، (440)، والإصابة 1/ 295، (1508)، والجرح والتعديل للرازي 3/93، (340).
[54385]:العنكبوت: 7
[54386]:انظر: الكشاف للزمخشري 3/ 443، وروح المعاني 20/ 139.