فاختلط به نبات الأرض : فنبت بذلك المطر أنواع من النبات مختلط بعضها ببعض .
حتى إذا أخذت الأرض زخرفها : زينتها وبهاءها .
أمرنا : قضاؤنا بهلاك ما على الأرض من نبات .
فجعلناها حصيدا : فجعلنا ما عليها مقطوعا مقلوعا من أصله .
كأن لم تغن : كأن لم تعش أو كأن لم تنعم .
يقول : كأن لم تكن تلك الزروع والنبات على ظهر الأرض نابتة قائمة على الأرض قبل ذلك بالأمس .
24 { إنما مثل الحياة الدنيا . . . } الآية .
من شأن القرآن أن يضرب الأمثال ؛ تشبيها للمعقول بالمحسوس ، وإبراز للمعنى المقصود في صورة حسية مجسمة يراها الناظر ويتأملها .
ومن هذه الأمثال : تشبيه الدنيا في إقبالها وجمال بهجتها وحسن منظرها ، ثم في سرعة تحويلها وانتهاء أمرها ، بحال المطر ينزل من السماء فيختلط بالنبات ، ثم يثمر النبات وينمو ، وتزدهر الزروع والثمار ، بما يأكل منه الناس والأنعام وتدب الحياة في الأرض ، وتعمها الخضرة والجمال ، ويصبح وجهها كالبساط السندسي ، وترى الأرض في أبهى حلتها وزينتها ، كالعروس الحسناء ليلة زفافها ، أي : أن جني الثمرة أصبح وشيكا ، وقطف الثمار صار قاب قوسين أو أدنى .
فإذا نظر الزارع إلى أرضه ؛ أعجبه الزرع ومنّى نفسه بيوم الحصاد وظن أن الزرع لن يفلت من يده ، فهو قادر على جني الثمرة في يوم قريب .
ثم حدثت المفاجأة ؛ فجاء أمر الله وقدره ، وأرسل بأسه وعقابه على هذا الزرع ، فصار يابسا بعد الخضرة والنضارة ، وتحول العرس إلى مأتم وموسم حصاد الزرع إلى حصاد الندم ! ! !
نبين الحجج والأدلة ونوضح الأمثال .
فيعتبرون بهذا المثل ، في سرعة زوال الدنيا عن أهلها ، مع اغترارهم بها ، وتفلتها من بين أيديهم ، والدنيا إذا حلت أوحلت ، وإذا كست أوكست ، وإذا أقبلت على رجل أعارته محاسن غيره ، وإذا أدبرت عن رجل سلبته محاسن نفسه .
وقد ضرب القرآن هذا المثل في كثير من الآيات محذرا من الاغترار بالدنيا ، مبينا سرعة نهايتها وفجأة تحولها ؛ قال تعالى : { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكن الله على كل شيء مقتدرا * المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا } . ( الكهف : 45 ، 46 ) ، وتجد هذا المعنى في الآية 21 من سورة الزمر ، xv كما تجده في الآية 20 من سورة الحديد . xvi
بعض العلماء يرى في هذه الآية دليلا على نهاية الكون ، واحتمال هذه النهاية فجأة بين عشية وضحاها ، عندما يظن الإنسان أنه امتلك ناصية الكون ؛ وأصبح قادرا على تحطيم الذرة ؛ أو إطلاق صاروخ إلى القمر ، فإن ذلك لن يمنع إنهاء حياته ، وإنهاء حياة الكون عندما تتعلق بذلك مشيئة الله وإرادته والمتخصصون من علماء الطبيعة يرون أن عمر الكون محدود فالكون موجود من عدم ، وستنتهي حياة هذا الكون بحسب قوانين الطبيعة .
يقول الأستاذ الدكتور : زغلول النجار متحدثا عن النجوم :
وتختلف النجوم في أحجامها وألوانها ، وفي درجات حرارتها ، ويعتقد العلماء أن النجوم التي في السماء تختلف اختلافا كبيرا في أعمارها ، وأنها تمر بدورة تشبه دورة الحياة على الأرض ، فهي تبدأ نجوما زرقاء حارة ، ثم تصير بيضاء فصفراء ، ثم تصير في آخر الأمر نجوما باردة حمراء . والنجوم كلها تتحرك في الفضاء الكوني في اتجاهات ثابتة محددة .
ويتحدث في مكان آخر عن النجوم والكواكب فيقول :
وبالسماء ما يعرف باسم النجوم البيضاء القزمة ، ومادتها ذات كثافة هائلة ، ويعتقد بأنه دور لشيخوخة في حياة النجم العادي ، وفي مادة هذه النجوم القزمة ، يعتقد أن الإلكترونات في حالة انحلال بمفهوم نظرية الكم وحتى بمفهوم النظرية النسبية في بعض الحالات ، وهناك أيضا حدا أعلى لكتلة النجم التي تكون في وضع اتزان ميكانيكي في مثل هذه الحالات .
وتبلغ درجة حرارة السطح الخارجي للشمس ستة آلاف درجة مئوية تقريبا ، بينما يتزايد اتجاه مركزها إلى حوالي عشرين مليون درجة مئوية ، وبالتحليل الطيفي لأشعة الشمس تبين أن الشمس تحتوي على نفس العناصر التي تتكون منها الأرض ، ولكن بنسبة متفاوتة كثيرا ، حيث يكون الهيدروجين معظم كتلة الشمس .
والشمس في تمدد مستمر ، ولولا ذلك لانفجرت كقنبلة هيدروجينية هائلة ، والشمس تشع أضواءها في الفضاء المتسع منذ نشأتها ، وهي تفقد من طاقتها في الثانية الواحدة ما يعادل خمسمائة وثمانية آلاف مليون مليون مليون قوة حصان .
ولما كان للطاقة كتلة ؛ فإن الشمس تفقد من كتلتها ما يعادل خمسة ملايين من الأطنان في كل ثانية ، وعلى ذلك فقد حسب أنه بعد خمسة آلاف مليون سنة من الآن ستتوهج الشمس أكثر من ذلك ألف مرة ويزداد حجمها مائة مرة ، ثم بعد 15 ألف مليون سنة من الآن ستتحول الشمس إلى ما يعرف بالنجوم البيضاء القزمة ، وحينئذ تنطفئ جذوتها ويخبو نورها ، وهذا بالطبع إذا استمرت الأمور في إطارها العادي دون طارئ خارجي يتدخل من إرادة عظمى تهيمن على هذا الكون وتسيره . xvii
لقد أخبر القرآن الكريم : أن الدنيا محدودة الأجل ، وإذا جاء يوم القيامة ؛ انشقت السماء ، وامتدت الأرض ، ونسفت الجبال ، وفجرت البحار ، وكورت الشمس ، وانكدرت النجوم .
{ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار * وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد * سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار * ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب } . ( إبراهيم : 48 51 ) .
قوله تعالى : " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء " معنى الآية التشبيه والتمثيل ، أي صفة الحياة الدنيا في فنائها وزوالها وقلة خطرها والملاذ بها كماء ، أي مثل ماء ، فالكاف في موضع رفع . وسيأتي لهذا التشبيه مزيد بيان في " الكهف{[8460]} " إن شاء الله تعالى . " أنزلناه من السماء " نعت ل " ماء " . " فاختلط " روي عن نافع أنه وقف على " فاختلط " أي فاختلط الماء بالأرض ، " به نبات الأرض " أي بالماء نبات الأرض ، فأخرجت ألوانا من النبات ، فنبات على هذا ابتداء ، وعلى مذهب من لم يقف على " فاختلط " مرفوع باختلط ، أي اختلط النبات بالمطر ، أي شرب منه فتندى وحسن وأخضر . والاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض .
قوله تعالى : " مما يأكل الناس " من الحبوب والثمار والبقول . " والأنعام " من الكلأ والتبن والشعير . " حتى إذا أخذت الأرض زخرفها " أي حسنها وزينتها . والزخرف كمال حسن الشيء ، ومنه قيل للذهب : زخرف . " وازينت " أي بالحبوب والثمار والأزهار ، والأصل تزينت أدغمت التاء في الزاي وجيء بألف الوصل ؛ لأن الحرف المدغم مقام حرفين الأول منهما ساكن والساكن لا يمكن الابتداء به . وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب " وتزينت " على الأصل . وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية " وأَزْيَنَتْ " أي أتت بالزينة عليها ، أي الغلة والزرع ، وجاء بالفعل على أصله ولو أعله لقال وازانت . وقال عوف بن أبي جميلة الأعرابي : قرأ أشياخنا " وازيانت " وزنه اسوادت . وفي رواية المقدمي " وازّاينت " والأصل فيه تزاينت ، وزنه : تقاعست ثم أدغم . وقرأ الشعبي وقتادة " وأزْيَنت " مثل أَفْعلت . وقرأ عثمان النهدي " وازينت " مثل : افعَلَّت ، وعنه أيضا " وازيانت مثل : افعالت ، وروى عنه " ازيأنت " بالهمزة ، ثلاث قراءات .
قوله تعالى : " وظن أهلها " أي أيقن . " أنهم قادرون عليها " أي على حصادها والانتفاع بها ، أخبر عن الأرض والمعنى النبات إذ كان مفهوما وهو منها . وقيل : رد إلى الغلة ، وقيل : إلى الزينة . " أتاها أمرنا " أي عذابنا ، أو أمرنا بهلاكها . " ليلا أو نهارا " ظرفان . " فجعلناها حصيدا " مفعولان ، أي محصودة مقطوعة لا شيء فيها . وقال " حصيدا " ولم يؤنث لأنه فعيل بمعنى مفعول . قال أبو عبيد : الحصيد المستأصل . " كأن لم تغن بالأمس " أي لم تكن عامرة ، من غني إذا أقام فيه وعمره . والمغاني في اللغة : المنازل التي يعمرها الناس . وقال قتادة : كأن لم تنعم . قال لبيد :
وغنيت سبتا قبل مجرى داحس*** لو كان للنفس اللجوج خلود{[8461]}
وقراءة العامة " تغن " بالتاء لتأنيث الأرض . وقرأ قتادة " يغن " بالياء ، يذهب به إلى الزخرف ، يعني فكما يهلك هذا الزرع هكذا كذلك الدنيا . " نفصل الآيات " أي نبينها . " لقوم يتفكرون " في آيات الله .